جرت في الأسبوع الأخير تطورات مهمة جدا على صعيد التسويات النقدية باليوان الصيني، منها بدء تشغيل مركز المقاصة التابع لمؤسسة أمريكان إكسبريس في الصين، وصعود سوق السندات الصينية إلى المركز الثاني عالميا بعد الولايات المتحدة لأول مرة في التاريخ، ودعوة الصين منذ أيام إلى استخدام اليوان كعملة لتسوية المدفوعات بين دول رابطة آسيان، واستمرار استقرار العملة الصينية عند مستوى مرتفع.
وقد حقق اليوان مكاسب كبيرة مقابل الدولار في النصف الأول من العام الحالي بنسبة تبلغ 3.96 في المئة، مدفوعا بعوامل الأمان المالي، وارتفاع العائد، واستقرار القيمة في الأسواق، إضافة إلى التأثير الإيجابي لنجاح الصين في مكافحة فيروس كورونا، وعودة النمو بمعدلات قريبة من تلك التي كانت قبل كورونا.
هذا الارتفاع في سعر اليوان لا يمثل تطورا سارا للحكومة الصينية الحريصة على التحكم في قيمته عند مستوى يعزز التنافسية السعرية للصادرات. لكن الصين تدرك أن ارتفاع اليوان لا مفر منه، بسبب قوة النمو في العرض والطلب داخليا وخارجيا. وقد ساعدت الحرب التجارية الأمريكية على تعزيز قوة اليوان مقابل الدولار؛ ففي عام 2019 ارتفع بنسبة 1.23 في المئة ، بعد زيادة بنسبة 5.72 في المئة عام 2018 وهو عام بداية الحرب التجارية.
وتثبت متابعة أسعار اليوان خلال العقود الثلاثة الأخيرة أن العملة الصينية ارتفعت بين عامي 1994 حتى الآن بنسبة 16 في المئة تقريبا، وذلك على الرغم من ربط اليوان بالدولار لمدة عقد من الزمان، ثم بنظام (التعويم المدار) خلال العقدين الأخيرين. عوامل الارتفاع في قيمة اليوان، واستقراره، وقوة الإقتصاد العيني وراءه، تعزز اختياره كعملة ملاذ آمن للمستثمرين، ومن شأن ذلك أن يقود إلى زيادة الإستثمارات باليوان على مستوى العالم، بما في ذلك الاستثمار في أدوات التمويل العام والخاص.
قفزة للسندات الصينية
سجل الشهر الحالي اب/أغسطس صعود سوق السندات الصينية إلى المركز الثاني عالميا، بعد الولايات المتحدة لأول مرة في التاريخ، وهو ما يتوافق مع الحجم الاقتصادي للصين. وبلغت قيمة الإصدارات الكلية للسندات الصينية ما يعادل15.3 تريليون دولار أو 108 تريليون يوان. لكن قيمة حيازة الأجانب من السندات الصينية تكشف عن خلل جوهري في هيكل الملكية، يعكس ضعف ثقة المستثمرين الأجانب. ويستحوذ الأجانب على نسبة تبلغ 9 في المئة فقط من إصدارات السندات الحكومية وما يقرب من 2.5 في المئة من كل السندات حسب أرقام البنك المركزي الصيني.
ولمواجهة الانخفاض في حيازة الأجانب، تلجأ الشركات الصينية إلى إصدار سندات مقومة بالدولار في الخارج، وقد بلغت قيمة هذه الإصدارات خلال شهري حزيران/يونيو وتموز/يوليو الماضيين حوالي 46 مليار دولار طرحتها 84 شركة صينية، تتصدرها المؤسسات المالية بقيمة 14.3 مليار دولار بزيادة سنوية نسبتها 25 في المئة، تليها الشركات الصناعية التي ارتفعت قيمة إصداراتها الجديدة بنسبة 30 في المئة حسب إحصاءات اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح.
ويعود جانب كبير من عدم الثقة في أسواق المال الصينية، وانخفاض نسبة حيازة الأجانب لأدوات التمويل المحلية إلى عدم شفافية السياسة النقدية، وعدم قابلية اليوان للتحويل الحر، والقيود على تحويلات رؤوس الأموال، والقلق من تأثير الحرب التجارية، والمواجهة المحتملة بين الولايات المتحدة والصين.
ولغرض تحسين ثقة المستثمرين الأجانب والشركاء التجاريين، بدأ بنك الشعب الصيني “البنك المركزي” منذ أوائل الشهر الحالي تطبيق إجراءات لتيسير استخدام اليوان في تسوية المدفوعات الدولية، خصوصا مع الشركاء التجاريين في منطقة جنوب شرق آسيا “رابطة آسيان” ودول مجموعة بريكس (البرازيل وروسيا والهند وجنوب أفريقيا) والدول التي تربطها بها علاقات قوية ضمن مبادرة الحزام والطريق مثل نيوزيلندا وباكستان.
كذلك تضمنت إجراءات البنك المركزي الصيني منح تراخيص لمؤسسات مالية عالمية لإنشاء مراكز لتسوية المدفوعات باليوان داخل الصين. وقد بدأت مؤسسة أمريكان إكسبريس في تشغيل مركز للمقاصة بين العملات يوم الجمعة الماضي (28 اب/أغسطس) الأمر الذي يسمح بتسوية مدفوعات السائحين الصينيين حول العالم بعملة بلادهم، بدون الحاجة إلى شراء نقد أجنبي. ومن المقرر أن تخطو مؤسسة “ماستر كارد” الخطوة نفسها قريبا، في حين أن مؤسسة “فيزا” ما تزال تنتظر الحصول على موافقة البنك المركزي الصيني، منذ أن تقدمت بطلب لفتح مركز لتسوية المدفوعات باليوان في داخل الصين عام 2018.
تمويل بالعملات المحلية
وتضمنت الإجراءات التي بدأ تطبيقها ضمن برنامج (عالمية اليوان) إلغاء عمولات التحويل مع سلة من عملات الشركاء الإقليميين لمدة 3 سنوات، وتيسير الإجراءات الإدارية لتحويلات رأس المال، وتشجيع إصدار سندات مقومة باليوان في أسواق المال العالمية، وعقد صفقات مبادلة عملات بين الصين وشركائها التجاريين، من أجل تسوية مدفوعات التجارة بالعملات المحلية.
وتبلغ قيمة صفقات مبادلة العملات التي عقدها البنك المركزي الصيني مع البنوك المركزية في 39 دولة حول العالم منها مصر وروسيا وإيران والهند والارجنتين ما يعادل حوالي 491 مليار دولار، يتم تسويتها باليوان والعملات المحلية للدول الأخرى. وتوفر اتفاقيات مبادلة العملات ظروفا إيجابية لخلق مناطق تجارية/نقدية بعيدا عن هيمنة الدولار، وهو ما يسهم في أضعاف قوة العملة الأمريكية وتعزيز قوة اليوان. ففي حال الأرجنتين، على سبيل المثال، وصلت قيمة اتفاق مبادلة العملات المحلية الأخير إلى ما يعادل 18.2 مليار دولار وهو ما يزيد عن 40 في المئة من كل احتياطي الأرجنتين من النقد الأجنبي، بما يجعل اليوان عملة الاحتياطي النقدي الأجنبي الأولى لديها.
ودعت الصين في الاجتماع الأخير لوزراء الاقتصاد في دول آسيان إلى التوسع في استخدام نظام المبادلة النقدية لتسوية المدفوعات المتعددة الأطراف، وعدم الاقتصار على المدفوعات الثنائية فقط. وإذا نجحت الصين في ذلك، فإنها تدق مسمارا أخيرا في نعش الدولار كعملة مهيمنة على المستوى العالمي.
ونظرا للطلب الكبير على اليوان لتسوية مدفوعات التجارة، فإن البنك المركزي الصيني يدير سياسة نقدية حذرة، تسعى لتوفير أكبر قدر ممكن من الاستقرار النقدي، والحد من احتمالات التغيرات الحادة في الأسعار. ولذلك فإن البنك يتدخل في سوق النقد الأجنبي بائعا ومشتريا لكل من اليوان والدولار، بما يضمن ألا تتجاوز التغيرات اليومية لسعر اليوان، في الوقت الحاضر، نسبة واحد في المئة صعودا أو هبوطا. ولذلك فإن أسعار اليوان لم تهتز بشدة بسبب الحرب التجارية التي تشنها الولايات المتحدة على الصين منذ عامين. ومع أن الصين كانت تميل إلى الاحتفاظ بمعدل 7 يوان إلى الدولار فإن تراجع الدولار عالميا أدى إلى ارتفاع اليوان في أسواق المعاملات الخارجية في النصف الأول من العام الحالي.
وتخشى السلطات النقدية الصينية من أن يتحول صعود اليوان إلى تيار يخرج عن نطاق السيطرة، نظرا لأن الارتفاع السريع يمكن أن تنتج عنه موجة انكماشية كما حدث لليابان بين عامي 1985- 1995 بسبب اتفاق بلازا بين الدول الصناعية السبع الكبرى، الذي ألزم السلطات النقدية في طوكيو بالسماح للين بالارتفاع، فزاد بنسبة 200 في المئة خلال عشر سنوات مما أدى إلى ركود اقتصادي ما تزال اليابان تعاني من آثاره حتى الآن.
لكن الصين لا تستطيع تجنب حقيقة أن زيادة الطلب على اليوان تقود حتما إلى ارتفاع أسعاره عالميا. وبعد أن كان اليوان مربوطا بسعر محدد مقابل الدولار يبلغ 8.28 منذ عام 1994، اضطرت إلى رفع السعر بنسبة 2.1 في المئة عام 2005 ثم زاد بنسبة 21 في المئة خلال السنوات الثلاث التالية مع ربطه بسلة عملات تضم عملات رئيسية أخرى بجانب الدولار، مثل الين والإسترليني والدولار الأسترالي. وبسبب الأزمة المالية العالمية عام 2008 تدخلت الصين لوقف ارتفاع اليوان. وبعد ذلك أدت سياسة (التعويم المدار) منذ عام 2010 إلى ارتفاع اليوان من جديد في السنوات الثلاث التالية، حتى كانون الأول/ديسمبر 2013 بنسبة 12 في المئة ليبلغ 6.11 مقابل الدولار في نهاية ذلك العام. لكن البنك المركزي الصيني استطاع أن يحافظ على معدل 7 يوان للدولار حتى نهاية العام الماضي، بفضل التدخل النشط بشراء الدولار وبيع اليوان، وهو الأمر الذي أدى إلى ارتفاع متواصل في حيازة الصين للدولار الأمريكي.
رحلة اليوان للعالمية
بدأت رحلة اليوان إلى العالمية في العام 2009 بإنشاء آلية شنغهاي للمقاصة بين العملات الأجنبية، بما يسمح بتسوية مدفوعات التجارة والإستثمار بسهولة ويسر. لكن خطوة كبرى تحققت في نهاية العام 2015 عندما قرر صندوق النقد الدولي اعتبار اليوان واحدا من عملات الاحتياطي الدولي للنقد الأجنبي، وإضافته رسميا إلى سلة عملات وحدة حقوق السحب الخاصة “إس دي آر” وهي العملة الحسابية للصندوق، اعتبارا من تشرين الأول/أكتوبر 2016. وكان هذا القرار يعني زيادة طلب البنوك المركزية على اليوان بنحو 700 مليار دولار. ورغم ذلك فما يزال اليوان حتى الآن يستحوذ على نسبة تقل عن 2 في المئة من الاحتياطي النقدي العالمي مقابل أكثر من 40 في المئة للدولار الأمريكي.
صعود اليوان إلى رأس طريق الألف ميل لا يتحقق بين يوم وليلة. ويتوقع مارك كارني المحافظ السابق لبنك انكلترا أن تتغير التركيبة الحالية لسلة عملات الاحتياطي النقدي العالمي، ولا يستبعد صعود اليوان ليصبح إحدى العملات القائدة عالميا، كما يتوقع أيضا أن تصبح عملة أخرى غير الدولار هي العملة الرئيسية في العالم. وأشار كارني إلى أن الدولار لم يصبح عملة عالمية رئيسية إلا في عشرينيات القرن الماضي، في حين كان الاقتصاد الأمريكي قد تغلب على البريطاني وأصبح أكبر اقتصاد في العالم منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ومع ذلك ظل الإسترليني عملة مهيمنة حتى اكتسب الدولار الثقة الكافية.
وليس من المتوقع أن تقوم الصين بتحرير اليوان وأسواق المال بالكامل خلال السنوات القليلة المقبلة، لكنها في الوقت نفسه تواصل العمل على تدويل عملتها التي تحتل الآن المركز الخامس بين العملات الدولية المستخدمة في تسوية مدفوعات التجارة والإستثمار. وبما أن تحرير اليوان والأسواق المالية سيستغرق وقتا طويلا، فإن بنك الصين المركزي يعتمد في ترويج اليوان على عناصر اقتصادية ونقدية، من شأنها زيادة الثقة فيه وتوسيع نطاق تداوله. وفي هذا السياق يقوم البنك بزيادة كل من الاحتياطي النقدي الأجنبي ومخزون الذهب في حوزة البنك. وتحتل الصين الآن المركز الأول عالميا من حيث قيمة احتياطي النقد الأجنبي، بقيمة بلغت 3.145 تريليون دولار في نهاية تموز/يوليو الماضي، وهو ما يزيد عن ضعف احتياطي اليابان التي تأتي في المركز الثاني بقيمة 1.4 تريليون دولار فقط. كذلك فإن بنك الصين المركزي زاد الاحتياطي من الذهب منذ بداية الحرب التجارية الأمريكية بأكثر من 100 طن عن المستوى الذي كان عليه قبلها. وتبلغ كمية احتياطي الذهب في أغسطس الحالي حوالي 1948.3 طن بما يعادل 3 في المئة فقط من الاحتياطي النقدي مقابل 77 في المئة للولايات المتحدة، وذلك على الرغم من أن الصين هي أكبر منتج للذهب الخام في العالم.
هذه العوامل الاقتصادية من شأنها أن تزيد من جاذبية اليوان، وأن تعطل تأثير الحرب التجارية والتكنولوجية من الناحية المالية. وفي هذا السياق يمكن القول إن دور اليوان في النظام النقدي الدولي سيزيد بقوة خلال العقدين المقبلين، وإن ذلك سيتحقق على حساب الدولار بالأساس، وأن زيادة دور اليوان من المرجح أن يترافق مع ارتفاع قيمتة، لكن بمعدلات محدودة وتدريجية.