نيويورك تايمز: في شرق المتوسط الحرب ليست في مصلحة أحد ويجب الاستماع لألمانيا

إبراهيم درويش
حجم الخط
1

لندن – “القدس العربي”: حذرت صحيفة “نيويورك تايمز” من النزاع المتزايد على شرق المتوسط قائلة إن الحرب ليست في مصلحة أحد وإن النزاع بين عضوين في حلف الناتو أمر لا يمكن تصوره. وصورت الحرب على الطاقة الأحفورية بأنها لا تحمل معنى، وأن انخراط دول أوروبية فيها تجاهل للأولويات العليا، ففي لعبة العروش على البحر المتوسط تغيب أمريكا وتحضر ألمانيا الواجب الاستماع إليها.

في لعبة العروش هذه هناك ألمانيا التي تستطيع على ما يبدو التفاوض من أجل تحكيم العقل.

وقالت: “كأنه لا يوجد ما يكفي من المشاكل حول العالم، ولهذا قامت اليونان وتركيا البلدين العضوين في حلف الناتو بإشعال أزمة جديدة خطيرة وجرتا معهما بلدان بعيدة وقريبة. وفي لعبة العروش هذه هناك ألمانيا التي تستطيع على ما يبدو التفاوض من أجل تحكيم العقل”.
وفي جوهر المشكلة، كما في الخلافات الخطيرة الأخرى حول العالم، الطاقة، خاصة المخزون الهائل من الغاز الطبيعي الذي اكتشف خلال العقد الماضي في شرق المتوسط. وتزعم اليونان أن الجزر في المنطقة تعطيها الحق بالتنقيب في المياه المحيطة بها، وهو موقف يدعمه القانون الدولي. لكن تركيا التي تشعر بالضيق تقول العكس ولهذا أرسلت السفن المرفقة بالفرقاطات لكي تنقب عن الغاز قرب المياه في قبرص.
والنزاع بين تركيا واليونان ليس جديدا، لكن ما يعقد هذا الخلاف هو أن دولا أخرى تركز عينها على احتياط الغاز. ومن الناحية المبدئية يجب أن تكون الطاقة هذه محلا لجلب دول المنطقة معا وهو ما فعلته الدول الأخرى مثل الأردن وإسرائيل وفلسطين واليونان ومصر وقبرص. ووجدت تركيا نفسها مستبعدة نظرا للمزاعم اليونانية في المياه الإقليمية ولأن تركيا في عهد رجب طيب أردوغان أغضبت بسلوكها القوي في سوريا وليبيا الحلفاء والأعداء. ومما يعقد الأمور أن تركيا هي عضو في حلف الناتو وليس في الاتحاد الأوروبي، وبالعكس فقبرص عضو في الاتحاد الأوروبي وليس الناتو، أما اليونان فهي عضو في الاثنين. وهناك مشكلة وهي أن قبرص مقسمة بين الشمال التركي والجنوب اليوناني، مع أنه باستثناء تركيا لا أحد يعترف بالدولة المنفصلة في شمال الجزيرة. وفشلت المحاولة التي قامت بها ألمانيا عندما أعلنت اليونان عن اتفاق طاقة مع مصر بحيث أعطت نفسها الحق في مناطق واسعة في البحر. وكان هذا ردا على اتفاق عقدته تركيا مع ليبيا. وبدأت تركيا عملية التنقيب التي راقبتها البحرية اليونانية. وفي 12 آب/أغسطس تصادمت بارجة حربية يونانية مع بارجة حربية تركية واشتعلت الأمور. وقامت فرنسا الغاضبة على تركيا لدعمها طرفا في الحرب الأهلية الليبية لا تدعمه فرنسا، بتحريك مقاتلات وبوارج حربية لتقوم بمناورة عسكرية مشتركة مع اليونان وقبرص وإيطاليا لمنع تركيا القيام بعمليات تنقيب جديدة. وأعلنت اليونان عن توسيع مياهها الإقليمية إلى 12 ميلا على الشاطئ الغربي وهددت بعمل الأمر نفسه في بحر إيجة وهو ما لن تتسامح معه تركيا. وما يثير في الأزمة أن التنافس على الطاقة الأحفورية كان يجب التخلي عنه في ظل التنافس على استبداله، خاصة بين الدول التي وقعت على اتفاقية باريس للمناخ. كما أن التراجع على الطلب للطاقة بسبب فيروس كورونا يعني أن أوروبا لديها غاز كثير. ومن الغرابة بمكان أن تغرق دول البحر المتوسط وأوروبا في توترات داخلية في الوقت الذي توجد فيه نزاعات أخرى وكثيرة كافية لأن تتركها مشغولة طوال الوقت، بما في ذلك الاقتصاد والوباء وحالة الانتظار السياسي في الولايات المتحدة واشتباكات الشوارع في بيلاروسيا وتهديد روسيا بالتدخل فيها. وفي زمن سابق كانت الولايات المتحدة تتقدم وتحل المشاكل بين أعضاء الناتو المتنازعين، كما فعلت عام 1996 عندما تدخلت لمنع نزاع بين اليونان وتركيا. مع أن الرئيس دونالد ترامب اتصل بالرئيس أردوغان وحثه على التفاوض. ولم ينجح هذا لأن أمريكا لم تعد وسيطا يؤتمن ولأن ترامب في مزاج الحملة الانتخابية. وتراجعت بريطانيا من شؤون أوروبا وخرجت من الاتحاد الأوروبي. ولم يعد لها أي نفوذ على تركيا خاصة بعدما تبين لها أنها فقدت الفرصة على الانضمام إليه. ولهذا السبب وقع الأمر على عاتق ألمانيا التي تترأس حاليا المجلس الأوروبي. وقام وزير خارجيتها هايكو ماس بجولات مكوكية بين أنقرة وأثينا. ومحاولات ألمانيا ليست خيرية بالمطلق، ففي حالة حشرت تركيا بالزاوية فستفتح الباب أمام اللاجئين السوريين الراغب معظمهم في الهجرة إلى ألمانيا. وبـ3 ملايين تركي يعيشون في ألمانيا فقد تلقى أردوغان تأكيدا أن هناك من يستمع لوجهة نظره. وهذا مهم، ورغم أن القانون البحري الدولي مع اليونان لكن هناك مساحة للتفاوض كما أن عمليات التنقيب التركية لم تتجاوز الخط الأحمر. وفي يوم الجمعة التقى وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي في برلين وكلفوا ألمانيا بالملف وأجلوا الحديث عن عقوبات اقتصادية لحين لقاء قادة الاتحاد نهاية أيلول/سبتمبر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية