في الرب نثق: الإنجيليون والمتشدّدون المسيحيون بأمريكا (2 من 2)

حجم الخط
0

شعار المسيح هو الحل مرشح للتطوّر والضغط الجماهيري وقد السياسة الامريكية بتعليلات وتفسيرات جديدةالمسيحية الصهيونية تري في عودة اليهود لفلسطين جزءا من البرنامج الإلهي لنهاية الأزمنة

د. عزالدّين عنايةہ أنماط من الأصولية الدّينية:

تتخلّل الأصولية في أمريكا عدّةأنواع ولكن أكثرها نشاطا صنفان:1ـ الأصولية السّياسيّة: والتي يعدّ جيرّي فالوال وبات روبرتسون أبرز زعمائها، فالأوّل منشّط إذاعي تحوّل لاحقا إلي مقدّم برامج تلفزي منذ 1968، خلال سنة 1971 بعث معهدا أصوليا، صار لاحقا جامعة الحرية ـ Liberty University ـ. تعمّقت شهرة هذا المنشّط بعد قيادته الأغلبية الأخلاقية التي شكّلها سنة 1979، ساند تجمّعه الرّئيس السّابق رونالد ريغن، ودافع عن القيم الأخلاقية المحافظة والتقليدية لحزام الكتاب المقدّس. أما بات روبرتسون فهو من مواليد 1930، بعث مــــــع صديقه رالـــف ريد التّحالف المسيحي ـ Christian Coalition ـ بأهداف متقاربة من فالوال. روبرتسون جــــنوبي لكنه ذو تكــــوين أرستقراطي، وهو كذلك رجل أعمال ثري، له خبرة تلفزية طويلة منذ تأســـيس قناته Christian Broadcasting Network (CBN) سنة 1961. ضــــمّ إلي جانب الحماس الدّيني الانتهازية السياسية، وقد بقي حتي مطلع سنة 2000 فاعلا سياسيا مؤثّــــرا في الجنوب، كما كان مؤسّس جامعة Regent University .2 ـ الأصولية التبشيرية: تتكتّل في Great Commiion ، وتهتم بصناعة أتباع المسيح، لها نظرة ثانوية للسّياسة. بالنّسبة لهذا التكتّل الدّيني، لا تتلخّص الصحّة الفعلية للعالم في انخفاض معدّل البطالة، أو في النتائج الانتخابية الديمقراطية، أو فـــــي علامات البورصة، بل في ازدياد أعداد الكنائس وتنامي الاهتــداءات التي يعلنها المبشّــــرون. تعتبر جامعة كولمبيا العالمية Columbia International University CIU بكارولينا الجنوبية معقلهم العلمي الحصين، شعارها الأساسي معرفة المسيح والتعريف به. يسيّرها مبشّر سابق في إيطاليا، الدّكتور جورج و. مورّاي. ضمّت هذه الجامعة قرابة الألف طالب خلال سنة 2004، إضافة إلي مئات المسجلّين، الذين يتابعون الدّروس بالمراسلة. تكوّن هذه الجامعة طلاّبها في علم التّبشير في ما وراء البحار خاصة، حتي وإن كان أغلب الخرّيجين يفضّلون العمل داخل الولايات المتّحدة. تنشّط هذه الجامعة برامج تبشير في 120 دولة، وتشهد أنشطتها تناميا لافتا خصوصا في الفضاءات الإسلامية، بين مسلمي الباكستان ومنغوليا والضواحي الباريسية.

شهد المعمدانيون المستقلّون، تناميا كبيرا، فمع النّصف الثاني من القرن العشرين أسّس أنصار هذا المذهــــب مئات المدارس والمعــاهد الخاصّة، وألحقوها بكلّيات كتــابية ذات توجّه تعليمي أصولي، مثل: Baptist Bible Fellowship، التي مقرّها في سبرينغفيلد. سهر علي تسييرها في البداية نوريس، ثم مع سنة 1950 خلفه نويل سميث و ج. بوشامب فيك. تلك الأنشطة التعليمية الحثيثة للمعمدانيين أنشأت جيلا من الأصوليين المستقلّين، من أشهرهم مقدّم البرامج الإنجيـــلي جيــــرّي فالوال. كما تبـــع ذلك بعــــث عديد الشـــبكات الإعلامية مثل: ـ Southwide Fellowship ـ، التي تأسّست سنة 1956. ولم يكن انعزالهم حدّا من نمائهم بل دافعا لتطوّر حثيث جرّاء تكتّلهم. انطلاقا من هذه الأسس، بدأوا مع الستّينيات في إيلاء اهتمام بالسّياسة. فقد وفّر سياق الحرب الباردة للأصوليين عدوّا بارزا في الخارج، ألا وهو الشيوعية العالمية، إضافة إلي عدوّ داخلي متمثّل في البروتستانتيين اللّيبراليين، والسياسيين المعتدلين، وأنصار منظمة الحقوق المدنية ـ Civil rights ـ المتهمين بالتواطؤ مع الإلحاد الأحمر الذي تقاومه أمريكا.

كانت وما زالت جمعية جون بيرش، وهو تنظيم من أقصي اليمين يحمل اسم مبشّر معمداني، قُتل بسبب اتهامه بالتجسّس في كوريا، تمثّل إحدي فضاءات اللّقاء للمتشدّدين والإيديولوجيين المتطرّفين، الذين يمزجون في خطابهم بين السّياسي والاجتماعي، ولا يضعون الدّين في الصّدارة. تأسّست تلك الجمعية سنة 1958 من طرف روبار والش وهو من الشمال، وقد عدّت في أوجها، 75 ألف عضو، كما شكّلت في الستّينيات رأس حربة المحافظين المتطرّفين.

مع منتهي السبعينيات، تم تجاوز عتبة جديدة، كان ذلك مع المقدّمين الجنوبيين جيرّي فالوال، مؤسس الأغلبية الأخلاقية، وبات روبرتسون، مؤسّس التحالف المسيحي، فجرّاء تأثيرهما الإعلامي الواسع، فتح المقدِّمان الباب واسعا أمام الأصوليين لاكتساح السّياسة، وقطعا مع نوع من العزلة كانت مهيمنة. فقد أغرق المقدّمان الجمهور برؤي شعبوية مانوية، تلخّصت في تخليص أمريكا من العلمانية، علامة ضياع الهوية، مع المناداة بإدماج أداء الصّلاة في المدرسة العمومية، وكذلك التأكيد علي نظرية الخلق، ومعارضتهم للإجهاض والعلاقات الحرة والجنسية المثلية. لحظات مجد هذا اليمين الجديد كانت بين سنوات الرئيسين السّابقين ريغن وبوش الأب.

فلسطين في التأويلات الألفيةضمن مفهوم تمركز السّلطة في نصّ الكتاب المقدّس، لا في مؤسّسة خارجيّة أو في شخصيّة كاريزمية، يعتبر البروتستانتيون نبوءات التّوراة المضمرة توضيحات جليّة للمستقبل، وضمن ذلك السّياق يمثّل النّبي إبراهيم ( عليه السلام) ركنا هاما في هذا الاقتصاد التأويلي الرّمزي، سنتابع بعض مظاهر هذه التأويليات من خلال رؤي بعض التيّارات الدّينية.

بعد حرب 67، بدأ في أمريكا تشكّل تيّار يتكوّن أساسا من اليهود المسيحيين (أناس من أصل يهودي اعتنقوا الإيمان المسيحي)، غلبت عليهم تسمية اليهود المسيحانيون، نسبة للمسيا، المخلّص التوراتي. احتفظ أتباع ذلك المذهب من اليهودية ببعض الرّموز، فهم يتحدّثون عن البِيَع أو التجمّعات بدل الكنائس، كما يرفضون تصوير الربّ وتجسيمه، التزاما بذلك النهي الصّارم الوارد في الوصايا العشر في التوراة، في مواضع مختلفة، مثل: لا يكن لك آلهة أخري سواي. لا تنحت لك تمثالا، ولا تصنع صورة ما مما في السّماء من فوق، وما في الأرض من تحت، وما في الماء من أسفل الأرض. لا تسجد لهنّ ولا تعبدهنّ، لأني أنا الربّ إلهك… (سفر الخروج 20: 3 ـ 5)، علي خلاف ما هو شائع بين المسيحيين. بالإضافة يرتدون الشّال أثناء أداء الصّلاة، كما أن العديد منهم لا يحتفلون بأعياد الميلاد، ولهم حساسية كبيرة من بعض محتويات العهد الجديد، إذ يبدون احترازا كذلك من عديد المظاهر الثّقافية المسيحية التي تشكّلت عبر القرون. يتجمّعون في تنظيمين: هما اتحاد التجمّعات اليهودية المسيحانية ويضم 70 تجمّعا، و التحالف المسيحاني اليهودي بأمريكا ويضم 90 تجمّعا. قبيل سنة 1967، ما كان هناك تجمّع يهودي مسيحاني من هذا النّوع، أمّا حاليا ـ سنة 1998ـ فقد بلغت أعداد تجمعاتهم 350. مدّت هذه النّحلة جسور التّقارب مع مسيحيي حزام الكتاب المقدّس، الذين رأوا فيهم اعترافا من اليهود بالمسيح كمسيا، أو كرسول لله، أو كابن له، وليس كما هو شائع بين اليهود مجدِّفا أو رائيا في الدّين اليهودي. وهو ما يفسّر سبب تواجد مجمل المنظّمات التي تجعل من مساندة إسرائيل هدفها الأوّل بجنوب الولايات المتّحدة مثل: Restoration Foundation ـ Atlanta ، Arkansas Istitute of Holy Land Studies Hebraic Heritage Ministeries ـ Houston يساند تجمّع المسيح للأمم بشكل مباشر المصالح الإسرائيلية، ولا يتواني عن إثارة التشكّكات وتغذية الانتقادات للفلسطينيين. فهناك قراءة تأويلية للكتاب المقدّس، تدخل ضمن هرمنوطيقيا النبوءات التوراتية، الدّائرة أساسا حول سفر إشعياء، الذي ينشغل بموضوع الخلاص، تعدّ التأسيس النّظري والعقدي لهذا التجمّع.

كما تعبّر الصّهيونية المسيحية عن تيّار مسيحي، يري أن النبوءات التوراتية تعلن العودة الصريحة والشّاملة للشّعب اليهودي إلي إسرائيل. فبالنّسبة للمسيحيين الصهاينة، لم تفقد العهود التوراتية لإسرائيل القديمة صلاحيتها، كما يعتبر تأسيس دولة إسرائيل بالنسبة إليهم توافقا مع النبوءات التوراتية. هذا المعتقد شائع بين البروتستانتيين الإنجيليين، وقد تقوّي ذلك مع تطوّر حركة اليهود المسيحانيين، ورأوا فيهم الإثبات التاريخي لصدق نبوءات الخلاص، التي تنتهي في آخر الأزمنة بهداية الربّ كلّ اليهود إلي المسيحية، وما عودة إسرائيل إلي فلسطين سوي جزء من البرنامج الإلهي لنهاية الأزمنة.

يلخّص الباحث كولن شابمان في كتابه: لمن الأرض المقدّسة للفلسطينيين أم للإسرائيليين؟

، الصّادر بأكسفورد سنة 1993، ص: 223، جوهر موقف الصهاينة المسيحيين من الفلسطينيين، بقوله: حظّكم تعيس! يمكن تفهّم معاناتكم بسبب بعض مظاهر الظّلم، لكن في العموم فالكّل بسببكم، لأنّكم تناهضون اليهود. فمنذ اللّحظة التي كان فيها للربّ مخطّط لنقل اليهود إلي أرضهم، فإن رجاءكم الوحيد في القبول بالسّيادة اليهودية، منتظرين بأيّ شكل كيف سيبارككم الربّ أنتم والعالم أجمع عبر اليهود.

لقد استطاعت الصّهيونية المسيحيّة والمنظّمات الإنجيلية المساندة لإسرائيل منذ 1976 خلق لوبي سياسي داخل الحزب الجمهوري، كان ذلك عبر مؤسّسات مؤثّرة مثل: National Christian Leadership Conference for Israel ، الذي تأسس سنة 1967، و السّفـــارة المسيحية العالميـــــة بالقـدس التي تأسّست ســـنـــة 1980، و Christian Zionist Congre و Voices United for Israel ، اللّذين تأسّسا سنة 1996. أنشطة تلك التجمّعات المكثّفة، تفسّر جليا لماذا اعتبر الرّئيس بوش الابن في نيسان (ابريل) 2002 شارون رجل سلام، وكيف اعتبر، في شهر تشرين الاول (اكتوبر) من نفس السّنة، جيرّي فالوال النبي محمد إرهابيا و رجل حرب و عنيفا، ولماذا تمت مماثلة الحرب ضدّ العراق، سنة 2003، بحرب صليبية بأسلوب حديث.

السّياسة الأمريكية المتصلّبة تجاه عديد المسائل العالمية، تجد تعليلاتها وتفسيراتها في ثنايا الخطاب الدّيني المتشدّد المتحكّم بالنسيج الاجتماعي، والمؤثر في القرار السّياسي الفوقي. لذلك يبقي شعار المسيح هو الحلّ Jesus is the answer ، بين التيارات الدينية المتشدّدة، مرشّحا لمزيد التطوّر والضغط، ومدّ صقور السياسة بما يحتاجونه من هواجس تجاه الآخر، في ظلّ الخيارات الحالية التي تسير أمريكا تجاه الشّعوب.

ہ أستاذ من تونس بجامعة لاسابيينسا برومامعلومات عن الكتاب:In God We TrustEvangelici e fondamentalisti cristiani negli Stati UnitiSebastien Fath LINDAU, Torino (Italia), 2005 270p7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية