محمد عبد الحكم دياب
ذكرت وأنا أعرض تجربتي مع موقف معمر القذافي من الوحدة والوحدويين؛ ذكرت قصة عمال مصريين عذبوا وأنقِذوا من موت محقق، ونصحتهم بترك ليبيا حرصا على حياتهم. وذهب عدد منهم إلى العراق. وتقدمت باستقالتي من عملي فور الاطمئنان على خروجهم آمنين، لكن الاستقالة لم تقبل، وظلت معلقة لستة شهور كاملة؛ تخللتها محاولات شتى لسحبها، ونصيحة من أمين الشؤون الخارجية، الذي انتدبت للعمل معه في سنتي الأخيرة من وجودي في طرابلس بالذهاب إلى الحج.. في رحلة روحية.. رأى أنها تخفف من أثر الضغوط، التي يبدو أن أثرها كان باديا على شكلي وقتها. وعلي أن أعترف أنني كنت محظوظا في معارفي الليبيين؛ بما تحلّوا به من صدق مع النفس، وشهامة في التصرف، وفروسية في الخصومة، وشغل كثير منهم مواقع مهمة، ومناصب عليا، ومنهم من بذل جهدا استثنائيا ليبقي الثورة الليبية على التزامها بقضايا شعبها وأمتها المصيرية، وكان من بينهم أمين الشؤون الخارجية، وكان على درجة عالية من التسامح، والتعامل الحسن مع الناس، والإخلاص الشديد للثورة، وارتقت العلاقة بيننا إلى مرتبة الأخوة الحقيقية. كان الأصدقاء من المسؤولين الليبيين صادقين في إثنائي عن الاستقالة، ومنعي من الخروج، ومنهم من رأى في الوجود العربي في ليبيا سندا لهم وحصنا لبلدهم من المخاطر. أما معمر القذافي كصاحب قرار ومن يدورون في فلكه كان رأيهم مختلفا؛ وذلك اكتشفته منذ ما قبل القبض على عدد من الوحدويين العرب، والعمل على طردهم، وهؤلاء سعوا لطردي، لكن ليس بالشكل الذي اخترته، وهو الاستقالة بمحض إرادتي. وعملوا على إخراجي بطريقتهم الخاصة.. وهو ما لم يتمكنوا منه بفضل الأخوة والأصدقاء.
وقبل الاستقالة بثلاث سنوات وكنت حديث عهد بليبيا فوجئت بقرار بلا مقدمات موقعا من وكيل وزارة الإعلام حينها محمد بلقاسم الزوي؛ الصديق الشخصي لمعمر القذافي، ونص القرار على فصل ستة من الباحثين والإعلاميين من دون سبب معلن، وهذه قصة أخرى تحتاج أن تروى؛ بعدما تسرب من معلومات لها علاقة بإعلان اتحاد الجمهوريات العربية. وكان الفصل بناء على طلب السادات، وسأروي القصة في ما بعد إن شاء الله.
المهم أن الاستقالة لم تكن على هوى الطرفين لأسباب مختلفة بل متناقضة، ويبدو أن الدائرة المحيطة بمعمر القذافي أرادت أن تصور الأمر على أنه بسبب ضعف المرتب، وهذا غير حقيقي؛ حيث كنت بين من طلبوا تلك المعاملة المالية وعدم التمييز في الدخول. وجاء من يحمل عقدا جديدا للعمل في هيئة التأمينات الاجتماعية، وتُرِكت خانة المرتب على بياض، وطُلب مني وضع الرقم الذي أريده، وهو ما لم أقبل به، وسألت نفسي لماذا التأمينات الاجتماعية، وليس الإعلام أو الصحافة، أو أي عمل قريب من هذا المجال؟
؛ رجحت أن المطلوب هو الإبعاد عن ذلك المجال، وإذا ما أغراني المرتب الجديد يتحقق المطلوب، ويكون من السهل إصدار قرار الفصل والطرد لاحقا؛ بطرق إدارية وبيروقراطية معروفة، بجانب أن هناك من أزعجه أن يتقدم ‘مغترب’ باستقالته، فهو يريده معلقا بإرادته ويخضع لتحكمه.
فاتهم أن تعذيب العمال لم يكن سببا وحيدا للاستقالة، إنما كان ‘قشة قصمت ظهر البعير’؛ لم تعد هناك طاقة لتحمل المزيد من الأعمال الصبيانية باسم الوحدة والثورة، بينما كل الضحايا من الوحدويين والثوار والناصريين؛ بشكل فاق التصور. كانت هناك أسباب أخرى؛ لها علاقة بامتداد عصا الأذى إلى باقي الجنسيات العربية.. تونسيين.. عراقيين.. سوريين إلخ. لكن أن تطال فلسطينيين كان ذلك إنذارا بالخطر. وبدأت أول عمليات الطرد الجماعي للفلسطينيين؛ أُلقي بهم في عراء الصحراء على الحدود الليبية المصرية في شتاء قارس، وبدأ ذلك في ساعة متأخرة من الليل، وطلبت أمين الشؤون العربية على الهاتف، وهو أخ وصديق عزيز ومناصر للقضية الفلسطينية. وعلاقاته العربية واسعة ومتشعبة. وقد ناله أذى شديد في ما بعد؛ بسبب ثبات مواقفه وصلابته. رد على الهاتف، وقال انه في مكتبه ودعاني للذهاب إليه، وكان المكتب قريبا من سكني؛ ذهبت وأنا في غاية الضيق والانفعال من تلك التصرفات غير المسؤولة، ومن ذلك الاستخدام المريب للعمال الوافدين، كأوراق ابتزاز وضغط على الحكومات والحكام، وهذا أثر على كثيرين.. فتحولوا عن العروبة وكفروا بالوحدة. وسرعان ما اكتشف العرب في ليبيا زيف التوجهات والشعارات المرفوعة، ووُضِعوا أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما أن يثبتوا على مواقفهم ويرحلوا من ليبيا، أو ان يبقوا ويكفروا بها.. وسادت نكتة تقول: ‘من أراد الكفر بالوحدة العربية والتفريط في فلسطين عليه المجئ إلى ليبيا، ويجرب التعامل مع القذافي ورجاله’. المهم تحمل أمين الشؤون العربية ضيقي وانفعالي، وطلبت منه أن يفعل شيئا، وكان الرجل في حرج بالغ، فهو يعرف أنني أعرف أنه لا يستطيع التصرف في أمر صادر عن معمر القذافي نفسه. وكل ما فعل هو السفر إلى منطقة الحدود؛ في محاولة شخصية للتخفيف من معاناة المطرودين والمرحلين. وإذا كان طرد العرب من غير الفلسطينيين يمكن تحملها.. فكيف يمكن تحمل طرد الفلسطينيين.. أين يذهبون؟ وهم بلا وطن. وتمثل فلسطين بالنسبة لي حدا فاصلا بين الحق والضلال، وبين الوطنية والعروبة من جهة والتفريط والخيانة من جهة أخرى.
حين أعود إلى الشهر الأخير من الاستقالة المعلقة؛ زارني أحد مساعدي رئيس الأركان، وهو نفسه الذي أشرت إليه في عملية إنقاذ العمال من الموت تحت التعذيب، زارني ليتأكد من موقفي. قال: هل هذا قرارك النهائي حتى لو طلبت منك التراجع عنه؟.. قلت نعم. فرد سنفتقدك. شكرته على المشاعر الطيبة، وتواعدنا على اللقاء إذا طال بنا العمر. وتمت الموافقة على الاستقالة، ورحلت أسرتي وطفلاي الصغيران إلى القاهرة. وانتظرت فترة لتصفية متعلقاتي، وبدت عودتي لمصر صعبة، وجاءتني تحذيرات بالذهاب إلى مكان آخر. ولم تكن لي وجهة محددة بعد. وليت وجهي شطر بيروت، وكانت على عكس ما عهدته فيها؛ كئيبة على غير المعتاد. ويبدو أنني عكست عليها حالتي النفسية، وفيها عز علي الاتصال بأحد، وبدأت أعاني ما يمكن أن أسميه ‘الحالة الفلسطينية’. فأنا الآن بلا وجهة أتجه إليها، ولا مستقر يؤمنّي، ولا عمل أتعيش منه، ومكثت فيها ليلتين، بعدهما شددت الرحال إلى بغداد، وهنا تأتي المفارقة. وصلتها بعد الظهر، وكانت المرة الأولى، وركبت سيارة أجرة طالبا من السائق الذهاب إلى فندق في وسط المدينة، وشدني حسن استقبال السائق وطلاوة حديثه، في مجتمع يصفه البعض بالخشونة. إلا أن هذا السائق الرقيق أعطاني انطباعا معاكسا. وحتى منتصف الليل لم نجد فندقا، وكان التعب قد حل، والسائق يأبى أن يتركني رغم الإرهاق. كل هذا بهرني فيه وخفف من إحساسي بالكآبة الذي لازمني في بيروت، ولأول مرة أسمع عبارة ‘إتدلل يا عيوني’ وأخواتها، التي تقال في الترحيب بالضيوف. وأخيرا عثرنا على فندق واطمأن السائق، وتركني وهو يرفض أي مبلغ إضافي على ما اتفقنا عليه، والغريب أنني في الصباح وجدت استقبال الفندق يوقظني من نومي، وإذا بالسائق أمامي للاطمئنان.
إلى أين أخرج، وأنا لا أعرف بغداد، وليس معي عنوان لأي ممن أتيت لهم.. كيف سأبحث عنهم في عاصمة كبيرة كبغداد، وهداني تفكيري إلى أن أبدأ جولتي من شارع الرشيد الشهير في قلب العاصمة، وللمصادفة العجيبة أنني نزلت من سيارة الأجرة لأجد أمامي صديقا سودانيا ترك ليبيا من أسابيع قليلة، فما أن رآني حتى هرول مسرعا، وقبل السلام والكلام قال: ماذا أتى بك إلى هنا؟ واستطرد: أنا خرجت من المعتقل أمس! قلت: أي معتقل؟.. قال المعتقل العراقي!.. وانتظر الطرد في أي لحظة. وتأكد لى أن الاستبداد ملة واحدة وأن حال البلاد العربية واحد.. لا فرق بين بلد وآخر. وكانت قد راودتني فكرة العمل في العراق، وبعد هذه الكلام أقلعت عن الفكرة تماما.
كان السوداني الصديق المحسوب على الوحدويين العرب قد ذهب إلى ليبيا مشدودا إلى ثورتها وخطاب معمر القذافي ‘الوحدوي’ الناري، وما أن وصل حتى لاحقه الأمن. ولم يمكنه من الاستقرار في سكن أو وظيفة، واضطر إلى العمل في محطة لوقود السيارات، وبعد أقل من أسبوع ناداه صاحب المحطة وأخبره أن الأمن طلب منه طرده وحمله مسؤولية وجوده في المحطة. وترك العمل وقرر الرحيل إلى العراق؛ بحثا عن مستقر، فيجد نفسه في دوامة جديدة من الملاحقة والمطاردة. نصحني الصديق السوداني بألا أخبر أحدا بوصولي بغداد، ذكرت له أنني أتيت لمهمة إنسانية وسأغادر سعيرا، ذكرت له المهمة، ولحسن الحظ فإنه كان يعرف من حضرت من أجلهم، وهكذا رتبت الأقدار، وتم انتشالي من قاع الحيرة الذي هويت فيه حين قال: أنا أعرف مقهى يجلسون فيه، فلنذهب إليه، وإن لم نجدهم فسوف نسأل أحد معارفهم يخبرهم بوجودي. وذهبنا وأنا لا أصدق هذه الصدف التي جعلت من أحد ضحايا معمر القذافي دليلي في البحث عن عمال خرجوا هربا من ليبيا، ولا أعرف لهم عنوانا، وكما توقع لم نجدهم، وتركنا لهم خبرا مع أحد معارفهم، على أن نلقاهم في المساء؛ والتقينا وأنا لا أصدق، وهم أيضا لا يصدقون، وسلمتهم أموالهم، وترقرقت عين أحدهم بالدموع، فلم يكن يتصور أن أتحمل مشاق جمع المستحقات وأسافر بها وأسلمهم إياها.
جلسنا نضحك من صدف رتبتها الأقدار، ونتأمل فيما جمعنا، رغم اختلاف مشاربنا ومهننا، من آمال مشتركة تتطلع لوحدة الأمة، وندقق فيما شدنا إلى عبد الناصر وصلابته، وهو يتصدى لأعدائها واستعداده للاستشهاد من أجلها. ونحصي ما دفع من ثمن لتجارب مريرة في ليبيا اكتشفنا فيها أن معمر القذافي لم يكن وحدويا ولا ناصريا في يوم من الأيام!. ‘ كاتب من مصر يقيم في لندن