ثلاث سنوات قاسية في حياة العراق
د. سعيد الشهابيثلاث سنوات قاسية في حياة العراقبعد ثلاث سنوات علي الحرب الانكلو ـ أمريكية في العراق، واسقاط نظام صدام حسين، ما يزال اللغط يدور حول ما جري في مارس (آذار) 2003. النقاش اليوم لم يعد محصورا بمدي شرعية العمل العسكري ضد بغداد، خارج الاجماع الدولي، بل توسع لمناقشة النتائج والوضع الدولي الذي ساد العالم بعد ذلك. من التساؤلات المطروحة: هل حققت الحرب للبلدين الرئيسين فيها ما كانتا تخططان له؟ هل أصبح العراق والعالم أكثر أمنا واستقرارا وحرية؟ هل أصبحت منطقة الشرق الاوسط أكثر ديمقراطية وأقل استبدادا وديكتاتورية؟ هل أصبحت حقوق الانسان أكثر رسوخا في المنطقة والعالم؟ هل أصبحت المجموعة الدولية أقدر علي اتخاذ القرار السياسي عند الأزمات؟ الي أين وصلت الحرب ضد الارهاب؟ وتتوسع التساؤلات لتتصل بقضايا لا ترتبط مباشرة بالحرب ونتائجها بل بالمناخات الفكرية والدينية في عالم ما بعد حرب العراق. فمثلا: ما أثر تلك الحرب علي حوار الحضارات وحوار الأديان؟ وما هي مشاعر ساسة الدول التي شاركت في الحرب بعد ان رأوا ما آل الأمر اليه؟ يمكن الاستمرار في طرح التساؤلات المشروعة ذات الصلة بالحرب التي تميزت بانها وقعت خارج الاجماع الدولي، وبدون موافقة من الامم المتحدة ومجلس الامن الدولي. ولكن من الصعب الاجابة علي تلك التساؤلات بموضوعية ودقة، وان كان ممكنا طرح بعض التصورات والاجابات العامة. كما يمكن الادعاء بان الذين اتخذوا قرار الحرب، وهما بشكل أساس الرئيس الامريكي ورئيس الوزراء البريطاني، لا يستطيعان المساهمة باجابات واضحة حول هذه التساؤلات، اذ انهما أصبحا أكثر تشوشا واضطرابا نظرا لما آلت اليه التطورات، والمنحي الذي اتخذته السياسة الدولية منذ ذلك الوقت، وما لحق بالتحالفات التاريخية علي مستويات عديدة. وشيئا فشيئا تبدو الحرب ضد العراق أشبه ما تكون بحرب فيتنام، ليس في نتائجها فحسب، وما آل اليه مصير القوات الامريكية، بل علي صعيد الموقف الدولي وحالة الاستقطاب الدولية ازاءها. اليوم يصوت ما يقرب من 60 بالمئة من الامريكيين ضد الرئيس الذي شن تلك الحرب، وهي أدني نسبة له منذ انتخابه رئيسا في الفترة الرئاسية الاولي. وتتدني شعبية رئيس الوزراء البريطاني الي منخفضات جديدة، ويصبح التشكيك في مصداقيته الشخصية سمة بارزة في صفوف الناخبين. وتتصاعد الاصوات المطالبة بسحب القوات من العراق في اسرع وقت ممكن بعد ان اصبحت تلك القوات في وضع صعب جدا.الملاحظ ان الاحتجاجات ضد تلك الحرب لم تتوقف منذ اندلاعها في 19 اذار (مارس) 2003، في عواصم كثيرة من العالم، حتي الاسبوع الماضي عندما خرجت مظاهرات احتجاجية ضد الحرب في اكثر من 200 مدينة في كافة انحاء العالم. والملاحظ ايضا ان القوي المناهضة للحرب اصبحت تتوفر علي قدر كبير من المصداقية، وتستطيع اقناع الآلاف بالمشاركة في المسيرات والاحتجاجات. كما يلاحظ ان الساسة الذين اتخذوا قرار الحرب بدأوا يعترفون ضمنا في تصريحاتهم بأخطاء في وضع الخطط، ويعتبرون ذلك من بين الاسباب التي أطالت أمد معاناة الشعب العراقي، وساهمت في تصاعد أعداد القتلي بين جنود الدول المشاركة، خصوصا امريكا وبريطانيا. فما أسباب ضعف الآداء؟ يقول السير منزيز كامبل، الرئيس الجديد لحزب الاحرار البريطاني ان استراتيجية الحلفاء بشأن العراق، قبل الحرب وبعدها، اتبعت نمطا خاطئا: الاعتماد علي القوة، الاعتقاد بان الغاية تبرر الواسطة، وتجاهل دروس التاريخ. اما الارقام التي تطرح لضحايا تلك الحرب فهي مروعة جدا. وتقدر مجلة لانسيت الطبية البريطانية عدد القتلي في تلك الحرب بـ 100 الف عراقي، وتقدرها مصادر اخري بـ 250 الفا. اما تقديرات عدد العراقيين الذين قتلوا في الاعمال الارهابية فيتراوح ما بين 28427 و32041. وحتي ما قبل شهرين، بلغ عدد القتلي الامريكيين 2275 والجرحي 16742، وهي ارقام كبيرة جدا. هذا يعني ان جنديين امريكيين علي الاقل يقتلان يوميا منذ بداية الحرب. ويقول المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن ان حرب العراق أدت الي تقوية تنظيم القاعدة وان اعدادا كبيرة اصبحت تشارك في عملياته الارهابية. السمعة الامريكية تلوثت كثيرا خلال السنوات الثلاث الماضية، وان لم تكن نظيفة قبل ذلك. وهناك اربعة اسباب اساسية لذلك. أولها: ان الحرب قامت بدون اجماع دولي، اذ قررت امريكا وبريطانيا الدخول فيها بدون صدور قرار من مجلس الامن بذلك، وقد صرح كوفي عنان، الامين العام للامم المتحدة بمعارضته للحرب مرارا. ثانيها: ان الادارة المدنية التي نصبها الامريكيون في العام الاول بعد الاحتلال مارست من الفساد المالي والاداري الشيء الكثير، الامر الذي ادي الي انتشار الفساد علي نطاق واسع خصوصا في الحكومة الاولي برئاسة أياد علاوي. وقبل يومين بثت القناة الرابعة بالتلفزيون البريطاني برنامجا وثائقيا اكد انه، في عهد الادارة المدنية برئاسة بريمر، تم اختلاس عشرين مليارا من مجموع 23 مليارا خصصتها الولايات المتحدة للعراق.ثالثا: ممارسة التعذيب والاهانة داخل السجون الخاضعة للادارة الامريكية، وانتشار الصور الفظيعة لتلك الممارسة الحاطة بالكرامة الانسانية. رابعا: عدم قدرة قوات الاحتلال علي تطوير الاوضاع المعيشية للشعب العراقي، بل زادته فقرا. ووفقا للتقارير الاقتصادية فان نسبة الفقر زادت 20 بالمئة في السنوات الثلاث الاخيرة. هذه العوامل مجتمعة أضعفت الهيبة الامريكية في النفوس، وكشفت للرأي العام الدولي ان القوة الكبري في العالم لا تتحرك في اطار القانون الدولي او الاجماع، بل وفق سياساتها الخاصة التي تتضارب في كثير من الاحيان مع دول العالم. ففي الاسبوع الماضي رفضت واشنطن مشروع تشكيل مجلس حقوق الانسان التابع للامم المتحدة بديلا عن لجنة حقوق الانسان ومقرها جنيف، ومعها اسرائيل فيما صوت العالم لصالح المشروع. وقبلها رفضت واشنطن اتفاقية كيوتو للحد من الانبعاث الحراري. والمحكمة الجنائية الدولية، وكل ذلك مؤشر للنهج الانفرادي الذي تنتهجه الادارة الامريكية وتفرضه علي العالم، ليس بقوة المنطق والبرهان بل بقوة السلاح والمال. العراق اليوم يعاني ليس من تبعات الحرب فحسب، بل من السياسات اللاحقة التي تعتبر السبب الاساس لما آل اليه امر العراق واوضاعه الداخلية. وشيئا فشيئا اصبح العراقيون اكثر ادراكا لمشاكل الاحتلال وتبعاته، واكتشفوا ضرورة العمل لانهائه، وعرفوا ان لديه اجندة اخري غير اجندتهم وان الديمقراطية التي طرحها الامريكيون ليست نقية تماما بل تقوم علي اساس من الانتقائية والتوجيه المصلحي الضيق. فانعدام الامن والاستقرار وتصاعد اعمال الارهاب واقتراب الوضع من الحرب الاهلية وتفشي الفساد وتصاعد معدلات الفقر والشلل شبه الكامل في الاقتصاد واجهزة الدولة بسبب الرفض الامريكي لتسليم السيادة للعراقيين، كل هذه القضايا كرست الشعور بضرورة العمل لانهاء الاحتلال. العراقيون يدركون ايضا ان قوات الاحتلال تساهم ايضا في ابقاء الوضع متوترا ومستقطبا، لتجعل انسحابها مكلفا جدا. ويدركون ايضا ان بامكانهم ممارسة الديمقراطية القائمة علي اساس صوت لكل مواطن بعد رحيل الاحتلال، وان ذلك الوضع سوف يفتح آفاق التنمية والمصالحة السياسية الوطنية بعيدا عن التشنج الطائفي والاحتقان العرقي والتحدي الارهابي. كما يعلمون ايضا ان بقاء القوات الانكلو ـ امريكية فتح ابواب الاختراقات الامنية الاسرائيلية وغيرها، وهي اختراقات لها ابعادها الامنية، وانه ليس مستبعدا ان تكون بعض العمليات الارهابية بتوجيه اسرائيلي او امريكي لتهيئة الظروف لاستمرار الهيمنة. مشكلة الساسة والعسكريين الامريكيين والبريطانيين انهم اصبحوا يواجهون تحدي الحالة الاسلامية من خلال صناديق الاقتراع والممارسة الديمقراطية، ويشعرون ان هذه الممارسة قد تحول بينهم وبين تنفيذ خططهم وبسط نفوذهم وهيمنتهم علي العراق. ولذلك، ففي الوقت الذي يتحدث فيه الساسة الامريكيون والبريطانيون عن الاستعداد لرحيل قواتهم، فانهم في الوقت نفسه يخططون لبقاء طويل ويتضح ذلك من بناء القواعد العسكرية العملاقة في كافة انحاء البلاد. في الفترة الاخيرة تصاعدت الاصوات المنادية بالبحث عن استراتيجية للخروج من المستنقع العراقي، بعد ان اتضح ان الحرب لم تحقق ما يريده الامريكيون الذين طرحوها في اطار ما اسموه الحرب ضد الارهاب . فقد اصبح الارهاب ظاهرة يومية تمارس نشاطاتها علي نطاق واسع، وتحول العراق الي ساحة لتصفية الحسابات بين الفرقاء، ومكان لتفريخ الارهاب والتطرف. كما اصبحت ممارسات الجنود الامريكيين والبريطانيين مع المعتقلين في سجن ابوغريب وغيره، مثيرة للاستفزاز والتقزز والسخط في الاوساط الحقوقية الدولية. ويوما بعد آخر تزداد الصورة الانكلو ـ امريكية تشوها نظرا لعجز القوات عن الحفاظ علي الامن، وتعمق مشاعر المواطنين تجاه تلك القوات التي يعتبرونها اما غير راغبة او غير قادرة علي توفير الحماية المطلوبة للمدنيين. وجاء قرار تسليم سجن ابوغريب الي الحكومة العراقية ليكشف عجز قوات الاحتلال عن ادارته بشكل فاعل ضمن القيم الدولية وتشريعات حقوق الانسان. وما تزال مشاهد المعتقلين في ذلك السجن مثار قلق للمراقبين، خصوصا تعرضهم للتعذيب والاهانة علي ايدي الجنود. وفي الوقت الذي اصبحت فيه واشنطن ولندن بحاجة لاستراتيجية انسحاب من العراق، فان العراقيين انفسهم اصبحوا بحاجة لاستراتيجية مماثلة، توفر للحكومة القدرة علي تسلم المهمات الامنية والعسكرية والاقتصادية من قوات الاحتلال، وفي الوقت نفسه، تجعلهم قادرين علي ادارة البلاد في اطار الدستور الذي توافق عليه العراقيون، واوصبح ملزما لمن يمارس السياسة منهم. ولربما تحول هذا الدستور الي وثيقة اخري لشرعنة الاحتلال، لولا تدخل القيادات الدينية خصوصا في النجف الاشرف، وعلي رأسهم آية الله السيد علي السيستاني الذي رفض فرض دستور علي العراقيين، وطالب بان يكتب العراقيون المنتخبون الدستور بانفسهم. يعيش العراق اليوم حالة استحقاقات دستورية وسياسية وأمنية تتطلب تعاون الطوائف والفئات السياسية المتعددة، علي طريق انهاء حالة الاحتلال، ولا شك ان تشكيل الحكومة الجديدة في اطار وطني توافقي سيكون خطوة مهمة علي طريق الاستقرار والتخلص التدريجي من اعباء الحقبة الماضية السوداء. العراق اليوم امام مواجهة تاريخية بين اطراف عديدة، كل منها يسعي للهيمنة علي البلاد. ولكن مصلحة ابناء العراق تكمن في توحيد صفوفهم وعدم الانجرار وراء دعوات الحرب الاهلية، فذلك لن يجديهم شيئا، وليس من مصلحة العراق انتشار ايديولوجية التكفير والتقاتل العرقي او الطائفي، ومن الضروري التوحد علي ارضية مواجهة هذه النزعات التدميرية ومنعها من تثبيت نفسها علي الارض العراقية. ولكي يستعيد العراق دوره العربي الاسلامي، فانه بحاجة لاسترجاع سيادته الكاملة من الاحتلال، وعدم المساومة علي تلك السيادة مهما كانت الظروف. اما مهمة البناء فموكولة الي ابناء العراق انفسهم، بمساعدة المجتمع الدولي من خلال الامم المتحدة والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي. المهم في الامر ان يحسم العراقيون مسألة الهوية التي يبحثون عنها لبلدهم، بعيدا عن املاءات المحتلين او التكفيريين، ضمن توافق وطني شامل وفي ظل الدستور ودولة المؤسسات. هذا هو الطريق، وليس هناك غيره وسيلة للامن والاستقرار وحكم القانون. ان من المفترض ان تكون تجربة العراق كافية لاقناع التحالف الانكلو ـ امريكي بفشل اساليب التدخل العسكري بالشكل الذي حدث قبل ثلاثة اعوام، وعدم الهاء الناس وتضليلهم بدعاوي الديمقراطية. فالوقائع تؤكد عدم جدية الغربيين في الترويج للديمقراطية وحقوق الانسان في المنطقة، وعدم استعدادهم للقبول بنتائج صناديق الاقتراع. فهم يرفضون تلك النتائج وما تمخضت عنه في فلسطين والعراق بنمط واحد، ولم يتخذوا خطوة حقيقية واحدة لترويج الديمقراطية في العالم العربي، كما ان اطروحة حقوق الانسان قد تضررت كثيرا في ضوء ما جري في ابوغريب وغوانتنامو. والأمل ان تكون هذه التجارب كافية لوقف العدوان والتخلي عن عقلية التفرد والعودة الي العمل في اطار مبدأ الاجماع الدولي، وتفويض الامم المتحدة بالعمل لنشر الديمقراطية وحماية حقوق الانسان في نطاق القانون الدولي والمواثيق والمعاهدات التي تنظم ذلك. ان واشنطن ولندن مطالبتان باستيعاب التجربة بواقعية وانسانية، فاذا حدث ذلك فسوف يكون العالم أكثر أمنا، وسوف تنتفي تدريجيا الظروف التي يعشعش فيها الارهاب والعنف. 9