بطريرك الموارنة يؤكد على الحياد: الانحياز جعل لبنان في حالة تفكك وتهديد للكيان

حجم الخط
5

بيروت – “القدس العربي”:

منذ عظة الخامس من تموز/يوليو التي وجه فيها نداء إلى الأمم المتحدة مطالبا بالعمل على إعادة تثبيت استقلال لبنان ووحدته وتطبيق القرارات الدولية وإعلان الحياد، لم يتوقف البطريرك الماروني الكادرينال مار بشارة بطرس الراعي عن رفع الصوت، وقد قدم مذكرة باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية تحت عنوان “مذكرة لبنان والحياد الناشط”، مؤكدا أن “إعلان حياد لبنان هو فعلٌ تأسيسي مثل إعلان دولة “لبنان الكبير” سنة 1920 وإعلان استقلال لبنان سنة 1943″. وقال: “الفعل الأول منع ذوبان اللبنانيين في الوحدة العربية الإسلامية ومنحهم نظامهم الديمقراطي البرلماني والعيش المشترك. الفعل الثاني أعطى السيادة للدولة الناشئة وثبتَ دورها المستقل في منظومة الأمم. والفعل الثالث، الذي نعمل على تحقيقه، يمنع تقسيم لبنان ويحميه من الحروب ويحافظ على خصوصيته. فالحياد هو “عقدُ الاستقرار” بعد عَقدَي الوجود والسيادة”.

وقال الراعي في مؤتمر صحافي عقده مقر البطريركية الصيفي في الديمان: “حظِيَ طرحُنا الحياد تأييدا واسعا متعددَ الطوائف والأحزاب، وكان كم كبيرٌ من المقالات المؤيدة، وإن صَدَرَ بعضُ التحفظات والتساؤلات. لذا، رأيتُ من الواجب إصدار هذه المذكرة “لبنان والحياد الناشط”. فأتناول فيها خمس نقاط: موجبات هذا الطرح، مفهوم الحياد، أهميته كمصدر لاستقلال لبنان واستقراره، استفادة لبنان واقتصاده منه، والخاتمة”.

ومما جاء في الموجبات: “ربما حيادُ لبنان، كنظامٍ دستوري، لم يكن حاضرا في ذِهنِ مؤسسي دولة لبنان الكبير، لكنَه كان حاضرا كسياسةٍ دفاعيةٍ وخارجيةٍ يَتبِعُها هذا الكيانُ الصغير والجديد ليُثبتَ وُجودَه ويُحافظ على استقلالِه واستقرارِه ووِحدِته وهويتِه. أثناءَ وضع الدستور اللبناني سنة 1926 طلب المفوض السامي الفرنسي هنري دو جوفنال (Henri de Jouvenel) من حكومتِه أن تُرسِل له نسخة من دستور سويسرا إذ وجده مناسبا للتركيبة اللبنانية. تأكدَتْ هذه النزعةُ سنةَ 1943 حين أعلنَتْ حكومةُ الاستقلال أن لبنان يَلتزِم “الحيادَ بين الشرق والغرب”، وشَدد عليه سنة 1945 لدى وضعِ ميثاقِ جامعةِ الدولِ العربيَة الذي جعَلَ قرارات الجامعة غير مُلزِمةٍ حتى لو اتخِذت بالإجماع. وأكدَت الأعمال الإعدادية لهذا الميثاق والمداخلات أن “لبنان دولة مساندة، وليس دولة مواجهة”. فيكون هكذا عنصر تضامن بين العرب، وليس عامل تفكيك وتغذية للنزاعات العربية، وخروجا عن التضامن العربي لصالح استراتيجيات تخدم أنظمة غريبة، ولا تخدم المصالح العربية المشتركة.

كانت فكرةُ الحياد تعود بتعابير مختلفةٍ في خُطَب رؤساءِ الجُمهورية وفي البيانات الوزارية وفي كل بيانٍ وطني يَصدُر عن هيئة حوارٍ وصولا إلى 12 حزيران/يونيو 2012 مع “إعلان بعبدا” الذي تمت الموافقةُ عليه بالإجماع وقد تضمنَ بوضوحٍ عبارةَ “تحييدِ لبنان”. أُرسِلَ هذا “الإعلان” إلى الأمم المتحدة، وتم توزيعه كوثيقةٍ رسميةٍ من وثائق مجلس الأمن والجمعية العامة، وصدرَ عن مجلس الأمن بيان بتاريخ 19/3/2015 يدعو الأطراف اللبنانية التقيُد بما ينص عليه هذا “الإعلان”.

ورأى الراعي أنه “بفضل هذه السياسةِ الحكيمة تمكن لبنان من المحافظة على وِحدةِ أراضيه رغمَ مشاريعِ الوحدةِ العربية، ورغمَ جميع الحروب العربية/الإسرائيلية. فجميعُ البلدان المتاخِمةِ لإسرائيل (سوريا، الأردن ومصر) خَسِرت أجزاءَ من أراضيها باستثناءِ لبنان. وإذا بتحييد لبنان النسبي عن صراعاتِ المنطقةِ ما بين 1943 و1975 أدى إلى الازدهارِ والبحبوحةِ، وزيادةِ النمو، وارتفاعِ نسبةِ دخلِ الفَرد، وتراجعِ البطالةِ حتى دُعِيَ لبنانُ “سويسرا الشرق”. تَعكرت تلك الحِقْبةُ سنة 1958 حين حاول الرئيس المصري جمال عبد الناصر ضم لبنان إلى الوِحدةِ المصرية/السوريَة العابرةِ. لكن سرعان ما تجاوز اللبنانيون تلك المحنة وتصالحوا وأكملوا دربَ بناء الدولة. انتكس التوازنُ اللبناني مع دخولِ العامل الفِلسطيني إلى المعادلة الداخلية وانطلاق العمل المسلح الفلسطيني في لبنان وانحياز فئةٍ من اللبنانيين إليه، الأمر الذي أدى لاحقا إلى نشوب الحرب سنة 1975.

تجاه الانقسام المسيحي/الإسلامي الذي عطل الحكمَ، أذعنت الدولةُ اللبنانية وقَبِلَت التنازل عن سيادتها، ووقعَت سنة 1969 “اتفاق القاهرة” الذي سمحَ للمنظمات الفلسطينيَة القيامَ بأعمال عسكرية ضد إسرائيل انطلاقا من الجنوب اللبناني. وكَرت سُبحةُ انحياز الدولة وفئات لبنانية إلى النزاعات العقائدية والسياسية والعسكرية والمذهبية في الشرق الأوسط. احتلت إسرائيل جنوب لبنان (1978/2000) وسيطرت المنظمات الفلسطينية على الجزء الباقي وصولا إلى وسط بيروت (1969/1982)، ثم دخلَت القوات السورية لبنان (1976/2005) ونشأ حزب الله حاملا مشروع الجمهورية الإسلامية الإيرانية بأوجهه الديني والعسكري والثقافي (1981/…).

وقعَتْ جميعُ هذه الأحداث بسبب خروج لبنان عن سياسة الحياد المتعارف عليها من دون نص دستوري. هكذا فقدت الدولةُ سلطتَها الداخلية، والكيانُ سيادتَه الحدودية، والوطنُ دورَه السياسي والصيغةُ توازنَها، والمجتمعُ خصوصيَتَه الحضارية. ونتجت عن هذا الاختلالِ صراعاتٌ جانبيةٌ داخليةٌ لا تَقِل ضراوة عن الحروبِ الأساسية. وها لبنان يترنح حاليا بين الوحدة والانقسام”.

وأضاف الراعي: “هكذا، كَشفت تجربةُ المئة سنة (1920/2020) من حياة دولة لبنان الكبير أنه يتعذر على لبنان أن يكون وطن الرسالة من دون اعتماد نظام الحياد. فالانحياز إلى صراعات دول الشرق الأوسط وشعوبه عابَ صيغةَ الشراكة بين المسيحيين والمسلمين بأوجهها الروحية والوطنية والإنسانية. فأصبح لبنان في حالة تفكك، وفشلت جميع الحلول والتَسويات، وما عاد يُنقِذ وحدتَه واستقلالَه واستقراره سوى الحياد. ذلك أن الخلافات بكثافتها وعمقها تُهدد الكيان لا الدولة فقط”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية