الهدف الحقيقي من الجولة هو ايصال ترامب لولاية ثانية
جاء مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي إلى منطقة الشرق الأوسط في أعقاب الإعلان عن الاتفاق الإسرائيلي- الإماراتي قبل اسبوعين. وكان يأمل بدفع قطارالتطبيع أكثر ويقنع دولا أخرى بالمنطقة لفتح علاقاتها مع إسرائيل. وكانت الدول المرشحة وبقوة هي السودان والبحرين وعمان وبدرجة أقل السعودية. لكن بومبيو الذي ترافقت جولته التي استغرقت خمسة أيام وجد نفسه غائصا في رمال السياسة العربية وعاد من رحلته خاوي الوفاض ولم يستطع الحصول على وعد من الدول المرشحة بأنها ستكون التالية في عملية التطبيع.
ففي السودان الذي يدعو الولايات المتحدة لرفعه عن قائمة الدول الراعية للإرهاب حتى يكون قادرا على مواجهة المتطلبات الإقتصادية فيما بعد الثورة، أخبره رئيس الوزراء عبد الله حمدوك أن حكومته الانتقالية لا تملك الصلاحية لكي تبدأ عملية تطبيع ويجب الإنتظار لحين إجراء انتخابات وبعدها تقرر الحكومة المنتخبة المضي في الموضوع أم لا. ودعا بومبيو السودان لدفع تعويضات لضحايا تفجيري سفارتي أمريكا في شرق أفريقيا. وتريد الخرطوم ضمانات من عدم ملاحقة الكونغرس لها في قضايا إرهاب سابقة.
وفي البحرين التي أظهرت إشارات عن رغبة بالتقارب مع إسرائيل استمع بومبيو إلى ولي العهد سلمان بن حمد الخليفة وهو يقول إن هناك حاجة لمضاعفة الجهود والتوصل لحل عادل وتسوية للنزاع الإسرائيلي- الفلسطيني. ونقل عن مسؤول أمريكي رافق بومبيو إلى البحرين، قوله “لو طلب منا المساعدة في تسهيل التطبيع بين البحرين وإسرائيل فنحن مستعدون”. وانسجم الموقف البحريني مع الموقف السعودي الملتزم بالمبادرة العربية 2002 الداعية لحل شامل بما يحمله من دولة فلسطينية على حدود 1967 بعاصمة لها في القدس الشرقية.
مواصلة الزخم
ووجد بومبيو نفس المزاج في عمان حيث تم التأكيد على الوحدة الخليجية والموضوع الإيراني. ولا تعني عودة بومبيو إلى أمريكا بدون إنجاز توقف العلاقات السرية بين دول عربية وإسرائيل ولكن الأمر مرتبط بحسابات كل دولة، خاصة أن الاتفاق الإماراتي فهم من خلال حاجة أبو ظبي لتعزيز علاقتها العلنية وخارج المبادرة العربية كوسيلة للحصول على الأسلحة المتقدمة خاصة أف-35 وظهر التوتر بين البلدين بعدما أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معارضته بيع الولايات المتحدة أسلحة متقدمة للإمارات مما دعاها لإلغاء اجتماع ثلاثي. وجاءت زيارة بومبيو سابقة لوفد إسرائيلي سيزور الإمارات في يوم الإثنين لمواصلة البحث في جهود التطبيع. ولأن السياسة الخارجية أصبحت أداة في السياسة الداخلية وحملة الانتخابات الأمريكية في شهر تشرين الثاني/نوفمبر فواشنطن عازمة على مواصلة الزخم، وسيصل وفد أمريكي برئاسة مستشار وصهر الرئيس دونالد ترامب، جارد كوشنر ليرافق الوفد الإسرائيلي من تل أبيب إلى أبو ظبي على متن طائرة للعال، وتحلق فوق السعودية أوالعراق حسبما تكهنت صحيفة “نيويورك تايمز” (25/8/2020). وقالت إن مستشار الأمن القومي روبرت أو أوبراين وأفي بيركوفيتش، المبعوث الخاص لترامب إلى الشرق الأوسط وبريان هوك، المبعوث الخاص إلى إيران. ولم يشر المسؤولون إلى خط الرحلة الذي ستتخذه إلى الإمارات، فطائرة العال تطير بشكل منتظم إلى الأردن لكنها بحاجة للطيران إلى أبو ظبي عبر أجواء لا يسمح لها بدخولها وهي العراق أو السعودية. وكان رئيس الوزراء العراقي في زيارة لواشنطن في الأسبوع الماضي. ونفت شركة العال أي خطط لها للتحليق عبر الأجواء السعودية إلى الإمارات حسب صحيفة “جيروزاليم بوست” (27/8/2020).
رسالة من القدس
وبعيدا عن تغريدات بومبيو المتكررة والرمزية التي حاول إضفاءها على نشاطه ومحاولته لعب دور “الخاطبة” إلا أن الهدف الحقيقي من الجولة هو دعم ترامب في محاولات إعادة انتخابه لولاية ثانية. وترافقت رحلته مع بدء أعمال المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري الذي أعاد ترشيح مايك بنس لمنصب نائب الرئيس وترامب للرئيس وقبل الإثنان الترشيح. وكان لافتا تحويل ترامب البيت الأبيض لمركز دعاية انتخابية، بشكل أثار دهشة الأمريكيين لأن البيت الأبيض فوق الخلافات الحزبية. وكان خطابه صاخبا ليلة الخميس واحتوى على جملة من الأكاذيب والترهيب من منافسه جوزيف بايدن، الذي صور بحصان طروادة للإشتراكيين. وقبل ترامب اتهم بومبيو بالخروج عن الأعراف باعتباره أكبر دبلوماسي في البلاد مهمته الدفاع عن أمريكا في الخارج وليس عن الحزب الجمهوري. ففي أثناء زيارته لإسرائيل سجل فيديو من القدس خاطب فيه الحزب وعدد فيه إنجازات ترامب في السياسة الخارجية من إيران إلى الصين والقدس التي نقل إليها السفارة الأمريكية عام 2017. وجرى اتهام بومبيو بأنه ينتهك القوانين التي يفرضها على الموظفين ووقعها بنفسه كما ورد في تقرير لمجلة “بوليتكو” (24/8/2020).
سياسة خارجية فاشلة
وكان لافتا غياب إنجازات السياسة الخارجية عن مؤتمر الجمهوريين، خاصة أن ترامب لم ينجح خلال السنوات الأربع الماضية في كل الملفات التي قال إنه سيحلها من وقف البرنامج النووي الكوري الشمالي، اتفاقية تجارة مع الصين، دفع إيران للموافقة على معاهدة جديدة غير التي مزقها عام 2018 و”صفقة القرن” التي ماتت عند الوصول واستبدلها بصفقة الإمارات التي قال محللون إنها ليست معاهدة سلام لأن البلدين لم يكونا في حالة حرب. ومن هنا تأتي رمزية خطاب بومبيو من القدس لكي يذكر الناخب الأمريكي المستهدف من الجمهوريين، أي المسيحيين الإنجيليين بأن ترامب حقق لهم ما طلبوا. وعلى العموم حاول بومبيو الذي كسر الأعراف الدفاع عن “المبادرات الجريئة” لترامب “في كل زاوية من العالم” ولكنه، وهو المعروف بطموحاته البروتستانتية بواشنطن كان يموضع نفسه كمرشح مقبل للرئاسة كما ورد في تقرير بمجلة “فورين بوليسي”(26/8/2020) حيث وصف المقال بومبيو وسفيرة واشنطن السابقة في الامم المتحدة نيكي هيلي أنهما أصبحا الحاملين لإرث ترامب “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”، والحال فكلاهما يصوب عينيه على انتخابات 2024. فقد قال بومبيو “لقد قام الرئيس أيضا بنقل السفارة الأمريكية لمدينة الله، القدس، العاصمة الحقيقية لوطن اليهود. وقبل أسبوعين، توسط الرئيس باتفاقية سلام تاريخية بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة. وسيقرأ أحفادنا عن هذه الصفقة في كتب التاريخ”. مع أن الصفقة التي يتحدث عنها بومبيو ليست عظيمة وجاءت كانتصار بديل عن خطة سلامه الفاشلة التي رفضها الفلسطينيون. وتقول روبن رايت في “نيويوركر” (26/8/202) إن ما لم يقله بومبيو عن ترامب هو أنه دمر سمعة أمريكا في العالم ولم يفعل شيئا لمواجهة الديكتاتوريين والقوى المنافسة وأصبحت أمريكا عام 2020 ظلا لما كانت عليه. وقالت إن نقاد ترامب في مجال السياسة الخارجية جاءوا من داخل الحزب الجمهوري بما في ذلك رسالة مشتركة وقعها 75 مسؤولا من الحزب الجمهوري في الأسبوع الماضي وتضمنت شجبا حادا للرئيس. وقال ريتشارد أرميتاج، أحد الموقعين ونائب وزير الخارجية في إدارة جورج دبليو بوش “بدون شك، حط ترامب من موقفنا مع الأصدقاء والأعداء وكلهم لا ينظرون إلينا نظرة احترام”. وأضاف “موقفنا العالمي لم يكن متدن بهذه الطريقة منذ نهاية الحرب الباردة وربما منذ الحرب العالمية الثانية. والناس لا يهتمون بنا، وهم يزدحمون ضدنا بسبب هذا الرجل”. فالسياسة الخارجية الأمريكية التي اشترك بها الحزبان والقائمة على نشر الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان واحتواء العدوان والتصدي للتغيرات المناخية ومعالجة الهجرة والصحة العامة. وبقي ترامب صامتا على ما قاله الأطباء الألمان من أن المعارض الروسي الذي يرقد في غيبوبة الكسي نافالني. وتجنب الأسئلة عن التظاهرات في روسيا البيضاء (بيلاروسيا) ضد الكسندر لوكاشينكو. ولم يفعل ترامب شيئا لمواجهة فلاديمير بوتين، على أمل تصحيح العلاقة مع روسيا. وترك بوتين يخترق مناطق النفوذ الأمريكية في اوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا. ولم يفعل جيدا مع الصين، فمحاولاته لموازنة العلاقة مع هذا البلد انهارت منذ توقيع المرحلة الأولى من اتفاقية التجارة. فمن التصريحات المادحة للرئيس الصيني شي جينبنغ إلى الشجب والهجوم بعد انتشار فيروس كورونا الذي بدأ من الصين. وتحولت علاقة الحب المتبادلة بينه والرئيس الكوري الشمالية كيم جونغ-أون التي بدأت بلقاء سنغافورة عام 2018 وبعده لقاء فيتنام لا تزال كوريا الشمالية تصنع المواد النووية، رغم مخاولة بومبيو الحديث عن توقف الكوريين عن اختبار الصواريخ طويلة المدى. واستمر ترامب في التقارب من الديكتاتوريين في مصر والفلبين ودافع عن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي ربط بجريمة قتل الصحافي جمال خاشقجي. وفي الوقت نفسه هاجم حلفاء أمريكا ووصف رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو بالضعيف وغير الصادق وتعامل بسادية مع المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل كما كشفت التسريبات التي حصلت عليها شبكة “سي أن أن” ووصفها بالمرأة الحمقى واقترح أنها في جيب الروس. وحتى في الموضوع الإيراني لم يحقق شيئا، فعندما كان بومبيو يحاول تحشيد دول الخليج للتعاون مع إسرائيل ضد إيران، تلقت دبلوماسيته ضربة في الأمم المتحدة عندما رفض مجلس الأمن تمديد حظر السلاح على إيران. وقال دبلوماسي أوروبي إن خطوة واشنطن “لم تحقق شيئا من ناحية التعامل مع المشكلة”. ومن هنا فلم يكن احتفاء بومبيو في سياسة ترامب الخارجية مناسبا خاصة لمن راقبوا ترامب خلال السنوات الأربع الماضية وهو يخرج أمريكا من التحالفات والمنظمات الدولية، بدء من اليونسكو لأنها معادية لإسرائيل وانتهاء بمنظمة الصحة العالمية لأنها دمية في يد الصين.
الطريق طويل
وحتى اتفاق إبراهيم الذي اعتبره إنجازا، فهو واحد من الإنجازات الملموسة والقليلة لترامب وأمام الإدارة 19 دولة عربية لإقناعها، فهناك ثلاث دولة وافقت على التطبيع وهي الأردن ومصر والآن الإمارات. لكل هذا لم ينجح ترامب بجر دول أخرى للفلك الأمريكي- الإسرائيلي، فالمغرب الذي وضعه الأمريكيون على قائمة الدول المرشحة، سارع لإصدار بيان نفت فيه أي خطط للتطبيع قبل حل عادل للقضية الفلسطينية. وبالمحصلة فالدول العربية، تفضل الزواج العرفي على الزواج الشرعي مع إسرائيل. فقد كان محمد بن سلمان مستعدا للسفر سرا إلى واشنطن ومقابلة نتنياهو، ومصافحته، لكي يقدم انتصارا جديد لترامب قبل الانتخابات. لكن الأمير الذي زاد أعداؤه في واشنطن قرر إلغاء الرحلة بعد الكشف عن تفاصيلها، حسبما قال ديفيد هيرست في “ميدل إيست آي” (25/8/2020) ولم يكن الغرض من اللقاء الذي تم تحديده بـ 31 آب/أغسطس إعلان التطبيع الكامل ولكن تقديم إشارات عن مضي السعودية في طريق الإمارات، مما كان سيترك أثرا على علاقات المنطقة مع الدولة العبرية. لكل هذا فرحلة بومبيو للمنطقة حالة فهمها في السياق تكشف عن تداخل السياسات والسياسة الخارجية والدين، فومبيو هو أكثر وزير خارجية أمريكي متدين في الوقت الحديث كما علق ديفيد إغناطيوس في “واشنطن بوست” (26/8/2020) وأشار لما قالته زوجته سوزان إن حياته “شكلتها يد الرب”. وتساءل إغناطيوس عن فشل بومبيو في تقديم مصافحة إسرائيلية – عربية جديدة لترامب وما هو مستقبله في الإدارة المقبلة، حالة أعيد انتخاب ترامب. والتناقض الظاهري في بومبيو انه موهوب وطموح ويعرف ما هو الصواب ولكنه يفعل العكس. وكما أشار مستشار الأمن القومي السابق، جون بولتون في مذكراته “الغرفة التي حدث فيه الأمر” فعادة ما يعبر بومبيو في أحاديثه الخاصة عن تذمره من أفكار الرئيس غير الصائبة، ولكن يعمل في النهاية ما يطلب منه خشية التصادم مع سيده ويرد “حاضر سيدي، اعتبره وصل”.
وفي ضوء محدودية ما يمكن عمله في توسيع دائرة السلام بين إسرائيل وجيرانها العرب وما يمكن أن يفعله ليؤثر على ترامب، يظل السؤال مفتوحا عن بقاء بومبيو في الإدارة المقبلة وإن كان يتخيل نفسه مرشحا للرئاسة المقبلة. ما هو واضح أن محاولة حشد الولايات المتحدة من خلال أكبر دبلوماسي لها للاتفاق الإماراتي بين الدول العربية التي لا تزال “تتعزز” رغبة ورهبة، لم تنتج ثمارا، وملف التطبيع في هذه الحالة يظل مثل مبادرات ترامب الخارجية عملا غير منجز وما نسمعه مجرد تصريحات من ترامب وصهره ووزير خارجيته.