الدوحة- “القدس العربي”: فتحت قبرص تحقيقا مستقلا في برنامج منح الجنسية القبرصية للمستثمرين بعد اتهامات باستغلال مجرمين لهذا البرنامج، وفق ما ذكر مكتب التدقيق في الجزيرة المتوسطية.
والاسبوع الماضي بثت قناة الجزيرة في قطر تقريرا كشفت فيه أن العشرات ممن تقدموا بطلبات للحصول على “جوازات السفر الذهبية” يخضعون لتحقيقات جنائية أو عقوبات دولية أو يقضون عقوبات داخل السجن.
ووصف وزير الداخلية القبرصي نيكوس نوريس تقرير الجزيرة بأنه “دعاية” تهدف إلى إلحاق الضرر بقبرص سياسيا واقتصاديا.
والجمعة أعلن مكتب التدقيق المدعوم من الدولة لكن المستقل في بيان أن إجراء تحقيق يعد ضروريا بسبب التشويه الذي لحق ببرنامج جوازات السفر بعد تقرير قناة الجزيرة.
وأضاف البيان أن “مكتب التدقيق هو مؤسسة مستقلة يمكنها الرد بمصداقية على الشكاوى والادعاءات ضد البرنامج، وتوزيع المسؤوليات واتخاذ الإجراءات التصحيحية، أو الحفاظ على سمعة الجمهورية”.
وبدأت قبرص العضو في الاتحاد الاوروبي منح جوازات سفر مقابل الاستثمارات عام 2013 في أعقاب الأزمة الاقتصادية، لكنها واجهت ضغوطا من بروكسل لإجراء إصلاحات بعد مخاوف من استغلال عصابات الجريمة المنظمة للبرنامج بهدف التسلل الى دول الاتحاد.
وفي شباط/فبراير 2019، قامت نيقوسيا بتحديث معاييرها للحصول على الجنسية وفرضت ما وصفته بأنه إجراءات أكثر صرامة.
وقال مكتب التدقيق إنه سيحقق مبدئيا في منح الجنسية بعد إجراء التعديلات على برنامج الاستثمار.
وأورد تقرير قناة الجزيرة الذي استند إلى وثائق مسربة أن أثرياء مرتبطين بالكرملين كذلك مواطنين صينيين “على استعداد لدفع ملايين الدولارات للحصول على جواز سفر أوروبي”.
وأصرت نيقوسيا على أن الادعاءات تعود الى حقبة سابقة قبل تشديد القيود على البرنامج، وأن أولئك الذين ذكرت الجزيرة انهم حصلوا على جواز سفر استوفوا الشروط في ذلك الوقت وليس لديهم أي سجل إجرامي.
وبموجب القوانين الجديدة، تمنح الحكومة القبرصية جواز سفر الى الأجانب مقابل استثمار بقيمة 2,5 مليون يورو (3 ملايين دولار).
توصلت شبكة “الجزيرة” لمعلومات مثيرة حول حصول عدد من الأثرياء، بعضهم من المجرمين والملاحقين بتهم فساد، على جوازات سفر من دولة قبرص.
وضمن برنامج استقصائي، حصلت وحدة التحقيقات في القناة، على تفاصيل عملية بيع جوازات الدولة التابعة للاتحاد الأوروبي، واستفادت منه شخصيات من روسيا، والصين، والسعودية، وغيرها.
وحصلت الوحدة على كم كبير من البيانات المسربة لوثائق وجوازات سفر تكشف عن ثغرات خطيرة في برنامج “الجوازات الذهبية” المثير للجدل في قبرص. وجنت السلطات من بيع جنسيتها لعدد من أثرياء العالم، مليارات الدولارات، رغم أن كثيراً من هؤلاء، يخضع لتحقيقات جنائية، أو عقوبات دولية، ومنهم من صدرت بحقه أحكام بالسجن.
تم التستر على أسماء عدد من الشخصيات من السعودية، التي زاد عدد الطلبات المقدمة من مواطنيها للحصول على جوازات سفر قبرصية، منذ أن صعد محمد بن سلمان إلى السلطة
وبحسب المعلومات التي اطلعت عليها “القدس العربي”، فقد درست وحدة التحقيقات في الجزيرة طلبات تقدم بها أكثر من 2500 شخص، ما بين عامي 2017 و2019 للحصول على جنسية قبرص ضمن برنامج الاستثمار. واكتشفت أن كثيراً من هذه الطلبات ينتهك الضوابط التي وضعتها الدولة للحصول على الجنسية القبرصية.
وتضم “أوراق قبرص” أسماء آلاف الأثرياء الروس، منهم من لديه ارتباطات قوية مع الكرملين، إضافة إلى 500 مواطن صيني، جميعهم على استعداد لدفع ملايين الدولارات للحصول على جواز الاتحاد الأوروبي. وإجمالاً، باعت قبرص جوازات لأشخاص من 74 جنسية خلال الفترة المذكورة.
وتكشف الأوراق عن أن قبرص باعت جوازات سفر لأكثر من 30 شخصاً يواجهون تهماً جنائية، أو مدانين، أو خاضعين لعقوبات دولية. كما توضح البيانات أن أربعين من الطلبات الأخرى التي أجيزت، كان أصحابها يشغلون مواقع سياسية أو حكومية، ويصنفون على أنهم “أشخاص منكشفون سياسياً”، وهو ما يعني أنهم قد يقبلون تلقي رشاوى أو يشاركون في عمليات غسيل للأموال بموجب الضوابط المعمول بها في الاتحاد الأوروبي وفي قبرص. وجميعهم اشتروا جوازات السفر قبل أن تشدد قبرص إجراءاتها بهذا الشأن في مايو/ أيار 2019.
وقال سفين جيغولد، عضو البرلمان الأوروبي من ألمانيا، في تصريح للجزيرة: “موقف الاتحاد الأوروبي واضح جداً، وهو أن الجنسية ليست للبيع”. وأضاف: “لا ينبغي التعامل مع الجنسية وكأنها سلعة تباع وتشترى”.
ووصف جيغولد وهو ناشط بارز في مجال المطالبة بسن قوانين أوروبية أكثر صرامة لمحاربة غسيل الأموال ما تم كشفه من خلال “أوراق قبرص” بأنه “مقلق للغاية”. واستطرد أن “أنظمة الجوازات هذه تشكل تهديداً أمنياً على أوروبا”.
وتكشف “أوراق قبرص” البيانات الخاصة لقرصان إلكتروني (هاكر) شهير مطلوب للعدالة بعد سرقة عدة مليارات من الدولارات من العملات الرقمية المشفرة، وصدرت الموافقة على منحه جواز سفر قبرصي.
وهناك رجل أعمال آخر، كان المتهم الرئيس في محاكمة بتهمة الرشوة، تمكن رغم دخوله السجن من شراء جواز سفر. ونجد في الأوراق التي تحققت منها وحدة الاستقصاءات في الجزيرة “أن مصرفياً من إحدى دول أمريكا الجنوبية، تمت الموافقة على منحه الجنسية قبل أربعة أيام فقط من إعلان الولايات المتحدة أنه الشخص الرئيس في مخطط غير مشروع لغسيل نحو 2.4 مليار دولار”.
ورصدت الوحدة، وجود مجموعة أخرى من الأشخاص، وردت أسماؤهم في “أوراق قبرص”، لم تكشف الجزيرة هوياتهم حفاظاً على سلامتهم. من بينهم امرأة اختطف عملاء الأمن الصينيون سراً، أحد أقاربها في هونغ كونغ.
وتم التستر على أسماء عدد من الشخصيات من المملكة العربية السعودية، التي زاد عدد الطلبات المقدمة من مواطنيها للحصول على جوازات سفر قبرصية، منذ أن صعد إلى السلطة ولي العهد محمد بن سلمان، المتهم بالضلوع في قتل الصحافي جمال خاشقجي.
ومن بين هؤلاء أحد أفراد عائلة بن لادن، الذي صودرت أمواله من قبل ولي العهد السعودي. ومن بين الأسماء أيضاً قريب لأحد رجال الأعمال السعوديين الذين اعتقلوا بدون تهمة في فندق ريتز كارلتون بالرياض.
وقالت حكومة قبرص للجزيرة إنها شددت إجراءات الحصول على الجنسية مقابل الاستثمار في 2019، وأكدت أنه “لم يتم منح الجنسية بأي شكل ينتهك الإجراءات المعمول بها في حينه”.