لبنان: الخوف والانتظار

حجم الخط
3

لم يعد هناك من سؤال لبناني. لبنان في المهب، لكن طبقته السياسية بمختلف فروعها الطائفية قررت الانتظار والخوف.
التركيبة السياسية اللبنانية كما استقرت بعد الانسحابين الاسرائيلي والسوري يقودها عاملان: الأول هو الخوف والثاني هو الانتظار.
ففي باب الخوف نكتشف أن الجميع خائف من الجميع. السنة خائفون من الشيعة والشيعة خائفون من السنة، والمسيحيون خائفون، بحسب انقسامهم الى معسكرين، من السنة والشيعة معاً، والدروز ايضا خائفون، رغم استقرار زعامتهم. الجميع خائفون، والخائفون يجلسون معا الى طاولة مجلس الوزراء، النواب يمددون لأنفسهم ولا ينتخبون رئيسا للجمهورية، يتحاورون على الشاشة الصغيرة، لكنهم لا يضمرون سوى عدم الثقة بالآخر والخوف منه.
الشيعة خائفون من داعش والنصرة ومن تداعي النظام السوري، والسنة خائفون من التمدد الايراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن، والمسيحيون والدروز خائفون من الانقراض أو الهجرة والى آخره.
وعلى رغم المناوشات العسكرية في عرسال وطرابلس وأسرى الجيش اللبناني، فإن النظام السياسي اللبناني يبدو مستقراً، كأن الخوف صار عامل استقرار ثابت رغم نسبيته، وكأن الخائفين هم أكثر الناس قدرة على الإيحاء باستقرار ما للنظام اللبناني، الذي عاش منذ تأسيس دولة لبنان الكبير عام 1920 على حافة الانفجار، من دون أن يتشظى ويتفكك بشكل كامل.
لكن الخوف لم يمنع بعض الخائفين من الذهاب الى الحرب متى استطاعوا. حزب الله يقاتل في سوريا كجيش شبه نظامي دفاعا عن نظام الاستبداد الأسدي وعن الحلف الإقليمي الذي تقوده ايران. بعض الاتجاهات السلفية السنية دفعت بمقاتلين الى سوريا من دون أن يعني ذلك أن هناك هيئة تمثيلية سنية تشكل ندا لحزب الله تورطت في الحرب في سوريا. وهناك مؤشرات الى تورط القوميين السوريين في القتال في منطقة وادي النصارى، لكن ليس هناك معلومات دقيقة عن عدد اللبنانيين المنتمين الى هذا الحزب الذين يقاتلون هناك، كما أن السيد وئام وهاب، وهو زعيم محلي درزي وحليف ثابت للمخابرات السوريا، سبق له أن صال وجال في جبل العرب، من دون نتيجة تذكر.
يقول حزب الله إن قتاله في سوريا استباقي، أي أنه خائف من تمدد داعش والنصرة الى لبنان، وهذا قد يكون صحيحا اليوم، لكنه لم يكن كذلك عندما دخلت جحافل الحزب الى سوريا تنفيذاً لأوامر الولي الفقيه وبحجة الدفاع عن المقامات الشيعية وخصوصا مقام السيدة زينب في ضاحية دمشق.
رغم كل ذلك، فإن المناخ السائد في لبنان هو مناخ الخوف، فالخائفون متفقون أنهم لا يملكون القرار، وعليهم الانتظار، لذا تعطلت مؤسسات الدولة مع المحافظة على شكلها، أي أن الخوف يشكّل اليوم لحمة ما تبقى من المؤسسات.
الخوف موقف حكيم، لأنه نقيض التهور الذي ساد لبنان طويلا خلال أعوام الحرب الأهلية، غير أنه خوف عقيم لا ينتج عنه سوى الانتظار.
أما في باب الانتظار فإنني لا أدري ماذا ينتظرون، فإذا كانوا في انتظار نهاية الحروب في سوريا والعراق، فإن هذا الانتظار قد يطول كثيراً. أما اذا كانوا في انتظار صفقة ايرانية امريكية تعيد ترتيب الحروب في المنطقة، فلا شيء يؤكد أن هذه الصفقة ستنعكس بشكل إيجابي على منطقتي التوتر في العراق وسوريا، بل قد تزداد الحرب ضراوة وتتخذ شكلها الديني المذهبي بشكل أكثر وضوحا. أما انتظار اتفاق سعودي- إيراني فيبدو أن دونه عقبات كبرى.
الطبقة السياسية اللبنانية لا تدري ماذا عليها أن تفعل، مجمع الخائفين في مؤسسات النظام السياسي اللبناني قرر أن لا يفعل شيئا، رضخ لنداءات الخوف واكتشف أن النظام اللبناني يمكن أن يستمر، شرط التعامل مع الانتظار ضمن حدود دنيا من التوافق السياسي، تخفي اهتراء المؤسسات بمزيد من الاهتراء.
وعلى الرغم من تعاطفي المبدئي مع الحراك الشبابي المدني المحدود الذي اعترض على التمديد للمجلس النيابي، فإن اداء الطبقة السياسية الحاكمة لا مفرّ منه، من ضمن تركيبة الصيغة اللبنانية التي قامت بعد اتفاق الطائف على توازن دقيق بين الشيعية السياسية والسنية بعد التهميش الكامل للمارونية السياسية وتحويلها من طرف في المعادلة إلى غطاء لها يقدمه الرئيس الماروني الذي لا حيلة له ولا سلطة امام سلطة وتسلط الرئاستين الأخريين. وفي الأزمة الراهنة اكتشفت التركيبة انها تستطيع أن تستمر من دون هذا الغطاء الذي فقد قيمته الرمزية.
فالحراك المدني رغم ضرورته كضمير لبلاد فقدت ضميرها، لا يملك بديلا يطيح بهذه التركيبة الطائفية المهينة للعقل والوجدان، فيكتفي بالطلب من المرتكبين والطائفيين وناهبي المال العام حماية الدستور من ارتكاباتهم!
المعادلة الجديدة أفقدت لبنان دوره ومعناه، صحيح أن الدور القديم الذي بناه الميثاق الوطني على التحالف الماروني السني تهاوى في الحرب، ولم يستطع سوى ان ينتج استقرارا مؤقتا عبرت عنه المرحلة الشهابية، لكن الصحيح أيضا ان البديل الشيعي- السني لم يقدم سوى رؤية قائمة على ميزان دقيق من الاقامة على حافة الحرب والاستقواء المباشر بالخارج.
يبدو أن لا مفر من الانتظار الخائف، لا لأنه يستطيع إنقاذ لبنان بل لأن لا بديل حتى الآن لهذه الطبقة التي تعودت الخضوع لإملاءات الخارج، معتقدة انها تستطيع استخدام هذا الخارج للاستقواء به على بعضها البعض.
لبنان على حافة البركان، ولست متأكدا من أن حكمة الخوف والانتظار تستطيع انقاذه، لكنها نجحت حتى الآن في اعطائه فسحة تسمح له بالتآكل البطيء بدل الانفجار السريع.
واللافت أن أكثرية اللبنانيين تعرف ذلك لكنها تفضل إنكار الوقائع وعدم رؤيته، لأنها اكتوت بنار الحروب وفقدت الأمل.
هل من أمل باستعادة الأمل.
لا أدري، لكن استعادة نبض مشروع اسقاط النظام الطائفي عبر حراك شعبي منظم قد يكون بداية متأخرة، لكنها أفضل من صمت انتظار الخراب.

الياس خوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية