مع إغلاق الباب –ولو حالياً- أمام تنفيذ السيادة في مناطق الاستيطان في يهودا والسامرة وغور الأردن، حان الوقت للعودة إلى منطق الصهيونية العملية. وعلى الرغم من أن دولة إسرائيل سبق أن أقيمت في 1948، إلا أن الخلاف بين منطق الصهيونية السياسية ومنطق الصهيونية العملية يبقى حاضراً، وكأننا نعود إلى الثلاثينيات من القرن الماضي.
وأضح في النظرة التاريخية أن الميلين كانا ضروريين وصحيحين وأكملا أحدهما الآخر. في المكان الذي سُد فيه نمو المشروع الصهيوني في الميل السياسي، تواصل الميل العملي بزخم في الحقائق التي ثبتت على الأرض. ومع تخلي البريطانيين عن مشروع التقسيم للجنة بيل، بقيت الموافقة المصممة لبن غوريون على المشروع، وأصبحت تفوقاً سجل في البعد السياسي في صالحه. أما البعد العملي، فكان زخم إقامة مستوطنات السور والبرج هو الذي صمم المجال في انتشار الاستيطان اليهودي استعداداً للمستقبل. الميل العملي هو الذي ثبّت الفرق الجوهري بين المساحة الضيقة التي عرضت على اليهود في لجنة بيل في العام 1937 وبين المساحة الواسعة ببضعة أضعاف التي عرضت على الدولة اليهودية في مشروع التقسيم في 1947.
أعرب جابوتنسكي، الذي عمل أساساً بأفق الصهيونية السياسية، عن تساؤله عن مشروع السور والبرج. لم يكن واضحاً له كيف يمكن لبضع نقاط استيطانية منعزلة في تناثر على وجه الرحاب، أن تؤدي إلى احتلاله بكتلة حرجة من الوجود اليهودي. ولم تكن الفجوة بين بن غوريون وجابوتنسكي تتمثل فقط بالتفضيل الذي أعطاه كل منهما لإنجازات الأمر الواقع مقابل الإنجازات بالحكم الشرعي، بل وأيضاً بالشكل الذي نظرا به إلى المقياس الذي يقرر الوجود اليهودي في الرحاب. فقد قاس جابوتنسكي مدى الوجود بالكمية وبالتواصل الإقليمي، بينما أمسك بن غوريون، بفهمه الروسي، بالرحاب عبر شبكة التواصل المتشكلة فيه والمصممة له بشكل دينامي. يعبر هذا النقاش بكامل حضوره عما يلزم من دولة إسرائيل استئناف الزخم الاستيطاني في أرجاء يهودا والسامرة.
إن اقتراح الرئيس ترامب لتقاسم الرحاب في يهودا والسامرة وغور الأردن، وإن كان أزيل حالياً عن الطاولة، يلزم قيادة دولة إسرائيل بالاعتراف بالصراع الجاري على السيطرة في مناطق “ج”، بقيادة السلطة الفلسطينية. ليس مفاجئاً أن رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية هو الذي يستنفد منطق “الصهيونية العملية” في هذه الساعة. ففي عملهم في الرحاب، ثبتوا منذ الآن حقائق لا مرد لها. عندما تحددت مناطق “ج”، بتوجيه من رئيس الوزراء إسحق رابين ضم نحو 60 في المئة من مناطق “الضفة الغربية”. في ميل التوسع الفلسطيني، تقلصت هذه المنطقة عملياً بالثلث. في مداولات الكابينت التي جرت حول الموضوع قبل سنة، وجه رئيس الوزراء نتنياهو تعليماته لوقف الميل. ولكن قيادة المنطقة الوسطى والإدارة المدنية تركزان على سلم أولويات غير قادر على وقف الميل الفلسطيني. إن السبيل الصهيوني البن غوريوني هو السبيل الوحيد لاحتمال التحقق: إعطاء ضوء أخضر للاستيلاء على المناطق الحيوية من خلال مشروع الاستيطان الإسرائيلي.
في السعي إلى تصميم الرحاب بحكم الأمر الواقع، وبتوجيه من خارطة المصالح الإسرائيلية مطلوب ثلاثة ميول: إقامة مراع بانتشار واسع، وإقامة مدينة جديدة في قلب غور الأردن، على طريق “ألون” في منطقة “معاليه أفرايم – جيتيت”، ونشر شبكة طرق جديدة ومتطورة. وحيال الأزمة الاقتصادية والاجتماعية أيضاً تعرض الصهيونية العملية الربط الصحيح: استنفاد إمكانية البناء والاستيطان في الرحاب المفتوح كرافعة اقتصادية وكبشرى صهيونية منعشة وجارفة.
بقلم: غيرشون هكوهن
إسرائيل اليوم 2/9/2020