وزير الإعلام السوري محشورا على فضائيته

حجم الخط
3

■ بدا وزير الإعلام السوري عمران الزعبي محشوراً تماماً في زاوية برنامج «مِن الآخِر»، وهو أحد برامج «الفضائية السورية» المسؤولة من قبل الوزير نفسه. قد يظن المشاهد أن تغيّراً كبيراً أصاب الإعلام السوري، إذ كيف يمكن لمذيع أن يحاكم رئيسه بتلك اللغة، وتلك الأسئلة والحقائق؟!
من يعرف سوريا يدرك جيداً أن الوزير الزعبي هو أضعف وزراء الإعلام، الذين مرّوا في تاريخ الوزارة، لا بسبب الأداء، بل بسبب ابتعاده عن مراكز القرار. قد يظن الوزير (المحامي السابق) أنه استحق هذا المنصب الوزاري الحساس بجدارته، ولا ندري إن خطر بباله أنه استُخدم بسبب انتمائه لمدينة درعا، المدينة التي اندلعت منها الثورة السورية فخرجت بكاملها على النظام، ومن الواضح أن النظام حاول بتنصيب الزعبي، لا أن يسترضي المدينة المنكوبة، فهذا آخر همّه، بل ليروّج صورة مغايرة تدحض القول إن المدينة الثائرة قد خرجت عن بكرة أبيها.
إذا فهمنا هذا الحال لا بد أننا سندرك أن المقابلة الأخيرة «العاصفة» هي تمثيلية في السياق نفسه، سيظن المشاهد أن الإعلام حرّ في المساءلة إلى هذا الحدّ، ولكن صورة المذيع جعفر أحمد بلغته الانتصارية، وابتسامته الواثقة المغرورة، تثبت من جديد أن القرار في موقع آخر، وأن الوزير لا حول له ولا قوة. فيكفي أن يعرف الوزير أن البرنامج مدعوم بإشارة خضراء من جهة ما حتى يضطر للانصياع.
كجزء من التمثيلية قدم البرنامج، وعلى مرأى الوزير بضع ملاحظات حول أداء الإعلام السوري، ضمن تقرير مصور يتهم هذا الإعلام بـ «ضياع البوصلة، تتبعه سياسات انفعالية وليدة اللحظة، فيتشتّت الخبر وتتناثر مصداقيته، وكانت القاعدة غير واضحة في أغلب الأوقات. إلى مرحلة استيعاب وامتصاص الصدمة. وهنا بدأ يتبلور الموقف ويبنى على أساسه، فنشر مراسليه في المحافظات، ونزل إلى الأرض لينسف معادلة شاهد العيان. قلّل من أهمية صورة تفتقد إلى أدنى درجة من المهنية مستفيداً من واقع أريد له التضخم فوقع في فخ وجوب انتشار كاميراته في المناطق أغلبها».
ليست الملاحظات الواردة في تقرير البرنامج بشيء ذي قيمة، يعرف صناع هذا الإعلام أن ملاحظات كهذه تخفي وراءها كارثة إعلامية لن يعترف بها أحد، بدءاً من إنكار التظاهرات الأولى، إلى تزوير شعاراتها، إلى ادعاء أن «الأزمة خلصت وسوريا بخير» خلال أسبوعين، وصولاً إلى إجبار الناس على الاعتراف على ما لم يرتكبوه على شاشات التلفزيون.
يمضي البرنامج في انتقاد تشابه الصحف الرسمية وكأنها نسخة واحدة، كما ينتقد تدخل مختلف الوزارات في صياغة الأخبار المتعلقة بها، ويتساءل إلى أي حد مسموح الكشف وملاحقة الفساد والمفسدين. وكلها أسئلة عادية بلبوس جريء، يبدو فيه المذيع وكأنه فعلاً سينقض على وزيره.
الوزير، ويبدو أنه ما زال يصدق أنه صاحب القرار، يجيب على كل ذلك بقاعدة معروفة وتاريخية في دولة «البعث»، حين يقول «الحرية التي تفتقد إلى المسؤولية ليست حرية». ذكّرني ذلك بكلام زميل صحافي كتب متهكماً قبيل الثورة بسنوات «الإعلام السوري، حيث النقد بنّاء، والحرية مسؤولة»، عبارة براقة في شكلها، إنما في استعمالها تعني الركل على خاصرات الناس، مع تلك الصيحة الشهيرة «بدكم حرية؟».

الحذاء العسكري

بثت القناة اللبنانية «أل بي سي» تقريراً حول حملة إعلانية في شوارع دمشق بعنوان «لنداوي جراحكن»، مشفوعة بصورة حذاء عسكري ضخم، وقالت القناة إن الإعلان برعاية مؤسسة «الوعد الصادق» القريبة من النظام، ونقلت في تقريرها اعتراضات المؤيدين أنفسهم حين قالوا هل من المعقول أنكم لم تجدوا رمزاً معبراً للجندي إلا الحذاء العسكري!
القناة عادت في تقريرها إلى مناسبات عدة جرى فيها تمجيد الحذاء العسكري أبرزها عندما حضر محافظ اللاذقية لإزاحة الستار عن تمثال لحذاء عسكري على مدخل المدينة. وتابعت القناة تقول «إن التباهي بوضع الحذاء العسكري على الرأس تحوّل إلى مشهد مألوف يضعه الكبار على رؤوسهم، ولا يسلم الصغار من ثقله». كذلك ذهبت القناة في تقريرها إلى مصر التي أطلقت في ثورتها صرخة «يسقط حكم العسكر» لنرى من بعدها مشاهد اعتلاء الحذاء العسكري للرؤوس. القناة ختمت تقريرها بعبارة تقول «هكذا يحصل في زمن هزيمة العقل السياسي يتمدد البوط العسكري ليملأ الفراغ.
يعرف الجميع أن إعلاناً في شوارع دمشق لا بد أن يمرّ عبر «مؤسسة الإعلان» التابعة لوزارة الإعلام، فلا يمكن القول إنها أشياء جاءت عفو خاطر الجماهير، بل جزء من سياسة رسمية، وطالما أن الحذاء قد جاء من فوق فلا بد أن يفهمه الناس كنوع من التهديد والترهيب. هاتوا لنا شيئاً مثل هذا حدث في العالم. إلى هذا الحدّ ضاقت بنا الرموز وإمكانيات التعبير؟!

نظرة صوفيا لورين

إذا خطر للمرء أن يسأل أين يكون التاريخ في الأحداث العظيمة التي لا تتكرر إلا كل مئة سنة أو ربما أكثر، فإن هناك بعض الأجوبة الراهنة. إن خطر السؤال مثلاً عن التاريخ الخاص بأيامنا هذه، أين يكون، وماذا يسجل في هذه الأثناء، سيأتينا الجواب في خبر جرى تداوله بكثرة أخيراً، عرفنا منه أن التاريخ ما زال يتجول في أروقة سنوات الستينيات من القرن الماضي، ويتوقف عند صورة بالأسود والأبيض للممثلة النجمة صوفيا لورين مع زميلتها جين مانسفيلد.
يقول الخبر إن النجمة العالمية صوفيا لورين البالغة من العمر 80 عاماً كشفت عن سر نظرتها الخاطفة التي رمقت بها الممثلة جين مانسفيلد في بيفرلي هيلز منذ ستة عقود: « في ذلك الحفل كانت الممثلة جين مانسفيلد قد أتت إلى الطاولة التي كنت أجلس عليها. إن نظرتم إلى الصورة سترون أن عيوني تتجه نحو ثدييها البارزين حيث كنت أخشى أن يقعا في طبقي. لقد كنت خائفة حقاً من كل شيء في فستانها لأن كل أجزائها كانت معرضة للخروج منه فجأةً».
التاريخ إذاً ليس شيخاً جليلاً كما تصوّره المسلسلات التلفزيونية العربية، فهو قد ينشغل أحياناً بأمور أقل بكثير من حرب كونية، قد يهمل مجازر تحصد مئات الآلاف من البشر، وينشغل بنظرة.

٭ كاتب من أسرة «القدس العربي»

راشد عيسى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية