انقلاب الأدوار داخل الأسرة دليل على أنها فوضى

حجم الخط
2

قبل عدة أسابيع نقلت وكالة «يو بي أي» عن وسائل إعلام أمريكية، أن إمرأة تدعى ليندا سيرويس (49 عاماً) من ولاية مين، ولدت حفيدها مادين بريان هربرت، في مستشفى بمدينة بريسك أيزل. ومادين هو المولود الأول لابنة سيرويس البالغة من العمر 25 عاماً، وزوجها البالغ من العمر 29 عاما.
وكانت الابنة التي لم تتمكن من حمل مولودها بسبب مرض قلبي قد استنجدت بأمها لتحمل جنينها بدلا عنها.. وقالت سيرويس إن «حملها جنين ابنتها كان قراراً سهلاً بالنسبة لها». وأضافت «لم يكن بإمكاني رؤيتهما يكملان حياتهما من دون طفل، في الوقت الذي بإمكاني أن أساعدهما، لقد سمعت عن جدة في الستين من عمرها أنجبت حفيدها، وبالتالي عرفت أن هذا ممكن».
من الواضح ان حالة سيرويس لم تكن الاولى، وانما هناك حالات كثيرة مشابهة. وما يعنينا في هذه الحالة الادوار الاجتماعية، وكيف يتم توصيف دور سيرويس للمولود مادين، هل دور سيرويس هو دور الجدة أم الأم الحاضنة، ام الأم المرضعة؟ على أي حال هذه القصة وسواها تكشف بشكل جلي، وبعيدا عن السياسة، اننا دخلنا عصر الفوضى.
ويعتبر عالم السياسة الامريكي تشالمرز جونسون، ان الثورة الحقيقية تحدث عندما تتحول بنية الادوار الاجتماعية. والادوار الاجتماعية تشهد تحولات عميقة ومثيرة.. وهذا ما يجعل النظام الاجتماعي يشهد تغييرا ثوريا، حتى إنه بصدد الانفجار ليقذف كل بناه التقليدية، فقد بات من المرجح ان العلاقة بين الجنسين لن تبقى بالكيفية التي اعتدناها وظلت سائدة لقرون، لكنها ستتحول الى أشكال غير مألوفة وغريبة ولها خصوصيتها.
بالطبع الطبيعة النوعية للأدوار في الأسر هي ليست جامدة على نحو صارم، ولكنها تشهد تفاوتا كبيرا، وهذا يتوقف على عوامل عديدة، في مقدمتها مستوى تعليم الأسرة، خاصة الأم، والمشاركة في القوى العاملة المدفوعة. كما انها في حالات كثيرة تعتمد على مدى الصلات بين افراد الاسرة ؛ ولاسيما في الاسر الممتدة. ففي هذه الأسر تأخذ الجدة او العمة او القريبة دور الأم نفسه في العلاقة مع الطفل، وتمارس الأمومة الثانوية او المكملة للطفل، كما تفعل الأم البيولوجية. هذا الدور من الممكن ان يتكرر للطفل الواحد مع ثلاث نساء او اكثر، ضمن أعضاء الأسرة الممتدة الذين يعيشون معا، كما هو الحال في الأسر الصينية التقليدية، فإنه من الشائع أن تعيش ثلاثة أجيال معا. اختلاف آخر من هذا النمط موجود بين الاسر الفلبينية واسر اخرى من بلدان مختلفة، حيث أن زوجات او نساء يسكن في اطار اسرة ممتدة في حياة مشتركة يقمن بالتنشئة والرعاية للاطفال بأساليب احيانا متناقضة، بل متعارضة نظرا لاختلاف مناشئ اولئك النسوة اللاتي يتشاركن في العيش او الانضمام للاسرة الممتدة، وبالنتيجة تبرز مخرجات متباينة لمثل هذه التنشئة، تتضمن الكثير من الاثار السلبية.
فعلى سبيل المثال الإجراءات العقابية بما فيها العقاب البدني تعتبر مسيئة في بعض الثقافات، بينما تعتبر ذات قيمة عالية في ثقافات أخرى. ولنتصور ماذا يحدث لطفل تتشارك امرأتان، تنتميان لقيم ثقافية متباينة او متضادة في تنشئته؟ ماذا عن قيم الايمان والتدين وقيم الالحاد، وماذا يحدث في الاسر النووية للاطفال الذين يحيون مع ابوين متعارضين في القيم والمدركات الاساسية ويتوليان معا تنشئة طفلهما؟
الادوار في كل الاحوال ليست جامدة وليس دائما ثابتة، احيانا متطلبات الحياة وحاجات الاسرة نفسها تفرض تغيرا في الادوار، على سبيل المثال اتذكر عندما سقط نظام صدام حسين في العراق عام 2003، وتم عزل العديد من الموظفين من وظائفهم بسبب انتمائهم الى حزب صدام، خرج العديد من زوجات هؤلاء الموظفين من ربات البيوت من منازلهن الى سوق العمل والوظائف، بينما حل ازواجهن مكانهن، في الاعتناء بالاطفال وشؤون البيت الاخرى.. بالطبع ان آباء شبانا عديدين في دول العالم المختلفة صاروا يهتمون بأسرهم اهتماما فعالا، واحيانا طيلة الوقت لكي يتيحوا لزوجاتهم الاحتفاظ بوظيفة مجزية او اتخاذ مكانة مهنية.
انقلاب الادوار احيانا يأخذ وضعا مضطربا وربما مأساويا والنماذج على ذلك عديدة، فمثلا قد تهتز الأدوار الاجتماعية، عندما تصر المرأة، في مسألة الاجهاض، على أنها صاحبة الحق في قرارها وليس أهل السياسة او رجال الدين ولا حتى الأزواج والأطباء.
ويبدو ان انقلاب الادوار والاستجابة للحال الذي بلغته الاسرة جعل الكتابات في هذا المجال، سواء المتخصصة او النخبوية، تتجه للحديث ليس عن دور الأم والأب في تنشئة الاسرة، وانما تركز في حديثها عن الوالدين، انطلاقا من مبدأ الغاء الفوارق الجنسية.
بعد اقرار قوانين زواج المثليين، اي عصف يحدثه هذا الزواج في دور الزوج والزوجة وفي دور الام والاب في حالة تبني طفل؟ هل تصبح المرأة المثلية أُما صالحة بعد الطلاق (إحدى المحاكم الامريكية قضت بوجوب ذلك). في نيسان/ابريل الماضي نشر موقع فضائية العربية، خبر ثلاث سيدات مثليات جنسياً هن «دول وكيتين وبرين»، كن قد تزوجن في حفل بولاية ماساشوسيتس خلال شهر أغسطس/اب في حفل عائلي عام 2013، واستطاعت كيتين (27 عاماً) أن تحمل بالطفلة المنتظرة من خلال عملية حقن مجهري من متبرع مجهول الهوية. وتنوي دول (30 عاماً) وبرين (34 عاماً) أن تحملا بالطريقة نفسها، لكي يكون لديهن ثلاثة أطفال، وإذا لم تتمكنا من ذلك فستلجآن للتبني. هذا الخبر يكشف كم هي فوضى، وان عصرنا يتجه الى تسيب كلي وحقيقي.
الحقيقة ان تعددية الوالدية صارت تضرب أطنابها في كثير من المجتمعات، والسؤال ماذا عن التعددية الوالدية لطفل معين. بمعنى الوالدية التي تنشأ من أم وأب بيولوجيين؛ وأم وأب يقومان بالتنشئة، بدواعي التبني او بدواعي المهنة؛ فيصبح لدينا والدي النسب ووالدي المهنة؛ أو والدي التبني؛ أو الأب والأم الروحيين.

٭ كاتب وصحافي عراقي

عصام فاهم العامري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية