المغرب وحملة نابليون بونابرت علي مصر والشام (1213ـ 1216هـ/1798 ـ1801م):

حجم الخط
0

المغرب وحملة نابليون بونابرت علي مصر والشام (1213ـ 1216هـ/1798 ـ1801م):

مولاي سليمان لم يستجب لمطالب السلطان العثماني وبدأ يحصن جبهته الداخلية حتي لا تتكرر التجربةالمغاربة لم يشاركوا بالجهاد والترغيب فقط بل اختلطوا بجيش الشرق وإدارته العليا بمصرالمغرب وحملة نابليون بونابرت علي مصر والشام (1213ـ 1216هـ/1798 ـ1801م): د. محمد حواش نوقشت برحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال يوم الأربعاء 14 تموز (يوليو) 2004 أمام لجنة مؤلفة من الدكتور محمد بلحسن رئيسا والدكتور محمد رزوق مقررا والدكتور مبارك زكي عضوا والدكتور أحمد المكاوي عضوا، أطروحة دكتوراه الدولة في التاريخ الحديث تقدم بها محمد حواش وهو أستاذ بنفس الكلية، تحت عنوان: المغرب وحملة نابليون بونابرت علي مصر والشام (1213 ـ 1216 هـ/1798 ـ 1801م): حدود التضامن الإسلامي ومستوياته . وقد نال المرشح درجة دكتوراه الدولة بميزة حسن جدا مع توصية بطبع الأطروحة. وإليكم فيما يلي نص التقرير الذي تقدم به المرشح أمام لجنة المناقشة:تندرج هذه الأطروحة ضمن ممارسة بحثية أعتقد أنها ما تزال في بدايتها، نروم من خلالها إماطة اللثام عن طبيعة ونوعية العلاقات التي كانت ـ وما تزال ـ تربط بين غرب العالم الإسلامي وشرقه باعتبارهما مجالا مشتركا تمتزج فيه الهوية العقدية والحضارية لمختلف الشعوب الإسلامية، مستحضرا في ذلك خصوصية هذه العلاقات وخطورة التحديات التي كان يتعرض لها هذا الجناح أو ذاك بشكل دوري.ومما لا شك فيه، أن الحملة العسكرية التي تعرضت لها مصر ثم الشام منذ سنة 1798 واستمرت حتي سنة 1801 تمثل، من حيث طبيعتها وظرفيتها، نموذجا مثاليا لرصد ومراقبة صور التضامن الذي نفترض حصوله في مناسبة مثل هاته. فقد نظمت هذه الحملة من طرف دولة كانت تصنف، إلي ذلك الحين، ضمن أمم دار الكفر والحرب ، كما كانت تعيش ساعتها ثورة غير مسبوقة تحمل مشروعا كونيا يروم إحداث تحولات ثورية علي صعيد الفكر والسياسة والمجتمع، وتقدم، في ذات الوقت، لجيل الثورة مبررات وحججا فلسفية وسياسية لممارسة عمليات الفتح والاستعمار في عوالم ما وراء البحار. حدث هذا في وقت لم تكن فيه بلدان العالم الإسلامي قد سيجتها الحدود السياسية، وأقاليمه وجهاته ما تزال تعيش علي إيقاع التنقل والاستقرار بعيدا عن تعقيدات الإجراءات الأمنية والحساسيات الوطنية الضيقة. ناهيك عن العلاقات الخاصة التي كانت تربط المغرب بالدولة العثمانية باعتبارها مقر دار الخلافة والمسؤولة شرعا وقانونا عن الدفاع عن مصر والشام، وفرنسا باعتبارها الجهة التي خططت لهذا العدوان ونفذته. يضاف إلي هذا وذاك، الحدود المشتركة وعلاقات الجوار الخاصة التي كانت تربط المغرب بكل من إنكلترا الحليف الأقوي للدولة العثمانية وإسبانيا ذات الميولات الواضحة نحو فرنسا.علي خلفية هذه الاعتبارات، تأسس سؤالنا عن موقف المغرب من الحملة الفرنسية التي نزلت بأرض مصر والشام، متغيين من وراء ذلك رصد واستجلاء حدود ومستويات تحقق فرضية التضامن من حيث هي مطلب إسلامي تؤيده وتدعو إليه رابطة الدين والعقيدة وخطاب تروج له وتدعيه كل مكونات الدولة والمجتمع. موقف مولاي سليمانلهذا، دارت الإشكالية المركزية لهذه الأطروحة حول أربع قضايا رئيسة. اتصلت القضية الأولي، بموقف مولاي سليمان (1792 ـ 1822)، باعتباره الإمام الأعظم ورأس السلطة السياسية، من نداءات الجهاد التي كانت تأتيه، عبر وسائط مختلفة، من السلطان العثماني سليم الثالث (1789 ـ 1807) باعتباره خليفة للمسلمين. أما القضية الثانية، فتمثلت في استجلاء صور التفاعل التي عبرت من خلالها مختلف مكونات المجتمع المغربي عن موقفها تجاه هذا الحدث. وتمحورت القضية الثالثة، حول المساهمة الجهادية التي صدرت عن المغاربة في عين المكان. أما القضية الرابعة، فتلخص هدفها الرئيس في تبين الكيفية التي تفاعلت بها عناصر الجالية المغربية التي كانت تقيم آنذاك بمصر والشام مع هذه الحملة. إلي جانب هذا وذاك، ظل يحضرني، عبر مختلف أبواب وفصول هذه الأطروحة، هاجس تتبع واستكشاف الكيفية التي قرأت بها النخبتان العالمة والسياسية هذا الحدث باعتباره تحديا عسكريا وحضاريا غير مسبوق لـ دار الإسلام من قبل واحدة من أمم دار الكفر والحرب .ولا يخفي أن ثلة من الدارسين والباحثين قد اشتغلوا بالإجابة عن بعض هذه الأسئلة وحرروا في ذلك مقالات وأبحاثا لا سبيل إلي إنكار قيمتها العلمية. ورغم ذلك، ظلت أهم القضايا والإشكالات المرتبطة بموقف المغرب من هذه الحملة قائمة، أو أنها لم تستوف المعالجة المطلوبة، وذلك لأسباب منهجية وأخري تتعلق بطبيعة المادة العلمية المعتمدة.ففيما يتصل بالجانب المنهجي، طرقت هذه الكتابات موضوع الحملة في علاقته بالمغرب إما في سياق تناولها لإشكالات جزئية لا تمس إلا جانبا يسيرا من هذا الموضوع، أو أنها عالجته ضمن إطار أوسع أثناء حديثها عن علاقات المغرب بالمشرق أو بفرنسا. فظل عدد من الأسئلة، إما بدون إجابة، أو عولج بطريقة سريعة وجزئية. لهذا، توجه اهتمامنا، في المقام الأول، إلي إنجاز عمل متكامل يسمح بتغطية أهم محاور هذا الموضوع.أما فيما يرجع إلي الجانب التوثيقي، فعلي الرغم من غني وتنوع المادة العلمية التي اعتمدت عليها بعض الأبحاث في هذا المضمار، فقد افتقر جلها إلي التنويع الضروري الذي يتطلبه بحث مركب من هذا النوع تتداخل فيه أكثر من دولة وتتقاطع حوله مختلف شرائح المجتمع بشقيه السياسي والمدني. لهذا، انصب الهدف الثاني لهذه الأطروحة علي معالجة الاختلالات التي شابت، من هذه الناحية، عددا من الكتابات وأثرت بشكل سلبي علي الحقائق الموضوعية المرتبطة بموقف المغرب من هذا الحدث.أما فيما يتعلق بالشق الثاني من هذه العدة المنهجية، فتمثل في الخطة العملية التي اعتمدتها في إنجاز هذا البحث. وقد تميزت، هي بدورها، بطابعي الشمولية والتكامل. وقد تجلي ذلك في توزيعي لمحاور هذا الموضوع أفقيا وعموديا عبر امتداداتها علي مستوي المجال الجغرافي وتموقعها داخل الهرمية السياسية والاجتماعية. ففيما يتصل بالمجال الجغرافي، ارتأيت ضرورة الفصل بين ما جري بخصوص هذه الحملة من مواقف وتطورات داخل المغرب، وما جري خارجه. ذلك، أن المغاربة عايشوا هذا الحدث وتفاعلوا معه وهم إما مقيمون ببلدهم أو موجودون خارجه. وانطلاقا من المعيار المتصل بالهرمية السياسية والتراتبية الاجتماعية، تميز تناولنا لمجمل هذه المواقف، بالفصل بين تلك التي صدرت عن السلطة السياسية وما اندرج منها ضمن ردود الفعل التي عبرت عنها مختلف مكونات المجتمع. انطلاقا من هذين المعيارين، قسمت هذه الأطروحة إلي أربعة أبواب. خصصت الباب الأول والثاني منها، للمواقف التي صدرت عن مختلف مكونات الدولة والمجتمع داخل المغرب. أما البابان الثالث والرابع، فأفردا، علي التوالي، لاستجلاء صور المساهمة الجهادية التي صدرت عن المغاربة في عين المكان، ورصد أوجه التفاعل التي حصلت بين المغاربة الذين كانوا يقيمون بمصر والشام وجيش الشرق وإدارته العليا. أما فيما يخص المادة العلمية التي راهنا عليها في تحقيق مرامي وأهداف هذه الأطروحة، فتمثلت في الأصول بنوعيها الوثائقي والمصدري، إضافة إلي الأبحاث والدراسات التي دارت مواضيعها حول هذا البحث أو قريبا منه. وهكذا، شكل أرشيف الحملة بباريس والقاهرة والمراسلات الدبلوماسة بمدينة نانط ((Nantes، ومديرية الوثائق بالرباط، وأرشيف القنصلية الأمريكية بطرابلس وطنجة، ودفاتر المحاكم الشرعية بالقاهرة، منطلق هذا البحث وأساسه. وانسجاما مع طبيعة هذا الموضوع المركب ووعيا مني بأهمية المدونات المصدرية في مراقبة ما احتفظت به الوثائق الرسمية، طعمت هذه المعلومات الأرشيفية بالروايات المفصلة التي أودعها أصحابها كتبهم ومذكراتهم. واتسعت دائرة هذه الكتابات لتشمل مصادر متنوعة فرنسية وإنكليزية ومصرية وشامية وعثمانية وحجازية ويمنية وتونسية وجزائرية ومغربية، توزعت أشكالها ومضامينها بين الحوليات والمذكرات والتقارير الرسمية والسرية والقصائد الشعرية والزجلية والمقالات الصحفية والروايات الشفوية، اشترك في تأليفها كبار ضباط الحملة وأطرها المدنية ونخبة من رجالات المشرق والمغرب من مختلف الاتجاهات والمشارب. وبفضل صفتي الشمولية والتنوع راقبت هذه المصادر بعضها البعض وتكاملت فيما بينها، وأتاحت لي، إلي جانب ما تحصل لدي من وثائق ومستندات، إعادة بناء أحداث هذا الموضوع ووقائعه.ومما لا شك فيه، أن القيمة العلمية لأي بحث كان تتحدد في بعض جوانبها القوية بنوعية الدراسات والأبحاث التي انطلقت منها وتأسست عليها، إما علي سبيل الاستشارة والاستفادة، أو علي سبيل التقويم والمناقشة. لهذه الاعتبارات، لم آل جهدا في تتبع ما كتب في هذا الموضوع أو تقاطع معه في أحد جوانبه داخل المغرب وخارجه. وركزت، بشكل خاص، علي الكتابات التي ظهرت في البلدان التي ربطتها علاقات مباشرة بالحملة. كما لم تفتني الاستفادة مما تضمنته بعض المواقع الإلكترونية من معلومات تفصيلية حول الحملة.إضافة إلي هذا الرصيد البيبليوغرافي، استعنت ببعض الزيارات الميدانية في مصر والمغرب بغرض تحقيق وتوثيق عدد من الأحداث. فقمت بزيارة استكشافية لعدد من الأحياء التي كان يقيم بها المغاربة بالقاهرة، وأخذت لها صورا فوتوغرافية. أما في المغرب، فزرت أحد مداشر قبيلة بني سريف بجهة مدينة القصر الكبير بشمال المغرب للتحقق من هوية مولاي محمد المغربي باعتباره إحدي الشخصيات المغربية التي اشتهرت بجهادها ضد جنود الحملة بمصر.ورغم ذلك، واجهتني عدة صعوبات تجاوزت البعض منها واستعصي علي تجاوز البعض الآخر. ويأتي علي رأس هذه الصعوبات ندرة الوثائق داخل المغرب، وصعوبة الحصول علي ما يوجد منهما خارجه. وخلافا لما كان متوقعا في البداية، فوجئت بقلة المصادر المغربية التي تفاعل أصحابها مع هذا الحدث. يضاف إلي هذا وذاك، صعوبة أخري تمثلت، حسب علمي، في غياب أية دراسة أو بحث مفردين لهذا الصنف من المواضيع، مما جعلني أنطلق، تقريبا، من نقطة الصفر في موضوع قل فيه، بشكل ملحوظ، التراكم علي المستويين المعرفي والمنهجي. توحد المغرب والمشرقانطلاقا من هذه الاعتبارات، تحملت، منذ البداية، مشاق الاشتغال في هذا الحقل الجديد نسبيا ووضعت كهدف أولي تقديم صورة واضحة وواقعية للكيفية التي تفاعلت بها مع هذا الحدث أهم مكونات الدولة والمجتمع من منطلق كونه أول مشروع استعماري من نوعه داخل العالم الإسلامي، ذلك، أن التقاليد الأكاديمية في الجامعة المغربية، دأبت، لأسباب مختلفة، علي تركيز مواضيع البحث العلمي فيما يتصل بعلاقات المغرب الخارجية، علي الدول الأوروبية التي كان لها أثر قوي علي أوضاعه الداخلية والسير به نحو مرحلة الاستعمار. أما العلاقات التي ربطت بين هذا البلد ومحيطه الإسلامي، فلم تحظ، إلي عهد قريب، بالاهتمام الذي تستحقه.وتمثلت أول خطوة لي في هذا الاتجاه، في الإسهام في تأسيس مجموعة الدراسات والأبحاث في العلاقات المغربية والمشرقية سنة 1994 بكلية الآداب ببني ملال، ثم المشاركة في تنظيم عدة ندوات في هذا المجال. وترسخ لدي هذا التوجه أكثر بإنجاز هذه الأطروحة التي أؤكد، من خلالها، اقتناعي بأهمية العلاقات الخاصة التي جمعت بين المغرب وبقية بلدان العالم الإسلامي. ورغم ذلك، فإني أعتبر هذا البحث مجرد خطوة متواضعة في مضمار مشروع علمي واسع وطموح يشاركني فيه عدد من الأساتذة الباحثين داخل المغرب وخارجه.وقد أسفرت هذه الأطروحة عن مجموعة من الخلاصات والنتائج نجملها في النقاط التالية: تأكد لي، بشكل جلي، أن الحملة الفرنسية باعتبارها عدوانا عسكريا نفذته إحدي الأمم المسيحية علي بلدين إسلاميين، كانت حاضرة بقوة في المغرب بمختلف أوساطه الرسمية والشعبية. فعلي المستوي الرسمي، أضحي حدث الحملة يشكل أحد الانشغالات الرئيسة لمولاي سليمان وبقية أعضاء الجهاز المخزني. لكن، عوض أن يغامر بإمكاناته العسكرية المتواضعة في حرب أصبحت أهدافها تصب، حسب تقديره، في اتجاه تصفية حسابات قديمة بين إنكلترا وفرنسا ويعرض أمنه الترابي لاعتداءات هذه الأخيرة التي أضحت، بسبب تحالفها مع إسبانيا، تشكل، بالنسبة له، خطرا حقيقيا، انصبت جهوده علي تأكيد سلطته الداخلية والاجتهاد في إيجاد الذرائع والحجج للدفاع عن موقفه أمام مبعوثي الباب العالي وباقي الدول المتحاربة. وقد وصل به الأمر في هذا الاتجاه، إلي حد إبرام معاهدات أو تجديدها مع عدد من الدول المعنية بهذا الصراع وتضمينها بنودا غير مسبوقة تراعي مصلحة هذا الطرف أو ذاك، سعيا منه إلي تفادي كل ما من شأنه أن يعرض أمن المغرب للخطر.وكان من نتائج ذلك أن ترسخ لديه إحساس قوي بحيوية أمنه الوطني حينما تجلي له أن ما حل بمصر والشام يمكن تكراره بالمغرب. واكتشف، بنفس المناسبة، ربما لأول مرة، هشاشة أوضاع المغرب من الناحية الأمنية تجاه أي تهديد خارجي، كما بدأ يدرك أن زمن الاستجابات العفوية لنداءات الجهاد التي قد تأتيه في المستقبل من أي بلد إسلامي قد ولي، وأن إمكاناته الحربية تكفي، بالكاد، لتأمين سلامته الترابية. أما أن يجاهر بعدائه لدولة مثل فرنسا ويعلن الحرب ضد جيشها الذي قضي علي فرسان القديس يوحنا بمالطا وقهر جند المماليك بمصر وهزم جيش الصدر الأعظم العثماني، فذلك ما لم يعد بمقدوره القيام به. ومن يدري، ربما من هنا جاءت فكرة تفكيك أسطول الجهاد البحري ونهج سياسة الانغلاق أو العزلة التي تميز بها سلوك مولاي سليمان في تعامله مع اوروبا.ومما يجدر ذكره في هذا المجال، أن موقف المغرب اندرج ضمن موقف عام شاركته فيه باقي البلدان الإسلامية التي وجدت نفسها في وضعية مشابهة له، رغم انفرادها دونه بتبعيتها للدولة العثمانية صاحبة الشأن الأول في هذه المواجهة العسكرية. لكن، إذا كانت هذه الاعتبارات قد منعت مولاي سليمان من الاستجابة بشكل صريح لدعوات السلطان العثماني رغم رفضه المبدئي لهذا العدوان، فقد عبر أهل المغرب الأقصي عن تفاعلهم القوي مع ما حل بهذين البلدين الإسلاميين من غزو واحتلال. تجلي ذلك من خلال ما صدر عن العلماء والفقهاء من مواقف منددة، وما ضمنه الأئمة والخطباء والشعراء والزجالون خطبهم وقصائدهم من دعوات إلي الجهاد وحض علي بذل الأنفس والأموال لنصرة إخوانهم بمصر والشام، وما صدر عن باقي فئات المجتمع من احتجاجات وما عبروا عنه من أفراح عامة كلما سمعوا بانهزام قوات الحملة أو قرب خروجها من الديار المصرية والشامية.الحجاج والطلاب المغاربة في المشرقوإذا كان صدي هذه التحركات لم يتجاوز حدود المغرب وانصب في الغالب علي التحذير من تكرار نفس التجربة بهذا البلد، فقد تبين أن المغاربة المقيمين بمصر والشام ومن صادفتهم هذه الحملة وهم يعبرون القطر المصري، وفي مقدمتهم الحجاج والتجار، عبروا عن تضامنهم مع إخوانهم بمصر والشام من خلال انخراط العديد منهم في حركة المقاومة والجهاد. أكثر من هذا، تصدر البعض منهم قيادة هذه الحركة وأضحت أقوي الثورات والمواجهات العسكرية تتم تحت إدارة وتوجيه مجاهدين من المغرب الأقصي، مثل: الشيخ محمد الجيلاني السباعي الهاشمي ومحمد بن الأحرش الدرعاوي الذي اشتهر في المصادر الفرنسية والمشرقية بـ مولاي محمد المغربي فطال، بفضل هذه المشاركة الجهادية المغربية، أمد المقاومة واتسعت دائرتها.وتجدر الإشارة، في الأخير، إلي أن علاقة المغاربة بهذه الحملة لم تقتصر علي المقاتلة والجهاد والترغيب فيهما، بل امتدت إلي اختلاط البعض منهم بجيش الشرق وإدارته العليا بمصر وحلول آخرين بالدولة التي أوفدتهما إلي هناك وإقامتهم بعاصمتها شهورا وأحيانا سنوات. فتعرفوا، من خلال هذه التجربة علي أحد وجوه التقدم الأوروبي ومنجزات الثورة الفرنسية. فكانت هذه أول مناسبة من نوعها يكتشف فيها المغاربة حقيقة التفاوت الذي أضحي يفصل بين دار الإسلام و الأمم النصرانية . وإذا كان هؤلاء المغاربة الذين قادتهم أسبابهم الخاصة إلي الإقامة بمهد الثورة الفرنسية أو الاختلاط بواقع الحملة التي نتجت عنها قد احتفظوا بذكرياتهم ومواقفهم لأنفسهم، فـــــمما لا شك فيه أن احتكاكهم المباشر وغير المنتــــظر بفضائي الثورة والحملة الفرنسيين، قد شكل بداية إدراك لحدوث تطور ما في العلاقة التي ظلت، إلي حدود ذلك التاريخ، تجمع بين المسلمين بمختلف انتماءاتـــهم الجغرافية وتلك الأوطان الأوروبية التي خرج من رحمها هذان الحدثان القويان في معانيهما ورمزيتهما.ہ استاذ في جامعة القاضي عياض ـ مراكش7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية