الدوحةـ”القدس العربي”: خلقت الماكينة الدعائية الإماراتية ـ الإسرائيلية، منذ التوقيع على اتفاق تطبيع علاقاتهما، مناخاً عاماً، عربياً ودولياً، يوحي أن مبدأ تجريم الاعتراف بدولة الاحتلال، تجاوزه الزمن، وأصبح من الماضي، مع الترويج لفكرة مفادها أن معظم الدول حتى الممانعة، مقبلة على انتهاج الدرب نفسه، وأن ذلك حتمية لابد أن يخضع لها الجميع.
وتحركت الأطراف المحسوبة على أبو ظبي بسرعة، مسنودة بجماعات الضغط الموالية لإسرائيل، المتغلغلة في عدد من الفضاءات، لمباركة الخطوة الإماراتية، والترويج للأنباء التي تساق في إطار يخدم تلك الأجندة.
ويسعى اللوبي الإماراتي، المتنفذ في عدد من الدول على رأسها السعودية، والبحرين، والسودان، وبدرجة أقل موريتانيا، يسعى جاهداً لجرجرة العواصم الأخرى لحلف التطبيع.
تسريبات
خيمت على مدار الأيام الماضية عديد المعلومات والتسريبات، والإشاعات، تصب في اتجاه واحد وهو الترويج لتوقعات إقدام دول أخرى على التطبيع مع إسرائيل.
واستندت المعلومات الرائجة، على تصريحات، من قبيل ما كشف عنه وزير المخابرات الإسرائيلي إيلي كوهين من أنه: “سيتم توقيع اتفاقيات أخرى مع المزيد من دول الخليج، والدول الإسلامية في أفريقيا”.
لم تمض سوى ساعات، حتى انتشرت مزاعم تحدثت عن أن رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلية الخارجية “الموساد” الجنرال يوسي كوهين، تحدث هاتفياً مع رئيس وزراء البحرين، الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة، تمهيداً لتوقيع اتفاق سلام بين الطرفين.
وإن كانت البحرين نفت الأمر، لكن المصادر الإسرائيلية أكدت أن “مملكة الريتويت” مثلما توصف المنامة، تنتظر الغمزة السعودية، لتحذو حذو الإمارات.
ويعزز من ذلك كون حكومتها أثنت على ما وصف الصفقة “التاريخية” بين الإمارات وإسرائيل. وما يجعل من المنامة صيداً سهلاً للساعين لاستقطاب عواصم أخرى تلتحق بأبو ظبي، كونها ـ أي البحرين ـ استقبلت في عدد من المناسبات، شخصيات إسرائيلية. يضاف إلى ذلك أن المسؤولين الأمريكيين، اتخذوا منها، نقطة للكشف عن الجزء الاقتصادي من خطة ترامب للسلام، فيما عرف بورشة المنامة العام الماضي. ويضاف لسياق المسار التطبيعي، أن البحرين على علاقة جيدة مع الإمارات، والكيمياء بين قيادتي البلدين إيجابية.
الغموض السعودي
تذهب العديد من القراءات إلى أن الرياض، لن تتأخر كثيراً، وتعلن لحاقها بركب حليفتها أبو ظبي، وتمضي في مسار الاعتراف العلني بعلاقاتها بسلطات الاحتلال.
وحتى الآن لم تعلن السعودية عن موقفها الصريح من الموضوع، لكن المؤشرات تجمع أن حاكم البلد الفعلي الأمير محمد بن سلمان، ليس بعيداً عن موقف حليفه محمد بن زايد. وينطلق الإجماع على موقف الرجل الذي يبذل مساع لاعتلاء عرش المملكة، من المآزق التي وقع فيها، منذ تصدره المشهد السياسي في المملكة.
وتدفع الضغوط التي يواجهها الرجل لتصحيح صورته أمام صناع القرار في العواصم الغربية، لتقديم قربان مقابل تحقيق حلمه. ويأتي ذلك تحديداً بسبب الأخطاء التي ارتكبها، من قبيل اغتيال الكاتب جمال خاشقجي، أو محاولة تصفية ضابط الاستخبارات السابق سعد الجبري. ويواجه الحاكم الفعلي السعودي بعض الصعوبات أمام الدولة العميقة في بلاده، التي ما زالت متمسكة بمواقف المملكة السابقة حول الموضوع. وتستند تلك المواقف على المبادرة العربية التي أطلقها الملك السابق عبد الله بن عبد العزيز، ومن الصعب الانقلاب عليها.
الموقف النهائي للمملكة العربية السعودية، سيتضح أكثر خلال الأشهر المقبلة، وهو مرهون بنتائج الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة.
وتذهب التوقعات، أنه في حال فاز دونالد ترامب بولاية جديدة، سيجد بن سلمان نفسه مجبراً على تنفيذ التعهدات السابقة للإدارة الأمريكية، ويمضي في درب جارته الإمارات. وفي حال كانت النتائج مختلفة وأدت لعودة الديمقراطيين للحكم، فإن الأجندات ستختلف، ومنها خسارة الأمير الشاب محمد بن سلمان، لحليف دافع عنه كثيراً، وتجاوز زلاته، ومن ثم ستفتح عدد من الملفات، التي بذل جاريد كوشنير مساعٍ لدرئها.
قطر وعمان تتمسكان بحقوق الشعب الفلسطيني
جاءت التصريحات الأخيرة لدولة قطر، وتأكيد ثوابتها في دعم خيارات الشعب الفلسطيني، لتضع حداً لتكهنات الأطراف المحسوبة على أبو ظبي، وتلجم محاولاتها للترويج لخيار التطبيع، أنه حتمية.
وجددت الدوحة تأكيد موقفها الثابت، في دعم حقوق الشعب الفلسطيني، والتمسك بالشرعية الدولية، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ومبادرة السلام العربية، كأساس لتحقيق السلام العادل والمستدام، الذي يضمن إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشريف.
وفي السياق، يصب موقف سلطنة عُمان، التي تعتبر أن جهودها ترمي لإقامة دولة فلسطينية مستقلة على التراب الوطني الفلسطيني وعاصمتها القدس.
وتؤكد السلطنة التي تتمحور سياستها الخارجية على دعم أي جهد يحقق السلام لأصحاب القضية، أنها مع خيارات الشعب الفلسطيني.
وقبل أيام ارتفع صوت مفتي السلطنة الشيخ أحمد الخليلي مندداً بالاتفاق الإماراتي ـ الإسرائيلي لتطبيع العلاقات، وبالمساومة على حقوق الفلسطينيين، ومؤكداً أن “تحرير الأقصى وما حوله دين برقبة الأمة جميعاً يلزمهم وفاؤه، لافتاً إلى أن الأخيرة وإن “لم تواتها الظروف وتسعفها الأقدار فليس لهم المساومة عليه بحال”.
السودان نحو محور أبو ظبي
كان واضحاً أن أبو ظبي بذلت جهوداً جبارة لسحب السودان إلى تيار التطبيع، والترويج لهذا الخيار، أنه مفتاح عودة الخرطوم للساحة الدولية، ومحو الصورة المرتبطة عنها أنها راعية للإرهاب.
المتابع لتفاعل السودان مع مسار التطبيع يلحظ تخبط موقفه الرسمي، بين تأييد ومباركة لخطوة أبو ظبي، والتأكيد أن البلد يمضي معه في نفس الدرب، ورفض للموقف الإماراتي.
وكان جلياً مدى التأثير الإماراتي في التصريحات التي تبنتها أطراف عدة في السودان، بشكل أوحى بإمكانية إعلان تطبيع العلاقة مع سلطات الاحتلال.
ويعزز من تأكيد هذا البعد، التصريحات التي أدلى بها الناطق الرسمي باسم الخارجية السودانية حيدر بدوي صادق، وتأييد تطبيع العلاقات مع إسرائيل، والتي أعلنها لقناة “سكاي نيوز” عربية المحسوبة على أبو ظبي. وجاءت تلك التصريحات في سياق مناخ تبنته قيادات سودانية، على غرار لقاء زعيم الانتقالي عبد الفتاح البرهان المحسوب أيضاً على الإمارات، مع بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، في أوغندا في شباط/ فبراير الماضي واتفاقهما على بداية تطبيع العلاقات.
لكن التقارب مع سلطات الاحتلال، والذي تبديه بعض القيادات السودانية التي ترى في تطبيع علاقاتها مع إسرائيل حتمية، يقابله رفض مواز من أركان الحكم الأخرى، ومن قيادات ما زالت مصرة على احتفاظ الخرطوم بأسس سياساتها الخارجية السابقة.
دول المغرب العربي
لم يحقق اللوبي التطبيعي الذي ترعاه أبو ظبي اختراقاً في دول المغرب العربي، بالرغم من المحاولات التي تبذلها شخصيات مقربة منها.
ويلاحظ ذلك في تونس التي واجهت محاولات يائسة من الإمارات لخلط الأوراق وتحقيق فراغ دستوري يمكن حلفائها من اعتلاء المشهد. كذلك في الجزائر، التي ترفض معظم الفعاليات السياسية والعسكرية والنخب أي تقارب مع سلطات الاحتلال.
في المملكة المغربية لا يزال البرلمان الذي يسيطر عليه الإسلاميون والوطنيون عصياً على الاختراق الإماراتي.
الاستثناء الوحيد في المغرب العربي، هي موريتانيا، التي تغرد قيادتها مع المحور الإماراتي، وهناك تقارب مع أجنداتها.
جبهة فلسطينية موحدة
لم تتأخر السلطة الفلسطينية في تأكيد رفضها لتطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل، فقد اعتبرت ذلك “خيانة للقدس والأقصى والقضية الفلسطينية، واعترافاً بالقدس عاصمة لإسرائيل” من قبل الإمارات. ويظهر الصف الفلسطيني مُوّحداً ضد خطوة أبو ظبي، خاصة بين حركة فتح وحركة حماس، وهو ما تأكد في بيان عن اتصال هاتفي بين محمود عباس وإسماعيل هنية.
رفض شعبي
الدعاية الإماراتية التي بذلت مساع في الفترة الأخيرة للترويج للتطبيع كحتمية، ما زالت تصطدم بصخرة الرفض الشعبي، لأي تقارب مع سلطات الاحتلال.
ويغذي الاعتراض الشعبي على مسار التطبيع، ثوابت تحكم موقف فعاليات ونخب موقنة بحقوق الشعب الفلسطيني، ولا تتقبل أي مساومة على مصيره، مهما كانت الدوافع. وحتى الآن ترى أن إسرائيل دولةً عدوة، وترفض كل أشكال التطبيع معها، قبل التوصل إلى حل شامل وعادل للقضية الفلسطينية.