العبر المستفادة من أحداث تونس ومصر لم تعد صالحة لزعيمي البلدين، فالأول طار وانتهى حكمه، والثاني بحكم المنتهي حتى لو مكث بالوقت الضائع.
لطالما قدم الزعيم والدكتاتور المخلوع زين العابدين بن علي الخدمات الجليلة للغرب وإسرائيل، فصادر حريات شعبه، ومنع إقامة الصلاة بالمساجد، ومنع الصحف والأحزاب إلا الموالية منها، وطارد المعارضة وشتتها بأرجاء الأرض، وأطلق أيدي اللصوص ‘زوجته وأصهاره’ بالمال العام، وخلق جهازا قمعيا ليس له مثيل، إلا جهاز السافاك أيام شاه إيران المخلوع أيضا.
ماذا كانت النتيجة؟ لم يجد الرئيس المخلوع الذي ‘تشعبط’ بطائرة ليبية هو والبطانة الفاسدة، من أي دولة أوروبية تسمح له حتى بالتزود بالوقود على أراضيها، رغم أن الدول الأوروبية كانت تستقبل وبحفاوة أقطاب المعارضة التونسية حتى الإسلامية منها، لكن لم يجد الزين سوى السعودية تستقبله على مضض، وهذه المرة لم يفرش له السجاد الأحمر، ولم يخرج أمير ولا ملك لاستقباله، فصلاحيته انتهت، وأصبح بعداد اللاجئين المقيمين حتى يحتضنه باطن الأرض.
الرئيس حسني مبارك الملتصق حتى الرمق الأخير بالكرسي، يصارع من اجل البقاء عدة أشهر أو عدة أسابيع، ويريد أن يخرج ‘بكربة الوجه’، ويتوسل من اجل خروج مشرف، حتى لا يطلق عليه الرئيس المخلوع بعد 62 سنة خدمة، منها ثلاثين سنة بالرئاسة وهي عبارة عن عهد فاسد ببطانة سوء.
مصر مبارك بلغت أوجها بالفساد وشراء وبيع الذمم، وزعماء العالم الذين يدعون اليوم إلى رحيله، كانوا يحجّون إلى شرم الشيخ ويعقدون مؤتمرات تصفية القضية الفلسطينية والحرب على الإرهاب، وحياكة المؤامرات ضد العراق وغيره من الشعوب العربية.
مبارك وأركان حكومته وحزبه، قدموا خدمات جليلة لأمريكا وإسرائيل، ومنذ استلامه السلطة وفي عامه الأول صمت عن ضرب الثورة الفلسطينية في الجنوب اللبناني وتشتيتها عام 1982 مقابل الانسحاب من مستوطنة ياميت بصحراء سيناء. ومن قاهرة المعز أُخذ الضوء الأخضر لتدمير العراق عام 91 بحرب عاصفة الصحراء، ومن ثم عام 2003 للإجهاز على العراق وشعبه.
وعلى حدود مصر الشرقية، تعيث إسرائيل فسادا ضد الشعب الفلسطيني وبالمياه الدولية، وضربت غزة بالقنابل الفسفورية وشاركت مصر بالحصار والحرب ضد الأنفاق.
مصر في عهده أصبحت ساحة مفتوحة للموساد وأجهزة التجسس الغربية، وتجاوزت مصر دورها من عملية السلام إلى خدمة أهداف الاستعمار والكولونيالية الجديدة.
نسي مبارك والحكومة المصرية الشعب المصري الذي يرزح تحت الظلم والجوع، ووضعت أموال الشعب المصري بجيوب حفنة قليلة من تجار اللحوم الفاسدة ولصوص المال العام من الحزب الوطني الحاكم.
في أول منعطف ثار به الشعب المصري ضد الظلم والجوع، أدارت أمريكا وأوروبا ظهرها له، ونسوا خدماته الجليلة المعادية للشعوب العربية، ودعوه للتنحي فورا وضمان الانتقال السلمي للسلطة، فأمريكا وزبانيتها يخافون من انتقال غير سلمي للسلطة يخلط أوراق اللعب وينسف ما بنوه خلال ثلاثين سنة.
الرجل تبهدل على أيدي شعبه وبأفواه أغلبية زعماء العالم الذين يطالبونه بالرحيل، ونحن على يقين انه يريد الخروج من المأزق بضمان إزالة ملصق الرئيس المخلوع.
كان حرياً بالرئيس مبارك وغيره من الزعماء العرب، أن يعملوا لشعوبهم ويصونوهم من الفساد ويعملوا على تحقيق كرامة الصغير والكبير ويناصروا القضايا العربية ويقفوا في وجه أعدائها.
اليوم وفي زمن الانترنت والفيسبوك، لم تعد الحقائق خافية على احد، ولا يملك كائن من كان ‘خُنّاق’ شعب إلى الأبد، فهذا زمن الصحوات، وربما شعوبنا العربية متأخرة عن بقية شعوب الأرض في هذا المجال.
فأغلبية شعوب الأرض، حتى في جمهوريات الموز وجدت طريقها، وحققت التقدم وبعض الرفاه رغم شح الموارد.
العبرة المستفادة من سقوط الزين ومبارك وتفكك حزبيهما، هي درس لكل من يدير ظهره لشعبه، فالطريق الفضلى هي بما يحقق من انجازات وتقدم وازدهار، ففي هذه الحالة الشعب كفيل بان يحمي رئيسه وبلده حتى لو تكالبت كل القوى ضده. مصر عبد الناصر كانت اكبر عبرة، فقد هب الشعب المصري بالسويس والإسماعيلية وساندوا الجيش المصري ودحروا العدوان الثلاثي، ‘فرنسا وبريطانيا وإسرائيل’. وعام 1967 ورغم الهزيمة العربية فقد رفض الشعب المصري تنحي زعيمه ‘ناصر’ وسير مسيرات مليونية لإبقائه بالحكم.
بدل أن تُبنى لمبارك تماثيل في ميدان التحرير بعد خدمة 62 سنة، علقت مشانق رمزية له ولنظامه في نفس الميدان. ولن يذكر الشعب العربي ولا الشعب المصري مبارك ولا غيره من الزعماء العرب بالخير، فقد سقطت اوراقهم جميعا حتى من قبل حلفائهم المقربين من اولاد العم سام.
مهما تأخرت طائرة حسني مبارك عن الإقلاع ومهما طال عمر النظام، فملصق الرئيس المخلوع مطبوع سلفا على جناح الطائرة. رأفت العيص – فلسطين