في المسألة الرشدية

حجم الخط
0

ليست المسألة الرشدية مقالا عن الفيلسوف العربي أبي الوليد بن رشد كما تعودنا الكتابة عنه، أو عن غيره من الفلاسفة المسلمين، الذين هم جزء من المأزومية الحضارية التي نحن بصددها الآن، لأنهم تواصوا وحرصوا على عدم البوح بعلوم البرهان ـ التأويل- إلا لخاصة الخاصة، وهو ما حال دون صنع أي موجة تنوير حقيقية في عالمنا العربي والإسلامي.
المسألة الرشدية المجبورون عن الكتابة عنها هذه المرة هي ظاهرة عبد الله رشدي، تلك الظاهرة التي فرضت نفسها بالذراع والعضلات. شخصيا لم أكن أتخيل أني سأكتب عنه يوما ما، ولا هو نفسه كان يتخيل حجم الصخب الذي وصل إليه بفضل مواقع التواصل الاجتماعي؛ فالرجل قابلته منذ عقد مرة أو مرتين بشكل عابر، وكان انطباعي عنه أنه مغامر يبحث عن شهرة وصدق ظني.
والحقيقة أن التيار الإسلامي بمختلف أطيافه، للأسف، لم يفرز شخصيات ذات ثقل أدبي ـ سواء محلية أو عالمية- لها علاقة أكاديمية بعلوم الإنسانيات أو علوم اللسانيات، أوغيرها من العلوم المعتمدة كمناهج بحث حديثة، وهو ما حال بينهم وبين تبني خطاب مراجعاتي حقيقي وفعال، يفكك المنظومة الفكرية لبنية الخطاب المعرفي الخاصة بهم، ويعيد بناءها على أسس لا تغفل حركة التاريخ، ولا الأنساق الاجتماعية المتغيرة.
والحقيقة الآخرى أن عبدالله، هو إفراز مثالي للخطابات الإسلاموية الحالية، وهو أحد ثلاثة أو أربعة وجوه شابة، أفرزت على عجالة ودفعت بها للطفو فوق السطح، وجوه تعرف كيف تُغَازِل العقلية الشعبوية، الغارقة في الدوغما بلا أي أمل، في أي مطلع لصباح جديد، تُغَازَل هذه القطــــاعات المغيبة بخلطة إسلاموية ثابتة وغير منتهية الصلاحــــية، عبر الحديث عن مؤامرة كونية على الإسلام ودياره، من الغرب الملحد العلماني الكافر الصليبي، الذي لا يكل، ولا يمل، من بث عملائه في كل زمان ومكان، أو الحديث الدائم والأبدي عن المرأة؛ بوصفها رمز الغواية الأولى والأخيرة وما بينهما. أو الحديث عن ماضٍ تاريخي إسلامي وهمي متخيل، بدون أدنى محاولة لعملية تحقيب، وتفكيك تاريخية لا غني عنها في فهم مأزومية حاضرنا.
خلطة سهلة، ومريحة، ومربحة، وتختصر مسافات للشهرة، والجاه، ولا يقبل خَالِطِوهَا المناقشة، ولو حتى على أسس تراثية مغايرة؛ ترى أننا شركاء في صنع حضارة الغرب عبر الجسور الفلسفية والفكرية، وعبر المعابر الحضارية. وترى أيضا أن المرأة كائن شقيق للرجل، وأن التاريخ فعل بشري مرتبط بسياقات موضوعية صنعت أحداثه؛ سياقات ليس من بينها صكوك سماوية، بخيرية فترة زمانية، ولا قرون، ولا شخصيات، ولا أحداث.
من تجليات هذه الخلطة العجيبة؛ أن الكابتن عبد الله رشدي يرجع علة التحرش بتبرج الفتيات في شوارع مصر، وفضلا عن أنني شخصيا لم أر تبرجا في الشارع المصري – المحافظ بطبعه – فلا ميني جيب، ولا ميكرو جيب، ولا نسوة يسرن بفساتين مكشوفة جهارا نهارا. ومع ذلك؛ فإن الكابتن لا يعرف أن حواضر العواصم الإسلامية، وفي عصور قوتها وورعها، كانت تعج بعشرات الآلاف من النسوة الكاشفات لشعورهن، ونحورهن، وصدورهن، وأرجلهن، وبشكل شرعي رسمي فهمي نظمي، كما نقول في مصر، وبلا أدنى ذرة من إثم عليهن. ولم نسمع عن فقيه ـ معتبر في مذهبه – أمر بتغطية هذه الكتل الهائلة من اللحم المتحرك المثير، تحت دعوى وذريعة منع التحرش، أو غيرها من الذرائع الأخرى.
كيف؟ إنهن الإماء؛ تلك الطبقة الاجتماعية التي تكونت عقب ما يسمى في الأدبيات الإسلامية بالفتوحات، هذا الشريحة الاجتماعية التي تدفقت على حواضر العالم الإسلامي في بواكيرها الأولى، ولم يتحرج خليفة ورع كعمر بن الخطاب من نزع الحجاب عن رؤسهن، ونحورهن حتى لا يتشبهن بالحرائر، وكن في أوائل القرن الهجري الأول يخدمن في بيوت الفقهاء، والتابعين، والسادة، يضرب شعرهن صدورهن المكشوفة، والمصادر طافحة بذلك يرجع إليها من يشاء.
هذه الطبقة لعبت بعد ذلك دورا خطيرا في الدولة الأموية، وصارت تتحكم بمقاليد الحكم، وإدارته؛ لخبرتهن السابقة، حيث إن غالبيتهن قدمن من عواصم عريقة في طقوس الحكم، ونظم الإدارة، فضلا عن تمتعهن بثقافة واسعة، وخبرة سابقة بفنون التبرج والزينة، ما جعلهن على المستوى العملي في درجة أعلى من درجة الحرائر، اللاتي سعين إلى التشبه بهن، في فنون المأكل، والملبس، وطقوس الحضارة. وهو الدور الذي تعاظم في عصور الخلافة العباسية، وكان أشد حضورا وتعاظما في حواضر الدولة العثمانية، بفضل ما أعطين من مرونة فقهية في الأحكام. الشاهد من ذلك؛ أن شوارع الحواضر الإسلامية، وبدءا مما سُمي بعد ذلك بالخلافات الراشدة، وحتى نهايات القرن الثامن عشر، كانت مسرحا مفتوحا لعروض نسائية، جسدية، وعقلية وفنية، لا تقارن بما عليه النسوة والبنات «البائسات» الآن.

ظاهرة عبد الله رشدي ستنتهي، أي مشتغل في المجال الإعلامي، أو العمل العام في مصر، ولديه أدنى معرفة بكيف تدار الظواهر في كواليس مصر العميقة، يعرف أن عبد الله في الوقت المناسب سيتبخر.

في هذا المقام أيضا؛ يجب الإشارة إلى أن منظومة الفقه الإسلامي بُنيت على خوارزمية ليس منها أبدا «الحِكمة من الحُكم»، لأن الحكمة لا تنضبط، وتختلف من شخص لآخر. بُنيت الأحكام الفقهية على عِللها المستخرجة من تحقيق المناط، وتنقيح المناط، واستخراج المناط . بُني الفقه عموما على قواعد كلية تنبثق منها قواعد فرعية. في هذه المسألة مثلا: عورة الحرة جميع البدن، عدا الوجه والكفين، وتفاصيل أخرى لا تخرج عن ذلك كثيرا.. وعورة الأمة ما بين السرة والركبة، وتفاصيل أخرى لا تخرج عن ذلك كثيرا. منظومة ميكانيكية تشبه إلى حد كبير منظومة علم المنطق. منظومة لم تتورط – على ما بها من عِلات- في وعظ بارد عن الحلوى المكشوفة، والسيارات المفتوحة، وإلا كانت قد أمرت بحجب عشرات الملايين من الأجساد النسائية، التي سارت قرونا عبر التاريخ الإسلامي، في الشوارع مكشوفة الأجساد بحجة استثارة الذكورة.
وأخيرا فإن هذه الظواهر التي صُنعت على عجالة، ودُفع بها لتصدر مشهد أدبيات التيار الإسلامي الفقير معرفيا، لم تعد تشغل بالي كثيرا، لأنها ولدت ولادة قيصرية، تحمل عوامل موضوعية لموتها بالتقادم، لأسباب يطول شرحها بشكل عام، أما بشكل خاص؛ فإن ظاهرة عبد الله رشدي ستنتهي، أي مشتغل في المجال الإعلامي، أو العمل العام في مصر، ولديه أدنى معرفة بكيف تدار الظواهر في كواليس مصر العميقة، يعرف أن عبد الله في الوقت المناسب سيتبخر. تترك الظواهر هنا فترة حتى تمتلء كبالونة غاز متضخمة، وفي الوقت المناسب تطير. شخصيا وبصدق؛ لا أتمنى هذه النهاية، عبد الله رشدي بحد ذاته ليس هدفا لا قريبا ولا بعيدا، ما أوده هو أن تتبخر هذه النوعية من الخطابات الفارغة، والمخاتلة، والمراوغة معرفيا، ما أوده هو تفكيك الخطاب الغارق في الشعبوية نفسه، للإحالة دون صنع هذه الظواهر مرة أخرى، ولخلق قطاع جماهيري قادر على الفرز المعرفي، والتفريق بين مكامن القوة، ومكامن النصب والاحتيال المتخذ شكل الدفاع عن الدين.

٭ كاتب وإعلامي مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية