إن سفر الوفد الإسرائيلي الرسمي اليوم إلى أبو ظبي، الذي يتم في أعقاب مرسوم إلغاء المقاطعة الاقتصادية على إسرائيل بأمر من رئيس الإمارات خليفة بن زايد آل نهيان، لا يقل عن انفجار سياسي واستراتيجي واقتصادي دراماتيكي في المجال الإسرائيلي – العربي، ونقطة فصل جديد في علاقات تل أبيب مع المنطقة.
بعد نحو عقدين من وضع رئيس وزراء إسرائيل الأول دافيد بن غوريون سياستها الخارجية وفق مبدأ “انقر كل باب” ولكنه لم ينجح في تحرير أمته من دائرة العزلة والاغتراب والعداء من كل صوب، فتحت اليوم بوابة كبرى على مصراعيها أمام الدبلوماسية والاقتصاد والأمن القومي الإسرائيلي. ويفترض بهذه البوابة أن تكون المحفز والرافعة لفتح بوابات أخرى كثيرة، وقريباً جداً.
وبالفعل، ثمة فرق جوهري بين المنظومة المتفرعة التي أقامتها إسرائيل على مدى سنين وعقود، في قنوات سرية وغير رسمية، مع زعماء ومع مسؤولين في أرجاء الساحة، وبين الخروج من الخزانة والصعود إلى طريق التطبيع المعلن والشامل.
وثمة فرق جذري أيضاً بين اتفاق السلام التاريخي الذي وقع بين إسرائيل ومصر في 1979، وجرّ في أعقابه أبعاد بلاد النيل عن الجامعة العربية ونبذها في المجال العربي، وبين المصالحة الحالية مع الإمارات، التي تنظر إليها الكتلة السُنية مشروعة.
إن السبب الأساس الذي جعل السياسة الخارجية الإسرائيلية تصل إلى نقطة الفصل هذه وانتهت فيها عقائد ومسلمات انقضى زمنها وطل فجر يوم جديد براغماتي في المعسكر السُني المعتدل هو بالطبع التهديد الإيراني على لاعبين مركزيين في هذا المعسكر. فالتهديد يلقي ظلاله في وعيهم على كل مفهوم عتيق كانوا أسرى له على مدى السنين، إضافة إلى المسيرة المتسارعة التي تهجر فيها القوة العظمى الأمريكية بالتدريج الساحة الشرق أوسطية وتغلق على نفسها أكثر فأكثر في المجال الأمريكي. على خلفية هذه المسيرة، التي تضرب جذورها بالانسحاب الأمريكي من العراق وتتواصل في فك ارتباطها عن الجبهة السورية، بقيت إسرائيل في نظر معظم دول المنطقة شبكة الأمان القوية والمستقرة الوحيدة. والتعاون الوثيق معها كفيل بأن يكون وزناً مضاداً لعربدة الراديكالية العنيفة من مصنع طهران، والتي تعرض استقرار هذه الدول، أمنها ورفاهها، للخطر.
في ضوء هذا التحول، في الظروف الجغرافية –الاستراتيجة الإقليمية، تبلورت خطة ترامب للسلام، التي منحت تعبيراً عملياً وملموساً لهذه السياقات وأدرجتها في مخطط محدد كان السلام مع إسرائيل في إطاره مدماكاً مركزياً. وحقيقة أن التسليم بإسرائيل جزء من رؤيا شاملة صممت برعاية أمريكية، ولم تولد في السياق الضيق لعلاقات إسرائيل مع دول الخليج، خلقت أساساً واسعاً من الشرعية لهذه الخطة وتحول الخفي وغير المباشر إلى علني ومباشر.
هكذا أيضاً تحطم منطق التفكير الأصلي والرئيس السابق أوباما، والذي بموجبه يكون الاختراق على المستوى الإسرائيلي – الفلسطيني شرطاً مسبقاً ضرورياً لسلام إقليمي شامل. أما اليوم، وبدلاً من أن يقف العموم الفلسطيني كحاجز في وجه كل مبادرة مصالحة، يشكل عنصراً في مسيرة مصدرها في المجال العربي العام. وهكذا ارتبطت الظروف الجديدة مع المبادرة السياسية الأمريكية كي تترجم القوة إلى الفعل، وهكذا تؤدي إلى فتح البوابات المغلقة وتسير في الوقت نفسه بإسرائيل نحو عصر جديد وواعد.
بقلم: أبراهام بن تسفي
إسرائيل اليوم 31/8/2020