الكتّاب العرب… من قضية فلسطين إلى قضية الجوائز

حجم الخط
4

لندن «القدس العربي»: ما أن أعلن الرئيس الأمريكي دونال ترامب عن بدء إقامة علاقات دبلوماسية رسمية بين دولة الإمارات العربية المتحدة والكيان الصهيوني، حتى نقل الكتّاب العرب مواقفهم من مجال التنديد بهذه العلاقات إلى مجال اختلافهم حول الجوائز الأدبية الإماراتية. صحيح أن نفرا منهم انتقدوا هذا التطبيع ومن وراءه انتقدوا تهاون الحكومات العربية في جعل قضية فلسطين قضيتهم الوطنية، على غرار ما فعل الناقد فخري صالح، الذي كتب تدوينة جاء فيها قوله: «نحن نعيش زمن انحطاط النظام العربي، وخلعه ورقة التوت التي كانت تستر عورته. بعض الحكام العرب يتسابقون على تقبيل حذاء نتنياهو، وثمة آخرون ينتظرون. لا تتغطّوا بفلسطين فهي منكم براء». وهناك من أشاد بهذه الخطوة السياسية «للتخفيف من معاناة الفلسطينيين» على غرار ما جاء في تدوينة الروائي السعودي عبده خال، التي قال فيها: «القضية الفلسطينية ظلت لعقود هي الشماعة، وفجوة الاستنزاف المالي والروحي لجميع العرب. وقد صالت، وجالت الجماعات الإسلامية الحركية، ودمرت، وقوضت دولا، ولَم تلتفت أو تمس إسرائيل مسا، فلماذا الآن يتباكون على اتفاقية السلام ما بين الإمارات وإسرائيل؟».

إلا أن بعض الذين تعاطوا مع مسألة التطبيع لم يتعاطوا معها باعتبارها قضية قومية عادلة، بل وجدوا في الأمر فرصة لتصفية حساباتهم مع الذين فازوا بالجوائز الأدبية. وقد توزّعوا في ذلك على فئتين: فئة أولى طالبت كل فائز بإحدى الجوائز بالتبرّؤ منها، وقد كتب الروائي الفلسطيني ربعي المدهون على صفحته الفيسبوكية: «لم أعد معنيّا بهذه الجائزة/ البوكر العربية»، وفي الشأن نفسه أصدر محمد بنيس بيانا قال فيه: «على إثر الاتفاق بين الإمارات وإسرائيل على إقامة علاقات دبلوماسية رسمية بينهما، قرّرتُ الانسحاب من عضوية الهيئة العلمية لجائزة الشيخ زايد للكتاب.»
وهناك فئة ثانية من الكتّاب أعلنت سحب ترشّحها للجوائز الإماراتية، على حدّ ما فعل الكاتبان المغربيان أحمد اللويزي والأكاديمي والناقد يحيى بن الوليد، الذي كتب: «قبل حوالي شهر، وبعد اتفاق مع الراحل إلياس فركوح صاحب دار أزمنة، قمت بترشيح كتابي حول «المثقفين العرب» لجائزة الشيخ زايد (فرع التنمية وبناء الدولة)، غير أن ما حصل قبل اليوم من تطبيع فظيع بين ساسة دولة الإمارات والكيان الصهيوني الغاصب، يجعلني أعدل نهائيا وبشكل طوعي عن هذا الترشيح، في إجراء متواضع أتضامن فيه مع شعبنا الفلسطيني في صراعه العادل من أجل نيل مطالبه المشروعة. فلسطين التي كرّست لها أكثر من بحث (سردية فلسطين، وإدوارد سعيد ومحمود درويش). وكما ألغيت مشاركة أخرى مقترحة ومبرمجة لعام 2021 في الإمارات. وقد أبلغت الجهات المعنية بموقفي».
وفي هذا المضمار قالت الروائية الأردنية كفى الزعبي: «بعد تجربتي في جائزة البوكر لعام 2019، كنت اتخذت قرارا بعدم الترشح لهذه الجائزة ثانية، وذلك لسببين: الأول بسبب الملابسات التي حدثت حول الجائزة، والكشف عن نتيجتها في الصحافة قبل الإعلان عنها رسميا من قبل لجنة التحكيم بعدة ساعات، فهذه الملابسات أكدت شكوكا كثيرة بخصوص نزاهتها. وثانيا ، بسبب الهجمة التي شُنت عليّ، هناك لمواقفي من السياسة الخليجية، وبعد قرار دولة الإمارات تطبيع علاقتها رسميا مع العدو الصهيوني، سأنتهز الفرصة للتأكيد على رفضي ترشيح روايتي الجديدة للبوكر، أو لأي جائزة خليجية أخرى».
وفي تعليقه على رأي كفى الزعبي تساءل القاص والروائي المغربيّ مصطفى لغتيري: «بعد تطبيع الإمارات، المقاطعة تحوم حول جائزة البوكر كذلك. هل سيقاطعها الأدباء العرب؟ المثقفون العرب في عمق المعركة ضد التطبيع».
وفي مقابل أصحاب دعوات مقاطعة الجوائز الإماراتية قال الروائي المصري إبراهيم فرغلي: «ثمة زيف كبير، ومحاولات ادعاء بطولة مزيفة للأسف. نفهم من يريدون الاعتراض على موقف سياسي لدولة ما أن يعترضوا ويتخذوا المواقف التي يريدون. لكن هذه المطالبات تدخل في باب المزايدة حقيقة، ولعلها بالفعل تنطلق لصالح مطبعين صامتين. هذا المناخ المدعو ثقافي كله غدا لا يحتمل فعلا». وفي السياق نفسه تصدّى الأكاديمي المغربي شرف الدين ماجدولين (رئيس لجنة تحكيم جائزة البوكر 2019) إلى دعوات مقاطعة الجوائز بقوله: «ما يلفت الانتباه في الضجيج المستثار حول جائزة الشيخ زايد مؤخرا، التحول من المطالبة بعدم الترشح لهذه الجائزة، إلى المطالبة برد مالها بالنسبة لمن فاز، مع المطالبة بالتشهير بكل من توج أو شارك في ندوة أو معرض هناك… من يتقدم بهذه الدعوات، يؤكدون أنهم يفعلون ذلك دفاعا عن الشعب الفلسطيني… ويهمّني هنا أن أشير إلى جملة من الحقائق، منها أن جوائز الإمارات ليست هي جائزة الشيخ زايد فقط، بل تشمل جوائز البوكر، وسلطان لعويس، وابن بطوطة للرحلة، وجوائز الشارقة بمختلف فروعها، وشاعر المليون وغيرها وغيرها، وقد فاز ببعض هذه الجوائز من المغاربة كل من عبد الله العروي ومحمد مفتاح ومحمد بنيس وعبد الفتاح كيليطو وسعيد يقطين ومحمد عز الدين التازي وأحمد المديني ومحمد الأشعري ومحمد مشبال ويوسف فاضل… وآخرين. وبمنطق من يطالب بالتشهير فينبغي التشهير بهؤلاء، وبمنطق من يرى في الجوائز إخراسا للكتاب الانتهازيين، فهؤلاء عينات منهم. وبمنطق أن الجوائز توجه فقط لمن يدعمون الإمارات فهؤلاء منهم… والحق أنه لم يعد يخفى في السياق الثقافي العربي المنهار في زمننا، تفشي ظاهرة «المناضلين الثقافيين المزيفين» ممن يفتقرون إلى المواهب، وممن يقيمون أي تحقق فكري أو فني أو إبداعي، بوصفه نتيجة لفساد كامن بمكان ما، تقييم لا ينظر إلى الفكر والأدب إلا عبر ما يتصل بهما من منافع، مهما كانت ضئيلة، إذ يجب أن لا تنفرد بها أسماء محظوظة، بل يجب أن يوزع بالعدل والقسطاس بين أهل القلم والقرطاس… أما فلسطين فأبعد ما تكون عن هذا المأتم البائس».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية