بغداد ـ «القدس العربي»: عاد الخلاف بين بغداد وأربيل، مجدداً، على خلفية قرار الحكومة الأخير القاضي بدفع الحكومة الاتحادية، معاشات الموظفين الأكراد، لحكومة إقليم كردستان، رغم «الأزمة المالية» التي تعانيها بسبب انخفاض أسعار النفط، وفيما حثّ رئيس الجمهورية، برهم صالح، على أهمية عدم ربط ملف مرتبات الموظفين بالقضايا والمواقف السياسية، رفض نواب من محافظات جنوب العراق، ما أسموه «سرقة» أموال محافظاتهم ومنحها كـ»هبة» لكردستان.
النائب عن ائتلاف «دولة القانون» منصور البعيجي، عبّر في بيان صحافي عن استغرابه من «إرسال الحكومة الاتحادية مبلغ 320مليار دينار (أكثر من 266 مليون دولار) إلى حكومة كردستان، بالرغم من امتناع حكومة الإقليم تسليم نفطها وواردتها من الجمارك إلى حكومة المركز طيلة الفترة السابقة، وإلى يومنا هذا».
وأضاف أن «إرسال هذه المبالغ الكبيرة إلى حكومة الإقليم وهي تقوم بتصدير النفط بعيدا عن الحكومة الاتحادية ولا نعرف أين تذهب أموال النفط المصدر وإيرادات المنافذ الحدودية، وحكومة الإقليم ترفض الإذعان إلى الحكومة الاتحادية وهي تتعامل كدولة مع المركز وليس كجزء من العراق».
وتابع أن «بالرغم من إرسال الأموال من قبل الحكومة الاتحادية إلى حكومة الاقليم وتصدير الإقليم للنفط بمعزل عن الحكومة الاتحادية وشعبنا الكردي يعاني عدم دفع الرواتب له منذ أشهر، ولا أحد يعلم أين تذهب تلك الأموال، عدا حكومة الإقليم التي ترفض دفع الرواتب ولا تخبر أحد عن مصير تلك الأموال والشعب الكردي يعاني الأمرين من حكومة الإقليم».
ودعا «الحكومة الاتحادية وعلى رأسها الكاظمي، إلى الابتعاد عن المجاملات مع حكومة الإقليم وعدم دفع دينار واحد لهم إذا لم يقوموا بتسليم النفط وواردات المنافذ الحدودية للحكومة الاتحادية، (وعدم) إرسال أي مبلغ لحكومة الإقليم، دون تسليم نفطهم» مردفا أن «سرقة أموال محافظاتنا وإعطاءها هبة لحكومة إقليم كردستان بسبب المجاملات السياسية، أمر مرفوض نهائيا».
اتهام
كذلك، اعتبر عضو اللجنة القانونية النيابية، حسين العقابي، اتفاق الحكومة الاتحادية مع كردستان، أنه «خضوع لمساومات» الإقليم و«هدر» لإيرادات نفط الجنوب ومنافذه.
وقال، في مؤتمر صحافي، إن «بعد أيام قليلة على بيان وزارة المالية الذي أكدت فيه تنصل حكومة إقليم كردستان من التزاماتها القانونية بتسليم إيرادات النفط والمنافذ للحكومة الاتحادية، وما جاء فيه من اتهام لسلطات الإقليم بعدم تسديد رواتب الموظفين التي أرسلت في الدفعة السابقة (400 مليار دينار)، فاجأتنا الحكومة الاتحادية باتفاق بائس ومهين للدولة العراقية يقضي بتسليم الإقليم دفعة ثانية بقيمة 320 مليار دينار مقابل التزامات عائمة وفضفاضة وغير واضحة من قبل حكومة الإقليم».
وأضاف أن «الملاحظ على هذا الاتفاق أنه يعطي انطباعا أنه اتفاق بين دولتين وحكومتين وليس بين حكومة اتحادية وحكومة إقليم تابع لها وخاضع لسلطتها وحاكميتها، وهو ما يرسخ للأسف مبدأ ثنائية السلطة المتكافئة بين المركز والإقليم».
وأوضح أن «أدنى تأمل بنص الاتفاق يجده فضفاضا لا يرتب أي التزامات مالية على حكومة الإقليم التي تجبي أموالا كبيرة من إيرادات المنافذ الحدودية وتصدير النفط ولا تدفع للمركز فلسا واحدا منها، بل وتطالب الحكومة المركزية بتسديد رواتب موظفي الإقليم وهو من التزاماتها التي تتنصل منها كالعادة».
وتابع أن «أي استخفاف هذا وأي تدليس وأي غش وابتزاز تمارسه حكومة إقليم كردستان، وأي خضوع وامتهان وهوان نشهده من حكومة الكاظمي وهي تخضع لمساومات سلطة الإقليم التي تحتكر الأموال المستقطعة من إيرادات نفط الإقليم ومنافذه».
وتساءل قائلاً: «ألم يسأل المتنفذين في الحكومة أين ولمن تذهب إيرادات النفط والمنافذ في الاقليم ولماذا تمتنع حكومة الإقليم عن تسديد رواتب الموظفين وتتسبب في زيادة معاناتهم، أليس الكرد جزءا من الشعب العراقي ومن مسؤولية الحكومية حمايته ورعايته ومنع أي جهة تحاول الإساءة له وقطع أرزاقه. وهل يمكن للحكومة الاتحادية أن تعلم مقدار إيرادات الإقليم من النفط والمنافذ لهذه السنة والسنوات السابقة في ظل التعتيم وغياب الشفافية والتدليس من قبل حكومة الإقليم؟ ولماذا يجب على حكومة المركز أن تسدد ديون الإقليم وهي لا تعرف حجمها ومقدارها ومن المستفيد منها والمتسبب فيها».
ولفت إلى أن «الدلائل تشير إلى استحواذ سلطة إقليم كردستان على إيرادات النفط والمنافذ التي لا يعلم حتى برلمان الإقليم وحكومته مقدارها بالضبط، بينما يئن المواطنون فيه من العوز والمعاناة والفقر، وهو أمر لا يرتضيه أحد إطلاقاً».
رئيس الجمهورية يرفض رهن رواتب الموظفين بالصراعات السياسية
واستمراراً لموجة الرفض في بغداد، أبدى النائب الأول لرئيس البرلمان، القيادي في التيار الصدري، حسن الكعبي، استغرابه من تسليم حكومة إقليم كردستان 320 مليار دينار عراقي دون تسليم الأخيرة للضرائب والرسوم المستحصلة وموارد المنافذ الحدودية والمطارات وعائدات النفط المصدر الى الحكومة الاتحادية.
وأضاف في بيان صحافي: «نطالب مجلس الوزراء بتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية تجاه الشعب وفق مبدأ العدالة والمساواة والمصلحة العامة للدولة» داعياً حكومة كردستان إلى «إنهاء ملف تسليم عائداتها لبغداد، الذي يُلقي بأعباء كثيرة وثقيلة على حكومة بغداد وأبناء شعبنا في الإقليم».
ظروف استثنائية
وقال أن «موازنة 2019 مرت بظروف استثنائية، حيث تم اجراء مباحثات بين الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كردستان تهدف الى ابرام اتفاق نهائي مع حكومة الاقليم للوصول الى حل نهائي يتعلق بتسليم النفط المصدر من الإقليم لبغداد» متسائلاً: «بأي وجه حق أو غطاء قانوني يتم تسليم حكومة كردستان المبالغ الشهرية دون تدقيق الرقابة المالية وتسليم الإيرادات النفطية والايرادات الاخرى المستحصلة في الاقليم إلى وزارة المالية الاتحادية».
واستغرب «إجراء محادثات ومباحثات بين حكومة الإقليم وحكومة الكاظمي، والتي انتهت بقرار تم بموجبه تسليم حكومة الاقليم 320 مليار دينار عراقي دون تسليمهم للضرائب والرسوم المستحصلة وموارد المنافذ الحدودية والمطارات وعائدات النفط المصدر الى الحكومة الاتحادية».
وتابع: «مجلس الوزراء وفي إحدى جلساته السابقة أصدر قرارا بمنح وزارة الصحة العراقية ومحافظة ذي قار المنكوبة مبلغ قدره 50 مليار دينار (41 مليون دولار) لسد النقص الحاصل في احتياجات مواجهة كورونا والمتطلبات الملحة لأبناء الشعب العراقي، إلا أن عدم وجود السيولة النقدية أدى لعدم تمويل وزارة الصحة وذي قار» متسائلاً عن «كيفية صرف 320 مليار دينار لحكومة الاقليم في ظل هذه الظروف الحرجة التي تعاني منها محافظاتنا العزيزة، والتي تصل لدرجة عدم تخصيص مبالغ تغطي حتى لنفقات القرطاسية في دوائرها».
في مقابل ذلك، أبدى نائب رئيس برلمان كردستان، هيمن هورامي، استغرابه من تصريحات الكعبي بشأن الاتفاق الأخير بين أربيل وبغداد، مشيراً إلى أن بغداد أرسلت أقل من نصف ما تدفعه حكومة إقليم كردستان كرواتب.
وقال في بيان صحافي، إن «مبادئ الدستور هي الأساس في معالجة أي إشكاليات عالقة بين حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية التي لم تدفع الاستحقاقات المالية للإقليم بشكل كامل لأشهر عديدة، وهو ما ألقى بأعباء كثيرة وثقيلة على المواطنين في الإقليم، وسط تجاهل لمبدأ العدالة والمساواة والمصلحة العامة».
الاتفاق الأخير بين أربيل وبغداد، وعلى الرغم من كونه مؤقتاً، إلا أنه «يمهد الأرضية لاتفاق طويل الأمد في إطار الدستور، وهو أمر يتعين على الجميع دعمه لا محاربته» حسب المسؤول الكردي الذي أشار إلى إن «الاتفاق تضمن توحيد إجراءات المنافذ الحدودية والجمارك ونقاط أخرى طرحتها بغداد خلال المحادثات».
وزاد: «إرسال 320 مليار دينار شهرياً هو أقل مما كانت ترسله بغداد، وأن المبلغ المذكور هو لثلاثة أشهر، وقد خُصص هذا المبلغ وفق معطيات تتلخص بعدم إقرار موازنة 2020 إلى الآن، وهو رقم مبني، حسب الاتفاق، على تقديرات الحكومة الاتحادية للرواتب التي يدفعها الإقليم لمن يتقاضونها مع طرح التقديرات على الواردات النفطية وغير النفطية».
تساءل هورامي عن تدقيق الرقابة المالية، «بينما يقضي اتفاق الجانبين بتشكيل لجنة مشتركة تتألف من ديوان الرقابة المالية والاتحادية ومن الإقليم لمعالجة الحسابات والاتفاق على طرق تسويتها من حسابات عام 2014 الى 2020، على أن يقدم الإقليم كافة المعلومات التي طلبتها بغداد» مؤكداً أن «المجموع الكلي للمبالغ التي تصرفها حكومة إقليم كردستان شهرياً للرواتب، يبلغ 893 مليار دينار (أكثر من 744 مليون دولار)، في حين أن ما أرسلته الحكومة الاتحادية للرواتب منذ بداية تسلم حكومة الإقليم لمهامها منذ منتصف عام 2019 لا يتجاوز 453 مليار دينار شهرياً، وهو لا يمثل سوى 51 في المئة من المجموع الكلي لما تدفعه حكومة الإقليم كرواتب» وفقاً للبيان.
تضليل
ومضى إلى القول: «الإقليم لم يرفض أي آلية لتدقيق ومراقبة الإيرادات بموجب الدستور» داعياً إلى ضرورة «عدم تضليل الرأي العام ومحاولة قلب الحقائق وإخفاء حقيقة عدم دفع استحقاق الموظفين في إقليم كردستان منذ أربعة أشهر، وهو من الواجبات الدستورية للحكومة الاتحادية».
ودعا نائب رئيس برلمان كردستان إلى «التعاون الجاد والمثمر للتوصل إلى اتفاق متوازن وعادل على أساس الدستور، ووضع حد للتعامل مع إقليم كردستان على أساس التمييز القومي» كما طالب الجميع بـ«مراجعة نقاط الاتفاق جيداً قبل الإدلاء بمواقف بعيدة عن الحقائق».
ويقضي الاتفاق بأن يتم الاتفاق في الأعوام المقبلة على تحديد مبلغ بنسبة عادلة من الموازنة العامة الاتحادية لإقليم كردستان من خلال الأخذ بالمعايير الدستورية والنسب السكانية وواردات إقليم كردستان (النفطية وغير النفطية) في العام السابق.
هورامي نوه إلى أنه في الوقت الذي تشهد فيه المحافظات «هدراً للمال العام» وبات الشغل الشاغل لبعض مسؤوليها هو «القرطاسية ذات الصرف المليوني» فإن موظفي ومتقاعدي وذوي شهداء إقليم كردستان قاسوا أشهراً وعاشوا بلا رواتب وقد قُطعت أرزاقهم تحت وطأة وضع صحي خطير، لا يختلف عما تشهده محافظة ذي قار من «شظف العيش» لدرجة أن أهلها نزلوا إلى الشوارع وما زالوا يحتجون من أجل استرداد أموالهم والعيش بـ«كرامة» فلم يتظاهروا نتيجة استحقاق دستوري لإقليم كردستان، بل بسبب «فساد مزمن لم يعهده التاريخ من قبل».
وتبدي حكومة إقليم كوردستان، بموجب الوثيقة، استعدادها لعقد اتفاق على ملف الطاقة بما فيها الكهرباء والغاز وفقاً للسياقات القانونية والفنية التي يتم الاتفاق بشأنها بين الجهات المختصة في الحكومتين.
وتأييداً لموقف برلمان الإقليم، اعتبر رئيس الجمهورية برهم صالح، أن رواتب الموظفين حق دستوري ويجب أن «لا تكون أسيرة للصراعات السياسية».
وقال في تصريح لوسائل إعلام كردية، إن «الاتفاق (بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان) مهم جدا نحو حل المشاكل بين الطرفين وهو مؤقت حتى إقرار الموازنة الاتحادية».
وأضاف أن «رواتب الموظفين حق دستوري ومشروع، ويجب ان لا تكون اسيرة للصراعات السياسية والمصالح الذاتية» مشدداً بالقول «يجب أن نتوصل بسرعة لاتفاق نهائي وطويل الأمد».