الدار البيضاء والمعمار الكولونيالي في المغرب: أي مستقبل؟

إلياس الطريبق
حجم الخط
0

لا تخطئ عين الزائر لمدينة الدار البيضاء المغربية وتحديداً وسط المدينة حجم المعمار الأوروبي المتربع بهذه الحاضرة الأفريقية المتوسطية، معمار كولونيالي أنشئ على يد المعمر الفرنسي ما بين سنوات 1912 إلى غاية 1960 ليكون موازيا للمعمار التقليدي السائد في المدينة العتيقة، يتمتع ببنيته المفتوحة اقتصاديا واجتماعيا في مقابل بنية ساد الاعتقاد على إنها بنية مغلقة هي بنية المجتمع التقليدي داخل المدن العتيقة.

من مدينة صغيرة على ساحل الأطلسي تكاد لا تتوفر على ميناء للسفن إلى حاضرة من الحواضر الأفريقية والعربية التي ستشكل مختبراً من مختبرات الحداثة على كافة الأصعدة، كل هذا تحقق في ظرف وجيز لا يقل عن ربع قرن وبفضل سياسة عمرانية روعي فيها الجانب الفني والوظيفي قبل الجانب الاجتماعي ما دام المعمار هو أحد أسس تشكل الهوية وذلك من خلال أنماط العمارة والأشكال الهندسية المستوردة إليها من كافة أنحاء العالم.

اختلف المثقف المعماري المغربي في رؤيته وموقفه من هذا الإرث الكولونيالي الضخم الذي احتضنته مدينة بحجم الدار البيضاء لتنوعها وثرائها وانفتاحها على المستقبل؛ منهم من دعا إلى القطيعة معه بوصفه تراثا متجاوزا أو بوصفه العرض الذي انتهى زمنه بانتهاء فترة الوجود الفرنسي بالمغرب، ومنهم من ذهب إلى أبعد من ذلك ورأى في تجديده والتصالح معه بوصفه ذاكرة للمدينة ضرورة ملحة بعيداً عن أي خطاب أيديولوجي.

إلى جانب هذا الاختلاف يطرح المثقف المغربي سؤالا مقلقا يتعلق بمفهوم المدينة الميغالوبولية الذي طغى على مفهوم المدينة السلطانية التي ظلت تمثله مدن فاس ومراكش وسلا إلى وقت قريب جداً؛ وهو سؤال مقلق يجر المواطن المغربي إلى التساؤل عن جدوى هذه المدن الميغالوبولية في ثقافة المغربي الذي اعتاد تاريخه ونسيجه الاجتماعي على المدينة ذات الأسوار المنفتحة على المجال الطبيعي والمتمتعة بروح التضامن الاجتماعي والتكافل أكثر منه مدينة الأسمنت المسلح والحديد وطغيان سلطة التقنية الذي تمثله مدينة الدار البيضاء أو شيكاغو في المقابل مدن مراكش وفاس أو القاهرة.

ثم إنه لا ينكر أحد الدور الإيجابي الذي لعبته السياسة الاستعمارية في بناء مدينة المغرب الحديث وتجهيزها تجهيزاً يليق بها كحاضرة تجمع في كوكبتها القروي والمدني، البرجوازي والحرفي، المثقف والأمي، الحداثي والتقليداني؛ كل هذه الطوائف والفئات استطاعت أن تتأقلم وتتعايش في مدينة رسخت مفاهيم الهوية المتحركة في مقابل الهوية المتصلبة وذلك من خلال عمران متنوع يراعي الخصوصية الهندسية التي تمثل ثقافة الإنسان وحضارته وذوقه قبل أن يكون الهاجس الأول هو الإسكان.

إن الدعوة إلى إحداث القطيعة مع هذا التراث الإنساني وخاصة التراث المعماري الأوروبي الذي رافق الفترة الممتدة من 1912 إلى حدود 1925 أي (13 سنة) وهو التراث الذي كان يدخل ضمن رؤية البناء والتحديث والتمدين -مع الجنرال ليوطي الذي امتلك مقومات الرؤية الإنسانية والبناءة في مغرب الحماية رغم أنه عسكري ورجل مؤسسة عسكرية- دعوة نابعة من مشروع la décolonisation ودعوات التخطي والتجاوز كما حدث مع إسبانيا فيما يخص إقليم الأندلس وبقايا التراث العربي الإسلامي، دعوة أثبت المؤرخون الإسبان أنها لا تتصل بالبعد الثقافي والمقاربة الثقافية لاستمرارية الميراث الأندلسي، فدعوا إلى عدم احتقاره أو القفز عليه بوصفه مرحلة تمثل ضعفهم وتقهقرهم، بل طالبوا بإعادة بنائه وتجويده والنزوع به نحو كوسموبوليتانية تضمن انفتاحه على العالم واستثماره استثماراً حيويا يمكن لنا أن نلمس آثاره اليوم في كم السياح الذين يزورون إسبانيا خصيصا لمشاهدة معالم الأندلس والتقرب من قصصها وحضارتها.

الدار البيضاء أو الجزائر أو تونس وحتى القاهرة في مصر وبيروت في لبنان هي مدن لم تمتلك مصيرها بيدها في فترة من فترات تاريخها فكان لزاما عليها القبول بموجات التهجين والغيرية الآتية إليها من العالم المتحضر والتي فرضتها الحتمية التاريخية الحضارية المرتبطة بسياسات الاستعمار عبر العالم، حولتها من مدن ثابتة ومنغلقة إلى مدن متحولة ومنفتحة على الدوام، هذا التحول تجسد في الانتقال من المعمار الإسلامي إلى المعمار الأوروبي، ومن النمط التقليدي في البناء إلى النمط الحديث ومن النمط العشوائي المكثف إلى النمط المفتوح المنظم بحيث يكفيك أن تزور ميدان سليمان باشا سابقا بالقاهرة أو ساحة البريد المركزي بالجزائر أو وسط بيروت، لتتعرف على مدى أهمية هذا الميراث الذي انتقل إلينا بواسطة الاستعمار مع مراعاة الخصوصية المحلية لكل بلد وامتداداته التاريخية والجغرافية وما يتسم به من رؤى استراتيجية بنى عليها المعمر الأجنبي وجعلها قاعدة في سياسات البناء والتحديث.

تظل الدار البيضاء المدينة التي فتحت المغرب على روح الحداثة والتحديث، وقد تجسد هذا واضحا من خلال المعمار والهندسة العابرة للقوميات، فهي تشبه إلى حد بعيد شيكاغو ونيويورك بانفتاحها على المحيط الأطلسي الذي شكل نقطة وصل لها بالعالم أجمع، وبما وهبته للمعماريين من مختلف أنحاء العالم من قابلية أن تكون لهم متحفا مفتوحا لتجربة وتطوير الأشكال الهندسية الحديثة وروح الاكتشاف والمغامرة لديهم. ورغم ذلك ظلت المدينة وفية لجذورها الأفريقية والعربية ولم تتنكر لتراثها الأول المتجسد في مدينتها القديمة الشاسعة والمسجد الكبير وحي الحبوس والحي المحمدي الذي يشهد على أصالة المدينة في ارتباطها مع الشعب ومختلف طبقاته الاجتماعية والسكانية.

إن أي نظرة مستوحاة من الخطاب ما بعد الكولونيالي لا تستطيع أن تقفز على هذه الحقيقة المتجذرة في حيواتنا وارتباطنا الوجداني بمدننا سواء “الحديثة” أو “القديمة”. في المقابل تظل كل نظرة مستوحاة من المقاربة الثقافية ونظرية المثاقفة وقيم التسامح بعيداً عن التعصب أو الإدانة -تظل- هي الكفيلة بإعادة الروح إلى هذا الموروث وتثمينه والاستفادة منه مع اعتباره جزءاً لا يتجزأ من ذاكرتنا وحكاياتنا وأساطيرنا ومغامراتنا داخل فضاء المدينة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية