أحمد محمد أبوزيد ‘أظن (وليس كل الظن إثم) أن الأستاذ سعيد أبو الريش عندما كتب كتابه القيم ‘جمال عبد الناصر: آخر العرب’ كان حاضراً في لاوعيه الحالة المزرية التي وصل إليها الحكام العرب، الذين وصلوا للحكم منذ وفاة جمال عبد الناصر في مثل هذه الأيام منذ ما يزيد عن أربعة عقود. فمقارنتهم بناصر، الذي كان وطنياً حتى النخاع وعروبياً مخلصاً، تتوافق أقواله مع أفعاله، يحمل هموم كل إنسان عربي كأي مواطن مصري، يبدو حكام العرب الحاليون، وكما أثبتت لنا تجربة الثورات الشعبية التي تشهدها شعوبنا العربية، غير مبالين أو مكترثين البتة بمستقبل أو حتى بحياة هؤلاء المواطنين، بل وعلى العكس تماماً، فقد عمل هؤلاء الزبانية على قتل مواطنيهم وإبادتهم، بآلاتهم ومؤسساتهم القمعية والشرطية، التي سعت في الأرض فساداً وملأتها جوراً. إننا نجادل بأن هناك حركة لإعادة إحياء القومية العربية وللشعور القومي (العروبي) بين الشعوب العربية من الخليج شرقاً وحتى المحيط غرباً. هذا الشعور القومي مداده الشباب العربي الحديث السن (1540 عاماً) الذين قاموا بإشعال الثورات الوطنية داخل حدودهم الوطنية من أجل إعادة بناء أمتهم العربية من جديد على أسس ديمقراطية ومدنية، وإعادة تجديد دور الأمة العربية الحضاري في القرن الواحد والعشرين، وانتشالها من حالة الانحطاط التي أرغمتها النظم التسلطية اللاوطنية واللاقومية على الحياة فيها مجبرين. إننا الآن على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة كلياً، وأمام نوعية جديدة من البشر. هناك ‘عرب جُدد’ سيحملون لواء هذه الأمة ويقودنها نحو المستقبل. سنحاول الآن توضيح ما المقصود بالعرب الجدد، وما هي سماتهم وخصائصهم وأحلامهم ووسائلهم لتحقيقها وأوجه الاختلاف بينهم وبين العرب القدامى؟ وذلك عن طريق مقارنتهما معاً، وتوضيح كيف يمكن لهؤلاء ‘العرب الجدد’ قيادة الأمة وانتشالها من الأوضاع المزرية التي تحيا فيها الان، وما هي التحديات والعقبات المتوقع أن تواجهها في المستقبل؟ من هم العرب الجدد؟هم فئة الشباب العربي (1545 سنة) المتعلم، أبناء الطبقات الوسطى، المطلع على أحدث تقنيات العصر والتكنولوجيا، المنخرط بشدة في فاعليات الحراك السياسي والاجتماعي الوطني منذ ما يقارب من عقد من الزمان، وتحديداً منذ حرب العراق 2003، المؤمنين بأفكار الحرية والعدالة والمساواة وبالقيم الليبرالية والديمقراطية، باعتبارها قيماً إنسانية عالمية، وليست فقط كأفكار غربية، سلميين، رافضين للعنف المسلح واستخدام القوة العسكرية كأداة للاحتجاج السياسي. هؤلاء الشباب لديهم إيمان كامل بمدنية الدولة والمجتمع وبالتداول السلمي للسلطة واحترام الارادة الشعبية وحق المواطن العادي الكامل في المشاركة في العملية السياسية واحترام آداميته وحقوقه… الخ. إلى جانب إيمانهم الحتمي بالوحدة والتكامل القومي العربي الطوعي بين الشعوب العربية. هذا الجيل لديه انتماء عميق وإدراك عميق لهويته وماهيته وذاته القومية والوطنية، وهو ما تجلى في التزام جموع المتظاهرين العرب باللغة العربية وخلال تجمعاتهم وهتافاتهم ومختلف صور التعبير عن إراداتهم ومطالبهم واحتياجاتهم من الخليج إلى المحيط بصورة متتالية، كحبات المسبحة. على عكس ما كانت تروج له الآلة الإعلامية الحكومية للنظم المستبدة التي انهارت بسرعة غير معقولة أو مسبوقة في التاريخ الحديث كله. هذا الجيل يمتاز عن أسلافه من العرب الكلاسيكيين كونه غير مستبد، غير طائفي، غير متعصب، غير فاسد، غير مؤدلج، وهو ما يبشر بالأمل في مستقبل هذه الأمة. فعلى الرغم من كافة المحاولات والمساعي اللاأخلاقية التي اتبعها النظم المستبدة في تصوير المستقبل المشؤوم الذي ينتظر شعوب هذه الأمة إن واصل هؤلاء الشباب احتجاجاتهم ومحاولاتهم الثورة والانقلاب على النظم العربية الحاكمة، متحججين بعدم خبرتهم، وبالحروب الاهلية والفتن الطائفية وعودة الاستعمار الغربي للهيمنة على الأوطان. وهي الاستراتيجيات التي أثبتت التجربة الثورية حتى الان عقمها وخطأها جملة وتفصيلاً. بل وعلى العكس تماماً، فقد أظهرت تجربة الثورة العربية حجم الخرافات والأساطير والأكاذيب التي حاولت بدأب هذه النظم تكرارها وترويجها من عدم مدنية وتحضر وعدم نضوج هذه الشعوب أو تحملها المسؤولية الجماعية. إن العرب الجدد أظهروا للعالم أجمع معدنهم الأصيل والنفيس من تونس مروراً بالقاهرة وصولاً لليمن بإقدامهم على إسقاط النظم الاستبدادية والحفاظ في نفس الوقت على الوطن وحماية مؤسسات الدولة، في منظومة جماعية متكاملة من العمل التطوعي الجمعي غير المعهود وغير المسبوق في تاريخ الشعوب والأمم بصورة أذهلت شعوب وقادة دول العالم، كأنهم يرون شعباً عربياً جديداً، مخالفا تماماً لكل ما تصوروه أو عرفوا عنه من قبل. كيف سينقذون الأمة؟ بسبب هذا الإيمان العميق والمخلص للديمقراطية والحرية وللكرامة الإنسانية من جانب، والوعي الشديد والفهم والاطلاع الدؤوب على أحدث ما ينتجه العالم (من أفكار وتقنيات) والسعي الجاد نحو إعادة بناء الدولة الوطنية من الداخل عن طريق تطهيرها من الفساد والفاسدين من جانب آخر، والميل الواضح نحو العمل على تحقيق التنمية بالاعتماد على الذات، فإن هذا الجيل من الشباب العربي الجديد سيحاول بكل قوته استنهاض قوى الامة العربية، وذلك عن طريق تحسين الأوضاع الداخلية في كل قطر عربي، وهو ما سيصب في النهاية لصالح جميع الشعوب العربية. فكما انتشرت نيران الثورة من تونس إلى القاهرة إلى صنعاء العرب ثم إلى المنامة فبنغازي وطرابلس ثم إلى عاصمة الأمويين في الشام دمشق وغيرها من العواصم العربية فإن مسيرات الإصلاح وإعادة البناء ستسري بفضل هذا الجيل العربي داخل كل دولة عربية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة. فالثورات مرض مُعد كما يعلمنا التاريخ. إن إلقاء الأمل على هذا الجيل من الشباب العربي ينبع بالأساس من إيماننا بأن الهتافات والمطالب التي صدحت بها حناجر هؤلاء الشباب في الميادين هي نفسها المطالب والنهج الذي سيطبقه هؤلاء الشباب إن هم وصلوا لسدة الحكم في بلادهم تماماً مثلما فعل ناصر، مع فرق التزامهم العميق بالديمقراطية والمدنية. فالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية التي هي قيم عالمية والتي كانت مفتقدة في ظل نظم الحكم الاستبدادي التي تهاوت، في رأينا هي السبب الرئيسي وراء حالات التخلف والانحطاط العربي الذي أصاب جميع الدول العربية منذ منتصف القرن الماضي. نجاح هذا الجيل في إقامة نظم حكم عربية ديمقراطية وليبرالية، ذات توجه وطني، يسعى إلى إعادة بناء الدولة من الداخل عن طريق إعادة هيكلة مؤسساتها الاقتصادية والقانونية والمالية وتطهيرها من الفساد والفاسدين، وتنقية القوانين الوطنية التي تم تصميمها من قبل ‘ترزية’ القوانين لحماية الفاسدين والمستبدين ونزع الحريات وحرمان المواطنين من التمتع بحقوقهم التي تكفلها لهم الدساتير الوطنية والمواثيق العالمية لحقوق الإنسان. والاتجاه والبدء في استغلال الموارد الطبيعية الوطنية، وتوظيف القوى البشرية الهائلة من أجل بناء قاعدة تصنيعية وزراعية متقدمة، تكفي وتغطي كافة احتياجات الاستهلاك المحلي بالكامل في كافة المجالات والاحتياجات من جانب، والاستفادة من الفائض بتصديره للخارج وتوفير العملة الصعبة اللازمة للبناء الاقتصادي والتوسع في إقامة المعاهد والجامعات والمراكز العلمية والتقنية المتخصصة في كافة مجالات العلوم والمعرفة، بما سيساهم في بناء قاعدة علمية وطنية تكون قادرة على تحقيق نهضة علمية وتكنولوجية توظف في خدمة المجتمع والمصالح الوطنية وتحسن الظروف المعيشية للمواطنين العرب. وانخراط الأمة العربية في سباق العلم والتكنولوجيا وحجز مكان للعرب بين الأمم المتقدمة. أما على الصعيد الخارجي، فإن بناء ‘تجمع ديمقراطي’ عربي، كما تجادل نظرية السلام الديمقراطي سيكون القاطرة الوحيدة القادرة على جعل احلام الوحدة العربية حقيقة ملموسة. فوجود نظم حكم عربية وطنية منتخبة بحرية وبنزاهة وشفافية، كتعبير عن الإرادة الشعبية للجماهير العربية، ستجعل من استقلالية القرار الوطني والسعي الجاد نحو تحقيق حلم الجماهير العربية (والتي تدعمه نتائج استطلاعات الرأي) نحو تحقيق الوحدة العربية، خاصة في المجال الاقتصادي أمراً ملموساً وطاغياً. فالجماهير والأجيال العربية الشابة هي التي ستختار قـــــادتها ورؤساءها المؤمنين بنفس أفكارهم وطموحاتهم، وبالتالي وجود نوايا صادقة وإرادة وعزيمة سياسية يدعمها تأييد شعبي نحو تحقيق التقارب والتكامل مع بقية الدول العربية بصورة حقيقية وتدعيم مؤسسات العمل العربي المشترك (ممثلة في جامعة الدول العربية). إن الكثير من العرب يتغافلون عن الحقيقة القائلة بأن ‘الديمقراطيات تتعاون وتتقارب… والتسلطيات تتحارب وتتباعد’. وهو ما تؤكده التجربة التاريخية للنظام الدولي منذ الوحدة الأمريكية 1776 وتجربة الوحدة الأوروبية 1954، وعلى الجانب الآخر تجربة الاتحاد السوفييتي 1917-1989، تجربة الوحدة اليوغسلافية 1945-1991 وحتى تجربة الوحدة المصرية السورية 1958-1961. إن الجيل العربي الجديد الذي ثار ضد الديكتاتوريات العسكرية جعل من الوحدة العربية حقيقة وليس سراباً أو وهماً. الصعوبات والعقبات أمامهمتحقيق هذه الآمال لن يكون سهلاً أو مفروشاً أمامه الطريق بالورود، بل على العكس، ستكون هذه المهمة عصيبة وشاقة للغاية، ولن نبالغ إن قلنا إنها ستكون مهمة هرقلية، حيث سيقف في وجه تحقيق عقبات وصعوبات موضوعية وشخصية، محلية وخارجية وإن كنا سنركز هنا على الصعوبات الداخلية على وجه التحديد. ولعل أهم العقبات والصعوبات التي ستقف في سبيل تحقيق هذا الشباب لهذه الآمال والطموحات هي: الطبقات الطفيلية: التي استفادت وعاشت وتكاثرت خلال فترات الحكم الاستبدادي الذي سمح لها باستغلال الشعوب واستنزاف وسرقة أمواله وانتاجه. هذه الطبقات ‘الرأسمالية الطفيلية’ تمتلك من الأموال والامكانات، ولديها المصلحة والدافع لإفشال الثورة والعمل على إعادة النظم الاستبدادية من جديد، وذلك عن طريق تمويلها وإمدادها جماعات الشغب والبلطجة، وعملها على إشاعة أجواء من الفوضى والاضطراب وعدم الاستقرار، بما سيزيد من غضب الشعب ورفضه للأوضاع التي أوجدتها ثورات الشباب. القيادات المؤسساتية الفاسدة: وهي مجموعة من الأفراد والجماعات الانتهازية التي حولت مؤسسات الدولة إلى ‘عزب’ و ‘اقطاعيات’ خاصة بهم، مهمتها خدمة مصالحهم ومصالح وكلائهم الأجانب، وعدم المبالاة تماماً بمطالب واحتياجات الشعب واحتكار السلطة والقوة في المجتمع وحرمان بقية أطياف المجتمع منها بصورة أصبحت معها الدول العربية جمعاء تحيا في أجواء ما يمكن تسميته ب’الإقطاع الحداثي’. هذه الطبقة أضرت الثورة بمصالحها ومكانتها بصورة شديدة، بعملها أي الثورة على قلب هرم القوة الاجتماعية. فزجت بهم في السجون وحاكمتهم على جرائمهم وتعديهم على القانون. وهو الأمر الذي سيدفعهم إلى العمل على التشكيك في شرعية الثورة وإشغال العامة بموضوعات هامشية وزج الإعلام للعامة وللخاصة في معارك وهمية ومحاربة طواحين هواء، عن طريق سماسرة الأفكار والمتسلقين والمنافقين الذين مازال ولاؤهم لأسيادهم الموجودين في السجون، وإن تلحفوا برداء الثورة والثوار. إن أخطر أعداء الثورة هم هؤلاء الذئاب في زي الحملان، على حد قول النبي عيسى عليه السلام. المتسلقون والمتحذلقون: من المثقفين وطبقة الكتبنجية. هؤلاء هم من كانوا دعائم النظم البائدة، حيث كانت تسبح وتلهج بمدح وحمد هذه الديكتاتوريات، وما لبثت أن نجحت سفينة الثورة حتى كانوا أول من فارق سفينة الديكتاتوريات الغارقة وصعدوا الى متن سفينة الثورة، يجادلون ويزبدون ويرغون في كلام فارغ، ويقومون بتوجيه مسار الثورة حول موضوعات ونقاشات بيزنطية عقيمة (البيضة أم الفرخة أولاً) بغرض بلبلة الناس وإلهائهم عن محاولات إعادة البناء والمحاسبة وإعادة بناء الأمة على أسس جديدة، سيكونون هم أول الخاسرين نتيجتها. هذه الطبقة منتشرة جداً في القنوات الفضائية والصحف القومية والصفراء المستقطبة من جهات داخلية وخارجية معادية وكارهة للثورة ولكل ما هو وطني وعروبي. وتمارس كافة أنواع ‘العهر الفكري’ من أجل تشتيت الناس وإخافتهم وإحباطهم وسد نوافذ الأمل في وجوههم. الفجوة بين الأجيال: سيلعب فرق العمر بين جيل الشباب الذين قادوا الثورة والشيوخ ومن يدعون أنفسهم بالواقعيين، بينما هم في الحقيقة ‘متشائمون’ أو ‘مُحبطون’. وهم مجموعة من كبار الكتاب والمفكرين ورجال الفكر والقانون الذين تعدوا الستين، وكانوا حلفاء وموالين للنظم الديكتاتورية. وهؤلاء هم الان في خريف عمرهم السني والفكري، يخشون تقلبات الدهر والتحولات والتغيرات الجذرية كتلك التي أحدثتها الثورات العربية، ويحاولون الحفاظ على ما حققوه من ثروات ومظاهر شهرة خادعة والحفاظ على مكانتهم ونفوذهم، بما يجعلهم يؤثرون الحلول الوسط ومسك العصى من المنتصف والرضا بأنصاف الحلول، وهو الأمر الذي ما قامت الثورات الشعبية إلا لتغييره والقضاء على مثل هذه الأفكار. إن ارتداء مسوح الحكماء وادعاء التروي والحكمة والتعقل والمنطق ما هو في حقيقته إلا محاولات يائسة من هؤلاء لتخفيض سرعة التحرك وإبطاء وتيرة التغيير الذي تحدثه الثورات العربية وتسعى لإكمال دائرته بالقضاء تماماً على منظومة الفساد والتسلط والتبعية للغرب ونهب ثروات الشعوب واحتقار المواطنين وامتهان كرامتهم. إن مثل هؤلاء ‘العجزة’ من الكتاب (فكرياً وعمرياً) لا يصلحون بأي صورة من الصور لتصدر المشهد الإعلامي والفكري والتنظيري السياسي العربي في مرحلة ما بعد الثورات. فإلى جانب رجعية أفكارهم والصدأ التي يميز طروحاتهم وعدم ملائمته وتماشيه مع الأوضاع الناشئة بعد الثورات، فإن العقول التي صنعت وكرست أوضاع الاستكانة والتسلط الكريهة التي عانت منها الشعوب العربية لا، ولن يمكن القبول بذلك، يمكن أن تكون صاحبة الحلول وطرق الخروج منها على حد قول آينشتاين. الأغلبية الشعبية الصامتة: عن طريق اتحاد وتضافر الجهات السالف ذكرها، وعملها على إعادة شحن والتعبئة السلبية لمجموع الجماهير العربية الصامتة ‘حزب الكنبة’ والتي مازالت حتى الآن لم تقل كلمتها الأخيرة في ما جرى، وذلك عن طريق زرع الأكاذيب والخرافات والإحباطات والتشويش والفوضى الممنهجة، بصورة تؤدي لإشاعة عدم الاستقرار وتردي الأحوال المعيشية لهذه الغالبية، بما يؤدي لتذمرها وهيجانها وانقلابها على الثورة وعلى الثوار، واتهامهم بانهم أضاعوا البلاد وعدم قدرتهم على تحسين أوضاعهم وإفقادهم لحالة الأمن والاستقرار التي كانوا ينعمون بها في ظل النظام البائد. وهو ما قد يقود لاندلاع ثورة مضادة ‘ثورة جياع’ وقودها هؤلاء الذين قامت الثورات العربية المعاصرة من أجلهم ولصالحهم بالأساس. معضلة هذه الأغلبية إنها تجد نفسها بين مطرقة كونها مظلومة ومغلوبة على أمرها، وقعت ضحية الأوضاع المتردية التي أجبرتها النظم الاستبدادية على الحياة وسطها، بصورة حولتهم لمجرد ‘آلة’ لا تفعل شيئا إلا السعي وراء لقمة العيش وتربية الأبناء وعدم الاكتراث إلى حد كبير بالحرية أو بالديمقراطية. وسندان عدم القدرة على تحمل مزيد من التردي والظروف الصعبة لبعض الوقت، حتى يتم إعادة بناء المجتمع ويتم إعادة توزيع الثروة والسلطة بصورة أكثر عدالة بين المواطنين. وهو الأمر الذي يجعلهم في خضم معركة لا غالب فيها إن هم ساروا وراء أوهام الطبقة المستبدة والطفيلية والمتسلقة التي سلبت ماضيهم وحاضرهم وتريد سرقة مستقبلهم ومستقبل أبنائهم بمحاولاتها الوقيعة بينهم وبين الجيل العربي الجديد. إننا نجادل بأن التحول (النوعي والكيفي) الذي أحدثته الثورات الشعبية العربية، التي قادها جيل ‘العرب الجدد’ في بنية المجتمعات العربية (سياسياً واجتماعياً) سيساهم بصورة كبيرة في تدعيم كفة الثورة والثوار في مواجهة أعداء الثورة. فالإنسان العربي ‘الجديد’ قلب كل الموازين وأثبت صلابته وشجاعته اللامتناهية وتصميمه الفولاذي، رغم كل محاولات النظم البائدة وحلفائها ووكلائها في الداخل والخارج، على تحقيق حريته وتقرير مصيره وصون كرامته وتوفير مستقبل أفضل له ولأبنائه ولاحفاده (كان هناك الكثير من العجائز وسط الميادين جنباً إلى جنب مع أحفادهم(. إن أكثر العوائق التي كانت تقف في وجه المواطن العربي وتحول دون بناء أمة عربية جديدة وابية كان الخوف من السلطة والثورة على الظلم والظالمين. وهو ما تغلب عليه هذا الجيل من ‘العرب الجدد’. وعلى ذلك فإن أي عقبات أو صعوبات أخرى (مهما كبرت) لن تعيق أو تحول دون سعي هذا الجيل نحو تحقيق آمالهم وطموحاتهم. إن مستقبل العرب يتقاتل عليه طرفان أو خصمان، طرف ‘عجوز وعاجز’ يريد الزج به في آتون العصور الوسطى والتخلف والعزلة والاستبداد والاحتقار وامتهان الكرامة الإنسانية والتحكم في مصائر العباد. وطرف ‘شاب’ يحاول تلمس الطريق نحو الحداثة والتطور والتقدم الاقتصادي واحترام حقوق الإنسان وصون كرامته والإسهام في الحضارة البشرية وإعادة مكانة العرب بين أمم العالم.. كأفضل أمة أخرجها الله للناس…. والمنتصر في هذه المعركة هو الذي سيحدد مصير العرب لأبد الآبدين. إن ‘ناصر’ قد يكون غائباً عنا بجسده ووجوده المادي بيننا ولكن روحه وأفكاره وكلماته مازالت موجودة، تلهمنا وتقودنا وتضيء أمامنا الطريق نحو المستقبل. فهو القائل منذ ما يزيد عن أربعة عقود ونيف ‘الخائفون لا يعرفون الحرية، والمرتعشة أيديهم لا يقدرون على البناء’. وهو ما يفسر ترديد الجماهير العربية الشابة للأغاني الوطنية لحقبة الستينات، وليــــس فيهــــم الكثير ممن عاصر أو شاهد عصر ناصر. التي كانت الوقود الذي شحن عواطفهم وشعورهم الوطني الجارف من مصر إلى اليمن إلى ليبيا. وهو ما يجعلنا نصدق كل ما قال وأقسم إنه شاهد ‘ناصر’ في ميدان التحرير، مبتسماً ووجه مضيئا كالملائكة … يرقص طرباً. إن ‘جمال عبد الناصر حسين’ هو الأب الشرعي لهؤلاء العرب الجدد …. وسيظل …. آخر عظماء العرب. نسألكم الفاتحة والدعاء بالرحمة والمغفرة له ولكل شهداء الحرية والكرامة والعدالة في وطننا العربي … من المحيط إلى الخليج. ‘ مدير الأبحاث بالمؤسسة الدولية للثقافة الدبلوماسية IICD بدبي