مقالُ ذكري الحرب
كمال سبتيمقالُ ذكري الحربأبدأ مقالَ ذكري الحربِ بالدموع كما تبدأ الأناشيدُ الحزينةُ والمراثي فأقول: لتُطبقِ السماءُ علي أرض بلادي لو أنها تُطبِقُ..ولن تموتَ بلادي. ليُصْبَغْ كلُّ جدار في مدن بلادي بلون الدمِ وليَعُمَّ الخرابُ ربوعَها..ولن تموتَ بلادي. لتأتِ الطائراتُ والدباباتُ وفرقُ المارينز والجنود المشاة والمظليّين ولتَنزلِ الصواريخُ والقنابلُ دِراكاً علي مدنها..ولن تموتَ بلادي. وليأخذوا عاصمتها وليشمتوا بنا وليُقيموا في الفندق الذي يحمل اسمَها مركزَ السي أي أي وليقولوا إنه الأكبرُ في العالم..ولن تموتَ بلادي. وليُهيّجوا الظلامَ كلّه..بغرائز المذاهبِ والطوائف..ولن تموتَ بلادي.ہہہ كانت لنا بلاد يحكمها دكتاتور. وكنا نريدها بدونه. وكان الأملُ ممكناً وماكان أحدٌ بيننا يجرؤ علي ذكر حربٍ أو احتلال.ہہہ إلا بعضُهم.. وكان يُعلنُ رأيه في استحياء.ہہہ كيف يُمكِنُ حرباً أن تأتي بأمل السلام ؟ہہہ أكتبُ هذا المقال بالدموع وقد عمّت الفوضي بلادي. وخُرِّبتْ مصانعُها وحقولها..ومكتباتها ومتاحفها وجوامعها وكنائسها.ہہہوقد قُتِلَ الألوفُ من أطفالها ونسائها ورجالها.ہہہ وقد اسودّتْ مناهجُ جامعاتها في كلِّ مدينة عراقية.وقد قُتِلَ وشُرِّدَ من أكاديميّيها وعلمائها عدد مَهُول..في الطبّ والهندسة والفيزياء والذرة والكيمياء والنفط وحقول الاتصالات وعلوم الصناعة والزراعة والفضاء والأدب والتاريخ والاجتماع..إلخہہہوقد اسودّتْ بلادي المؤسِّسةُ فناً وأدباً جديدينِ كلَّ حين. وقد اسودّتْ بلادي الثائرةُ ثوراتٍ اجتماعيةً كبري.ہہہوقد أضحتْ ملعبَ مخابرات دول الجوار وغيرِها.ہہہ وقد أُعلِنَتْ فيها حربٌ طائفية. وكان الشيعيّ فيها يستجير من الجندرمة العثمانية بسنيّ فيُجيره حتي لو قُتِلَ جرّاءَ إجارتِه إيّاه وحُرِقَ بيتُه. وقد ذكرتُ في مناسبة سابقة أنَّ قائداً إيرانياً غزا بغدادَ بجيشه وأراد أن يفتك بالسنة فيها فقام الشيعة بتسجيلهم علي المذهب الشيعي حتي يجنبوهم القتل.ہہہ بذا قالت بطونُ كتبِ التاريخ العراقيّ.ہہہ ولكنْ.. أيُمكِنُ احتلالاً أن يقودَ بلادي إلي الهاوية كلِّها ؟ہہہ لتُطبقِ السماءُ علي أرض بلادي لو أنها تُطبِقُ..ولن تموتَ بلادي.2 كلُّ حربٍ تمضي إلي غاياتها التدميرية كلها. كلُّ حرب.ہہہ حين تأتي الجيوشُ إلي بلدٍ فليس في قاموسها كلامٌ عن الرحمة في المعارك. ويحفظ الجنودُ تعليماً سافلاً منذ الأزل: إذا جُرِحَ رفيقك أثناءَ القتالِ فلا تنشغلْ به أو تُخْلِهِ حتي تنتهي المعركة. منظرو فنِّ السوق العسكريّ قالوا هذا.ہہہ فإذا كان التعليم الصارم يمنع الجنود من الاهتمام برفاقهم الجرحي حتي لو كانوا علي شفا الموتِ فما بالك بعطفهم علي جنودٍ أعداء ؟ أيُّ قلبٍ يبقي للعطف ؟ أيُّ ضمير ؟ہہہ بدأت الحربُ علينا. وبدأ مروّجوها بثَّ دعايتهم الحربية بيننا لمنعنا من قول آه من شدة ضربات الآلة الحربية الأميريكية. لأنها ضرباتُ محرِّرين. بل قيلَ للرئيسِ الأميريكيّ في مكتبه الأبيض إننا سنقدم لهم الحلوي.ہہہ أهذا “انزياح شعريّ” كما جاء به جون كوهين في “بنية اللغة الشعرية” ؟ أي أنه خروج عن قانون اللغة المتداول اجتماعياً سيُصَحَّحُ “حتي لا يكونَ خطأً لغوياً” بتأويل لاحق كما يري كوهين نفسه ؟ہہہ تحتلّ أميريكا البلدانَ المحكومةَ من دكتاتور والحالمةَ بالديمقراطية السلمية. فتبني لها ديمقراطيةً بالقوة. وحين يواجهها المأزقُ كلُّه ويكثرُ عددُ الضحايا وتتفكك البلاد تقول كان الدكتاتور يحكمها بالقوة أيضاً.ہہہ حتي متي يتمُّ تبريرُ الحرب ؟ہہہ كتبنا باكينَ أكثر مقالاتنا وقصائدنا ألماً ضدَّ الحرب. لم ننم لياليها وما قبل لياليها وما بعدها. جُنِنّا بمشاهدها وبما كتبناه عنها. وكان غيرنا يفكر في تقديم الحلوي للغزاة. بل أنَّ عدداً من مروّجي الحرب عكَسَ مبني الجملة في عقله: سيقدّمُ الغزاةُ له الحلوي لقاءَ ترويجه الحرب. وهذا ليس انزياحاً شعرياً بالمرة. إنه تأويل صُحِّحَ به الانزياحُ الأوَّل.3 في أيام الحرب كنت أفكّر في الجنديِّ المقاوم. في الشهيد حصراً.ہہہ كان المقاوِمُ محاصَراً من كل جهة بخطاب أميريكيٍّ معقّد مبثوث بلهجة عراقية. والجيشُ جيشَ عُتاةٍ فاشيّينَ “وأنا هارب منه”.ہہہ ماذا عن الجنديّ المكلَّف الذي مات يقاتل من أجل وطنه ؟ ہہہ أهو فاشيٌّ ؟ہہہ أكان سنياً كغيره الآن ؟ أم شيعياً كغيره الآن ؟ أم مسيحياً.. أم..إلخہہہ كم ألفَ جنديٍّ مثلِهِ قَتَلوا منا ؟ ولنقل كم ألفَ شهيدٍ ؟ ” أتتذكرونَ شهداءَ طريق الموتِ أثناءَ انسحاب الجيش العراقيّ من الكويت ؟”..كم ألفَ شهيدٍ كانوا ؟ بكي العالمُ كلّه لأجلهم. وإلاّ قليلاً منّا بكي.ہہہ دُفِعَ هذا الشهيدُ البريء إلي النسيان بخطاب ليس كمثله خطاب.ہہہ مما فعلته المقاومة الطائفية العشائرية التي أقف ضدها علي الدوام في ثلاث سنواتٍ هو أنها شوَّشت المشهد. هو أنها لم تجعل الناس يفكرون في حالهم حتي يستحضروا قيماً ثابتة في الضمير. شوشت المشهد وجعلت الناس مهمومين بدفع أذاها هي نفسها عنهم.ہہہ ألا يفكر العراقيون الآن في هذا الجنديّ الذي تصدّي للغزاة ؟ہہہ لم يكن غيره بريئاً يقاتل من أجل بلاده. وكلّ من فعلها في ما بعد فلأمرٍ كَذِبٍ. وكلُّ دعاة المقاومة ومناهضة الاحتلال تجنبوه. بل ذكروا في ما بعد قاطعي رؤوسٍ..شهداءَ في قصائد ولم يذكروا الشهيدَ البريءَ من الدكتاتور والتناحر الحزبيّ العراقيّ. ولكأنهم يتجنبون العراقَ الوحيدَ البريءَ من كلِّ عراقٍ صنعوه.ہہہجنديٌّ مكلف وليكن من البصرة والناصرية وبغداد والأنبار والموصل..إلخ قاتَلَ قوي الأرض والفضاء. قاتَلَ سحرةً غير مرئيين. وقُتِلَ من أجل ألا يدخلَ الغزاة.ہہہلكنهم دخلوا.. ولكنَّ دعاةَ مقاومة الاحتلال لا يذكرونه.ہہہحين تهدأ الحربُ المذهبية والعشائرية المستمرة منذ ثلاث سنين في أشكالٍ شتّي ويصفو المشهد وينتبه العراقيون لحالهم ويتذكرون الحكايةَ كلَّها: فإنَّ فيهم من لن يرحم المحتلَّ بنسيان الشهيد. حتي إن لم يكن بصراخ. ثمة من سيظلُّ يَصِرّ باسمه صريرَ الجنادبِ في آذان الغزاة..هولندا19 ـ آذار..2006شاعر من العراق0