راهنية عبدالرحيم جيران النظرية والإجرائية في النقد والأدب

يُشدِد الناقد والروائي المغربي عبد الرحيم جيران على أهمية محاورة ما جاء به الغرب عوض التسليم به، وكأنه في منجى من الخطأ، والقارئ المتفحص لمؤلفاته، يخلُص إلى أنه لم يكتف بالدعوة إلى هذا الموقف السديد، بل خاض فيه من منطلق معرفة بما يدعو إليه بالحجة والدليل، والتصور النظري والإجرائي، ومن جملة ذلك ما دونه أساسا في مؤلفه الموسوم بـ«إدانة الأدب».
يقول في سياق حديثه عن الإنتاج بين الكاتب والناقد: «الكاتب ينتج قياسا إلى مقروء مكون من نصوص متراكمة، لا تنفصل عن تجربته الفنية، وكذلك الناقد ينتج نصوصا قياسا إلى مقروء نصوص نقدية وإبداعية، ونصوص مجاورة، فلا إنتاج من فراغ «.
قد يتبادر إلى ذهن القارئ أن الناقد عبد الرحيم جيران، يربط فعل الكتابة بفعل القراءة، بيد أن التوقف عند هذا الحد، يعد اختزالا لتصوره حول فعلي القراءة والكتابة، وهو ما سيتأكد جليا لكل من سبر أغوار البحث في فكر وإبداع هذا الناقد. مقاربة التجديل التضافري: الصياغة المحكمة والطرح النظري والإجرائي:
شكّل مؤلف الناقد عبد الرحيم جيران «علبة السرد: النظرية السردية من التقليد إلى التأسيس» انعطافة كبرى في مجال الدراسة الأدبية في العالم العربي، خصوصا في مجال السرديات، إذ يطمح من خلاله إلى تأسيس تصور نظري جديد وغير مسبوق، ينبني على مقاربة منهجية محكمة الصياغة، اختار لها عنوان «التجديل التضافري» وصاغ أسسه المميزة انطلاقا من أربعة مستويات محددة كالآتي: المبادئ المؤسسة، المستوى المنطقي العلائقي، الطبولوجيا، التسنين الرمزي .

أولا- المبادئ المؤسسة:

– لا يقصِد بالمبدأ ما يتطلبه من شرط فلسفي صارم لقيامه، بل يقصد به ما يضمنه محتواه من بعد إجرائي، يتمثل في كونه يعني في أحد مضامينه توجيه نشاط ما، أو فعالية ما، بما يعنيه ذلك من تحديد لحركة هذا التوجيه وجهته.
– المبدأ ليس سوى عملية (و/ أو مجموع عمليات) تتصف بكونها تتضمن داخلها حدودا تعطي لحركة التوجيه مدى معينا، وهذه الحدود ما هي إلا أطراف تتشكل في هيئة ثنائيات.
– الأطراف لا تشكل حدودا منفصلة للعملية، وإنما حدود لا تقبل التعين والفاعلية إلا انطلاقا من كونها منظورا إلى مُمكِنها من متاح مُمكِن مما يواجهها.
– الحدود تشكل أطرافا متضادة، لا غنى لأحدها عن غيره لكي يصير فعالا (لا يكون التضاد الذي يؤسس المبدأ بوصفه عملية قائما على إثبات طرف ونفي آخر، بل على تضافرهما معا).

ثانيا- المستوى المنطقي العلائقي:

يحصر الناقد جيران العلائق المنطقية في صنفين رئيسين يرى بأنهما يكتسبان أهمية بالغة في تكوين سيرورة تنامي النص السردي، وهما:
– علاقات التضافر Coordination: تشكل نسقا تكون فيه الوحدات التي يتكون منها مستقلة، ولا تتحدد الوحدات قياسا إلى بعضها بعضا، وإنما بتفكيكها إلى العناصر التي تكونها بوصفها خاصيات مميزة أو جوهرية.
– علاقات التجديل Subordination: تشكل نسقا تكون فيه الوحدات غير مستقلة، إذ يحدد بعضها قياسا إلى بعضها الآخر، وتتداخل في ما بينها وتتفاعل.

ثالثا- الطبولوجيا

إن الدافع من وراء إقحام هذا الاصطلاح، منهجي ونابع من الحاجة إلى حل مسألة علاقة انبثاقات التعبير بالدلالة في وحدتها وتماسكها، ويعني جيران بالاصطلاح، المعرفة الخاصة بما هو هيئة أو إرساء لها في فضاء تعبيري محدد، ومهمة الطبولوجيا هي ضبط الانتقال نحو ما تنبثق منه أنواع المحل في النص، أو أنواع التعبير المختلفة، وقد أشار إلى الطبولوجيا باصطلاحين موازيين هما: التهيئة التعبيرية والتغطية اللغوية.
– التهيئة التعبيرية: ينهض هذا الاصطلاح على مسألة مهمة تتعلق بالتنامي النصي (بعده انتقالا من مستوى إلى آخر: الدلالة لا تمر نحو التعبير بعرض تطلباتها، أو جعلها أرضية يقام فوقها التجديل، لكن الطبيعة الانتشارية خاضعة لتشكل مؤسس وفق آليات تسمح بفهم كيفية نزوعها نحو الانتظام).
– التغطية اللغوية: ينهض هذا الاصطلاح على كون التعبير يتكفل بتجسيم الدلالة عن طريق التوسل باللغة ومتاحها (التعبير لا يحدث على نحو خطي وأحادي، بل من خلال إزائية تُموضع من خلالها تعبيرات مغايرة، إلى جانب ما تُثبته الذات التعبيرية نصيا).

رابعا – الرمزي:

أرسى الناقد عبد الرحيم جيران المقاربة التجديلية، إلى جانب ما ذكر سلفا من المكون الثقافي، بوصفه حاسما في تشكيل مستويات النص، ويرى أن استعمال الأساس الثقافي في المقاربة التجديلية، غير منظور إليه من زاوية التعليل، أو التفسير أو الأولوية، بحيث يظل المنتَج النصي مجرد عرض، بل يعد مكونا أساسا من مكوناته.
ـ الثقافة في منظور الناقد جيران ملتقى كل أنواع الفعالية البشرية، إذ تستودع تاريخها المتنوع، بما فيه الاجتماعي والسياسي والفكري.

جيران الناقد الخبيربالنصوص والنظريات:

إن القارئ المتفحص لمؤلفات هذا الأديب والناقد العربي، يخلص إلى أنه جمــــع فيها بين التأليف في فنون إبداعية متنــوعة، كالقصـــة والرواية والشــعر (سيرة شرفة، كرة الثلج، عصا البلياردو، ليل غرناطة، الحجر والبركة) من جهة أولى، وفي النقد والتنظير والتطبيق (علبة السرد: النظرية السردية من التقليد إلى التأسيس، في النظرية السردية:
رواية الحي اللاتيني مقاربة جديدة، إدانة الأدب، الذاكرة في الحكي الروائي: الإتيان إلى الماضي من المستقبل، المقاربة السردية السيميائية) من جهة ثانية، وهو ما يدفع بنا للتساؤل عن سر هذا الجمع بين الإبداعي والنقدي، والنظري والإجرائي.
يبدو أن الإجابة عن هذا السؤال ليست بالأمر الهين، بل تتطلب قراءة فاحصة لمختلف الأعمال التي دونها الناقد عبد الرحيم جيران، والتنقيب فيها عن الضمني وعدم الاكتفاء بالظاهر.

قيمة السؤال في المعرفة والشكل في الأدب:

لا مراء في أن الناقد جيران يولي أهمية للسؤال وقيمته، انطلاقا من تسخيره بغاية تعلم المعرفة، واكتساب الطرائق الخاصة بإنتاجها، ومكابدتها في ما تفرضه فضيلتها على الباحث من استنفار للحواس والمخيلة قصد تنمــــية الرؤية، وتعـــويدها على تدقيـــق النظــر، والتنبه إلى ما لم يتنبه إليه، والكشف عن مهارة الربط بين عناصر قد تبدو لأول وهلة وكأنها مفككة. يرى الناقد جيران، أن الأدب قد لا تكون صلته بالعالم انعكاسا، أو من عنصري الخارج والداخل وحسب، بل بواسطة الشكل الذي ينتهي إلى تحويل فعل الكتابة إلى موضوع لنفسه، يقول: «وما يتناساه أغلب من يتعاطى التنظير لوظيفة الأدب، أن صلته بالعالم قد لا تكون من باب الانعكاس، ولا من باب ثنائية الداخل والخارج، ولكن من باب التعبير عنها بواسطة الشكل، وهذا هو الأدب الرفيع، الذي لا يذهب نحو موضوعه على نحو مباشر، بل ذاك الذي يحول فعل الكتابة إلى موضوع لنفسه».
أما بخصوص المصطلح وتباين المترجمين فيه، فقد ذهب إلى اقتراح مصطلحات عربية حينا، والعمل على الأخذ بتعريبها حينا آخر، مع التأكيد على ضرورة الانتباه في نقل المصطلح من فضاء إلى آخر، فلدى أرسطو نجده يوظف البوطيقا والريطوريا عوض الترجمات المقدمة لهما كالشعرية والبلاغة والخطابة وفن الشعر وغيرها من المصطلحات، يقول: «ونظن أن هناك توسطا بين بوطيقا الكاتب وبوطيقا الناقد ماثلا في تراكم النصوص الفنية على نحو طبولوجي، وأن هذا التراكم يملأ المسافة بين نوعي البوطيقا المذكورين».
إن ما رامه الناقد عبد الرحيم جيران من ضرورة محاورة الغرب، لا الأخذ عنه وحسب، نجده بشكل جلي كذلك في مؤلفه النقدي الموسوم بـ«الذاكرة في الحكي الروائي: الإتيان إلى الماضي من المستقبل» إذ لا يكمن مسعاه في ترداد ما تزخر به الأدبيات الغربية من أفكار متصلة بمسألة الذاكرة، والاكتفاء بالبحث تطبيقا عن صدى لها في النص الروائي العربي، بل إن همه هو العمل على محاورتها انطلاقا من أسئلة خاصة تستند إلى تصور خاص يسمه بما عرضنا لبعضه سلفا. التجديلي التضافري» بما يعنيه من مراجعة لعدد من الأفكار النظرية التي سادت في النظر إلى الذاكرة، ومسعاه كذلك في صياغة خيارات أكثر إسعافا في فهم الذاكرة واشتغالها في فهم التخييل.
ولعل المقاربة الجديدة التي خص بها رواية «الحي اللاتيني» من الدراسات الرصينة، التي أبانت عن حصافته نقدا وتصورا، وجسدت نموذجا آخر لما يعده سلك طريق مخطئ بتوجه النقد العربي المعاصر على احتذاء كل أثر للفكر النقدي الغربي، أو اقتفاء ما تمور به التجربة الإبداعية الغربية، من دون تملّك الحس النقدي اتجاه المنتج الغربي، ولا تملّك ما رؤية معرفية قادرة على استيعاب ما يفد علينا.
وعليه، فإننا في حاجة إلى قراءات فاحصة لما جاء به الناقد عبد الرحيم جيران، ومسوغات ذلك، تستند إلى أدلة وحجج علمية. والمتأمل في مختلف اللقاءات التي قاربت أفكار الرجل وإبداعاته، رغم جدتها وأهميتها، إلا أن عدم الأخذ بها سيظل بمثابة هدر للزمن، ونأيا عن أفكاره ورؤاه التي سيتكفل التاريخ بإثبات مشروعيتها وصدقها.

٭ كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية