سلام الإمارات مع إسرائيل: ذريعة إنقاذ الفلسطينيين لإرضاء ترامب وتحقيق مكاسب شخصية

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

كالعادة في كل “زفة” يقوم بها عرب مع إسرائيل يجري التحضير لها بعناية فائقة، خاصة أن الجميع ظل يهمس عن وجود علاقة حب عميقة بين إسرائيل والإمارات. ولم يفتأ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في محاولة له لإخبار القيادة الفلسطينية أنه لم يعد بحاجة إليها، يتحدث عن مغامراته في بلاد الجزيرة العربية والصحراء الأفريقية، وتعاونت الصحافة الإسرائيلية والأمريكية ولسنوات على الكشف عن تفاصيل “علاقة الغرام” الإماراتية، والتي قدمت على أنها ضرورة من أجل مواجهة العدو الأهم وهي إيران.

 ولم يكن الجميع بحاجة لنشر صور عن المكالمة الثلاثية بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونتنياهو وولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد، بطل القصة. لأن التفاصيل معروفة وعلاقة الحب كانت بحاجة لأن تتحول من زواج عرفي إلى عقد قران “شرعي”. وكان لا بد من مبرر، وفي هذه المرة وكغيرها من مرات عدة تحول الفلسطيني من “ضحية” دائمة إلى “كبش فداء” فالإمارات ضحت من أجلهم وأوقف محمد بن زايد خطة ضم لوح بها نتنياهو. ولم يكد الإماراتيون يقدمون التفاصيل عن بطولات ولي العهد حتى كان نتنياهو يدمر كل روايتهم في مؤتمره الصحافي الذي تغنى بالإمارات وناطحات السحاب بها.

سياسة محلية

ثم جاء مبعوث ترامب ورجله في الشرق الأوسط، جاريد كوشنر، ليؤكد أن الإمارات هي البداية في الخليج والعالم العربي، وأن هناك دولا ستوقع معاهدات سلام مع إسرائيل. والحقيقة في كل هذا لا علاقة له بحل القضية الفلسطينية ولا بتقديم رؤية واقعية للصراع والإعتراف بالحقائق على الأرض بل بالسياسة المحلية الأمريكية، وتراجع حظوظ ترامب في الانتخابات القادمة، ومن هنا قدم له الحلفاء بالمنطقة والذين أطلق لهم العنان بأن يفعلوا ما يريدون: توسيع المستوطنات بالنسبة لإسرائيل ومواصلة التدخلات والحروب في المنطقة بالنسبة للإمارات قارب النجاة على أمل أن ينجو في 3 تشرين الثاني/نوفمبر. فالتوقيت كان مدروسا، فليس أمامنا سوى ثلاثة أشهر على الانتخابات الرئاسية. وسيجبر ترامب منافسيه الديمقراطيين على مدح إنجازه الوحيد في السياسة الخارجية، فكما لاحظ ريتشارد هاس في “فورين أفيرز” أن ترامب اعتمد سياسة تخريب في الشؤون الخارجية لا البناء. فمع أنه جرى وصف المعاهدة الجديدة بالإختراق التاريخي والهزة الأرضية الجيوساسية على حسب قول المعلق توماس فريدمان في “نيويورك تايمز” (13/8/2020) إلا أنها تظل، بنظره أقل من المعاهدة التي وقعها الرئيس أنور السادات مع مناحيم بيغن عام 1979 أو الملك حسين مع اسحق رابين، 1994. ولا حتى مصافحة ياسر عرفات لرابين في حديقة البيت الأبيض العام الذي سبق معاهدته مع الأردن. ويرى فريدمان أن الجهود للتوصل إلى المعاهدة تعود لكوشنر الذي قدم خطة منحت إسرائيل كل ما تريد، وعندما بدأ نتنياهو التهديد بالضم أقنع ترامب بمنعه نظرا لرفض الفلسطينيين (لا يهتم بالطبع برفضهم) والحلفاء العرب. ومن هنا قام مع نتنياهو ومحمد بن زايد بتحويل الليمون (المر) إلى ليمونادة. ومن هنا يقول فريدمان إن إسرائيل حصلت عندما لوحت بالضم على سلام مقابل سلام لا أرض مقابل السلام وهو جوهر المبادرة العربية.

ذريعة الضم

وكان الضم هو الإطار الذي منح الإمارات الفرصة لفتح علاقات مع إسرائيل ونعرف أنها بدأت بشكل عملي بعد لقاء في وارسو، ثم تبعتها لقاءات في واشنطن وزيارات سرية متبادلة بين الإمارات وإسرائيل حسبما كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” (13/8/2020)، ثم جاء مقال سفير الإمارات يوسف العتيبة (صديق كوشنر) في صحيفة “يديعوت أحرونوت” بحزيران/يونيو حذر فيه من مخاطر الضم على علاقات إسرائيل مع دول الخليج. والحقيقة أن الإمارات تفكر منذ وقت حسب فريدمان بفتح علاقات مع إسرائيل إلا ان النقاش حول الضم منحها الفرصة لكي تمضي قدما في التطبيع وفي الوقت نفسه ينظر إليها أنها حققت شيئا للفلسطينيين. وبالنسبة لنتنياهو كان الإعلان فرصة نجاة مما قال عنها الكاتب الإسرائيلي أفي شافيت “ووترغيت” كما فعل نيكسون عندما ذهب إلى الصين. وما عناه هو أن نتنياهو كان يفعل المستحيل للحصول على دعم اليمين المتطرف في قضية الفساد التي تلاحقه. وفي المقابل حرم الإتفاق رئيس السلطة الوطنية محمود عباس من ورقة وهي أن دول الخليج ان تقيم علاقات مع إسرائيل قبل اتفاقها مع الفلسطينيين ولكن العكس حدث، وهو ما عمل نتنياهو بدعم من إدارة ترامب على تحقيقه.

الدومينو الخليجي

 والخطر الآن هو حدوث أثر الدومينو وأن تتبع كل دول الخليج التي تقيم كلها علاقات سرية مع إسرائيل خطوات أبو ظبي، وستجد كل دولة الذريعة لتبرير علاقاتها الجديدة وتحولها. وكما لاحظنا في السنوات الأخيرة فقد شجع الخطاب الإعلامي في  دول المنطقة عمليات شيطنة الفلسطينيين والحديث عن إسرائيل كجارة طبيعية يجب التعامل معها. وكانت إدارة ترامب تخطط لدفع عمان والبحرين والمغرب والإمارات لعقد اتفاق مع إسرائيل ولكنها وجدت صعوبة في هذا وفضلت التعامل مع كل دولة على حدة، كما كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” (13/8/2020) وأشارت في تقرير آخر نقلا عن مسؤولين أمريكيين وفي الخليج أن السعودية ستتخذ موقفا وبطيئا قبل أن تمضي مثل غيرها في قطار التطبيع. ولن يحدث التطبيع طالما ظل الملك سلمان في العرش. وحاول على خلاف ابنه ولي العهد تأكيد التزام بلاده بالمبادرة العربية. وفي لغة الرابحين والخاسرين، إن أخذنا بتحليل فريدمان، فالملك عبدالله الثاني هو رابح لأن وقف الضم منع من تحويل بلاده إلى دولة فلسطينية، وكذا جوزيف بايدن الذي لو فاز فلن يقلقه موضوع الضم. أما قائمة الخاسرين فهي طويلة حسب فريدمان، وعلى رأسها إيران وسوريا الأسد وحماس وحزب الله والحوثيين في اليمن وجماعات إيران في العراق. وأشار إلى أن الإمارات ستتقوى الآن بإسرائيل والرسالة لطهران: لدينا إسرائيل في جانبنا فلا تلعبوا معنا”. وعلى العموم فما يجري اليوم هو لعبة الاستفراد بالدول العربية الراغبة بالتطبيع، دولة بعد أخرى. وكما وصف ديفيد إغناطيوس في “واشنطن بوست”(13/8/2020) وستعطي ترامب مساحة للتنفس في الجولة الإنتخابية. وأشار إلى تعليقات محمد بن زايد في المكالمة المشتركة حيث قال “هذا أحسن خبر في عام 2020 ولم يكن عاما جيدا” وهو محق في كلامه لأنه عانى من هزائم في اليمن وليبيا، مثل ترامب الذي يواجه تراجعا في شعبيته ومثل نتنياهو الذي تلاحقه قضايا الفساد. والغريب أن “مفاجأة آب” وإن غلفت بغلاف وقف الضم إلا أن الجانب الإماراتي لم يحصل على ضمانة لمنع إسرائيل من تنفيذ وعودها للمستوطنين، حيث نقلت صحيفة “إندبندنت”(15/8/2020) عن مسؤول إماراتي قوله إن الإتفاق لم يحتو على ضمانات بوقف الضم. وهذا الكلام ليس جديدا إلا أن المعاهدة مع الإمارات تعطي نتنياهو الذريعة لكي يخبر المستوطنين أن إدارة ترامب قالت لا للضم. وهو الذي ظل يردد أن ملف الضم هو بيد واشنطن.

لماذا الآن

وقد يتساءل الواحد عن سبب مضي الإمارات في التطبيع دون مشاورة عربية، مع أن السعودية حسب مسؤولين أمريكيين كانت عارفة بخطط الإمارات. ومن هنا يقول المفاوض الأمريكي السابق دينس روس أن الصورة الأكبر للمعاهدة مع إسرائيل هي طموح الإمارات للحصول على الأسلحة المتقدمة التي ظلت ممنوعة من شرائها مثل الطائرات المسيرة المتقدمة. وهي تكنولوجيا منحتها أمريكا لإسرائيل لكي تحافظ على التفوق العسكري النوعي في المنطقة. ويعلق روس في مقاله الذي نشره بصحيفة “واشنطن بوست” (13/8/2020) أن التفوق النوعي

جاء من أجل توفير الإحتياجات الأمنية الإسرائيلية والردع إلا أن السلام هو جزء من هذه الحسابات. فقد وفرت الولايات المتحدة الأسلحة المتقدمة لمصر بعدما وقع الرئيس المصري أنور السادات معاهدة سلام مع إسرائيل. ومن هنا فمعادلة تخفيف متطلبات التفوق النوعي عندما تعقد دولة سلاما مع إسرائيل ستطبق على الإمارات. ومن هنا فالفكرة هي تأكيد أن السلام مع إسرائيل ستنتج عنه منافع اقتصادية وأمنية طويلة الأمد، حتى لو عرضتهم في المدى القصير، كما يتوقع الإماراتيون لمخاطر من إيران والمتشددين الإسلاميين. وقال إن الإمارات منحت إدارة ترامب الفرصة للتفاخر أنها قادرة على صنع السلام بدون موافقة الفلسطينيين. وهي ليست حريصة عليهم، بقدر رغبتها بتغيير الحديث عن مشاكل إدارته الداخلية.

إنجاز وتغريدة

وكما لاحظ بوبي غوش في “بلومبيرغ” (13/8/2020) فالإنجاز التاريخي أعلن عنه ترامب عبر تويتر، ثم تحول بعد ساعة للحديث عن منافسه جوزيف بايدن متوقعا انهيار أمريكا لو فاز المرشح الديمقراطي وزميلته في بطاقة الديمقراطيين كاميلا هاريس، وبعدها انتقل للحديث عن كرة القدم، لعلمه أن الناخب الأمريكي لن يهتم كثيرا بالتطبيع بين إسرائيل والإمارات العربية. ويقول إن ترامب يمكنه تحقيق نقاط ثانوية ضد بايدن في واحدة من المناظرات المتوقعة بينهما. وقلل الكاتب من الدور الأمريكي في المعاهدة الأخيرة، فالعلاقات قائمة منذ سنوات وكانت مسألة وقت قبل أن يقرر محمد بن زايد أو نتنياهو اتخاذ الخطوة وإعطاء العلاقة صفة الرسمية. وكانت الإمارات هي المفضلة لكي تكون الأولى لعقد معاهدة نظرا للسياسة الخارجية التي تبناها بن زايد والتي عادة ما تزاوج طموحاتها بالمصالح الأمريكية. ويعتقد غوش أن بن زايد هو من يقامر أكثر بفتح علاقات مع إسرائيل. فرغم تراجع القضية الفلسطينية لدى قادة الخليج إلا أن إسرائيل لا تحظى بشعبية بين العرب. وعليه سيحاول الإعلاميون ورجال الدعاية حول بن زايد تصويره بمنقذ الفلسطينيين من خلال فكرة منعه نتنياهو ضم 30 في المئة من الضفة الغربية. ولكن تسويق هذا لن يكون سهلا، فأعداء الإمارات في المنطقة سيتهمونه بالتعاون مع مضطهد الفلسطينيين وسيحمل بن زايد مسؤولية أي قتل، إهانة، تدمير بيت أوهجوم للجيش والمستوطنين على الفلسطينيين. وربما حاول المتشددون الإسلاميون جعله عبرة لمن لا يعتبر كما فعلوا بأنور السادات. مع أن الكاتب يقلل من هذا، فبن زايد حاكم غير منتخب وربما حسب المخاطر قبل مضيه في العملية، وأن ايجابيات التعاون مع إسرائيل تتفوق على السلبيات. فهو سيحصل منها على تعاون تكنولوجي وتجاري مع إسرائيل ويقوي موقعه في واشنطن خاصة في الكونغرس، نظرا لتوافق الحزبين على مصلحة إسرائيل.

وحده الفلسطيني

وبالمحصلة فالخاسر في المعركة الحاليون هم الفلسطينيون وما جرى هو تخل جديد عنهم وطعنة لهم. وكما قال إيان بلاك، في صحيفة “الغارديان” (14/8/2020) فالتخلي عن الفلسطينيين ليس جيدا مهما قالت آلة الغزل الإعلامي في تل أبيب وأبو ظبي وواشنطن. وعلق جوناثان فريدلاند في نفس الصحيفة أن الإتفاقية أعطت إسرائيل مبررا لكي تواصل احتلالها للأراضي الفلسطينية وحرمان الفلسطينيين من حق تقرير مصيرهم، وفوق كل هذا الحصول على احترام بعض الدول العربية. وكما علق قائلا إنه يتفهم فرح الإسرائيليين لأن هذا يعني قبولا لبلدهم في الشرق الأوسط، سفارات ورحلات مباشرة  و”لكن القبول يحتاج أكثر من توقيع ديكتاتور على معاهدة. ويعني عقد سلام مع شعوب المنطقة وليس طغاتها الذين يحكمونهم. وعقد سلام مع شعب بعينه، الشعب الذي قدره هو ىالمشاركة بنفس الأرض، فالجائزة من الصعب تحقيقها ولكنها هي التي تهم أكثر”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية