نظرت سما إلي بعينها السليمة من صورة لها في بيتها المهدم وهي تشير بإصبعها إلى خلفية الصورة حيث يطل المنزل على مرفأ بيروت، الذي تهدم قسم كبير منه والأبنية المحيطة به.
وكان سببا في فقدانها عينها بعد أن تتطاير زجاج المنزل وتناثر إثر الانفجار فأصابت احداها عينها. نظرت إلي كما تنظر إلى كل الذين يشاهدون الصورة لتقول لهم ها هو مسرح الجريمة الذي جعلني أفقد عيني ومنزلي، كما فقد كثيرون أعضاء من أجسادهم، أو فقدوا أرواحهم بكل بساطة.
تقول سما لأبيها كلما شعرت بفقدان عينها: « بابا أنا بدي عيني».
الانفجار الرهيب
من سيرد عين سما إليها، وعيون وأعضاء الآخرين الذين سيعيشون بعاهاتهم طول العمر، وكلما نظر أحدهم إلى نفسه بالمرآة عاد مشهد الانفجار الرهيب إلى الذاكرة.
سما سترى العالم بعين واحدة إذا لم يتسن لها إجراء عملية جراحية للشبكية، وهذه العملية لا يمكنها أن تقوم بها اليوم لضيق ذات يد والدها.
سما التي لجأت إلى لبنان بعد أن اجتاحت جحافل تنظيم الدولة مدينة منبج، ولم تكن قد أكملت عامها الأول مع عائلتها ظنا منهم أن في لبنان ستكون العائلة أكثر أمانا، لا تنظيم الدولة، ولا براميل متفجرة، ولا قنابل محملة بغاز الخرذل.
كانت سما التي قطنت منزلا يطل على المرفأ، تمضي وقتا طويلا تراقب حركة البواخر المبحرة ذهابا وإيابا، وإلى الرافعات التي تعمل على تفريغ حمولات البواخر.
لم تكن تعلم سما أن بعض هذه الشحنات ربما تكون أسلحة، أو مواد شديدة الانفجار ستكون سببا في فقدان عينها.
البيروتيون الذين يذرعون الرصيف جيئة وذهابا أمام المرفأ يعرفون أن هناك دائما شحنات مشبوهة تفرغ وتحمل وتخترق العاصمة وتتوجه إلى أماكن مجهولة، لكن لا أحد يعلم إلا قلة أن عنبرا في المرفأ يخزن آلاف الأطنان من المواد المتفجرة. وبالطبع من كانت موجهة إليه هذه الشحنة.
مشهد الضحايا
سما كانت تنظر إلى باخرة راسية، تحلم أن تكون على متنها وتمخر البحر، هذا المد الأزرق الذي لا تعرف له نهاية: «بابا شوفي آخر البحر»؟ «آخر البحر يا بنتي في بلاد عايشة حرة والناس بتتمنى تعيش فيها، وهنيك يا بابا إن شاء الله بنرجعلك عينك».
سما ترى بعين واحدة لأن الأخرى أصيبت. ولكن ماذا نقول عن من له عينان ويرى بواحدة فقط، ومن يرى بعين واحدة لا يرى سوى جانب واحد من المشهد.
الجانب الذي يحب أن يراه، وبالتأكيد ليس مشهد الضحايا، ولا مشهد الدمار، لأن الانفجار الهائل حدث في جزر الواق واق وليس في بيروت.
على من تقع مسؤولية فقدان سما لعينها، وغير سما، أليس هناك من مسؤول عن هذا الانفجار؟ يجب أن يعوض هؤلاء الضحايا بسبب فعلته المدمرة.
أطنان من المواد المتفجرة مخزنة في مرفأ ولا أحد مسؤول عنها، قتلى وجرحى بالمئات ولا أحد يكترث لهؤلاء، وننتظر أن تتناسى الحكايا. لكن مرفأ بيروت الشهيد ماثل للعيان لا تخطئه حتى عين واحدة. يتكلم بصمت القتيل. كأنه يقول: انظر ماذا فعلوا بي. من سيعيد البناء ويعوض المصابين، أليس من دمر وقتل.
الحادث المريع
هذا الحادث المريع، ألا يحتاج إلى تحقيق شفاف لا يمالق، لا يساوم، لا يخفي الحقائق، أم أن محاكمة الشهيد الشيخ رفيق الحريري الذي اغتيل ليس بعيدا عن هذا المرفأ تنبئ بمصير مماثل: خمس عشرة سنة، ومليار دولار، ثم متهم واحد، خطط، وجلب، وتآمر، واغتال، ولا أحد يعرف مكانه وربما سيواجه مصير كل من كان له علاقة بواقعة الاغتيال لمحو كل أثر.
ولكن الشهداء هنا كثر، والجرحى أكثر، والجريمة أكبر.
وتمضي الأيام وكأن شيئا لم يكن.
سما تطالب باستعادة عينها وعلى من ارتكب الجريمة بحقها وحق الآخرين، وحق المرفأ، على الرئيس ميشيل عون الذي وصلته معلومة التخزين متأخرة، ولم يجد الوقت الكافي ليعطي أوامره لصاحب البضاعة لنقل بضاعته من المرفأ إلى مخابئه، وبالطبع معروف من اشترى ومن أي جهة استورد، وكيف خزن وفي أي عنبر، عليه كرئيس دولة والمسؤول الأول عن سلامتها أن يجد حلا لتعويض المتضررين بمنازلهم، وذوي الذين فقدوا حياتهم مجانا، ولكل الذين أصيبوا بعاهات، ودون تأخير. وبالطبع سما مخول التي مازالت تردد وبإصرار بدي عيني.
كاتب سوري