العراق: القوى الشيعية تتعجل إفشال حكومة الكاظمي للتنصل من الإصلاحات

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

إجراءات الكاظمي ليست وحدها سبب تذمر الأحزاب والميليشيات، بل زاد عليها موقف الشارع الشيعي الناقم على تلك القوى، بعد تكرار قيام المتظاهرين بحرق مقرات بعض الأحزاب الشيعية.

 

بغداد-“القدس العربي”: في تناقض مفضوح، تتصاعد الحملة المنظمة للقيادات الشيعية ضد رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي متهمين اياه بالفشل في إدارة الحكومة وتحميله مسؤولية انهيار الدولة والفساد والسلاح المنفلت، رغم قناعة الجميع بأن تلك القوى هي نفسها التي خلقت معظم أزمات العراق منذ 2003.

ومع أن الكاظمي هو مرشح القوى الشيعية لتشكيل الحكومة قبل نحو ثلاث أشهر، وانها وعدت بدعم إصلاحاته لامتصاص نقمة الشارع الغاضب عليها، إلا أنها سرعان ما تنصلت عن تعهداتها وكشفت مجددا تمسكها بالسلطة وسلاح الميليشيات ورفض التغيير والإصلاحات بل وخلق المزيد من المشاكل للحكومة، إضافة إلى الاستمرار في انخراطها ضمن المشروع الإقليمي الشرقي للهيمنة على العراق.

وفي موقف يعبر عن ضغوط واضحة من القوى الشيعية على الكاظمي، أصدر هادي العامري رئيس تحالف الفتح وزعيم منظمة بدر، بيانا تضمن تهديدات واضحة وتحميل الكاظمي مسؤولية تدهور الأوضاع في العراق، رغم أن كتلة العامري تضم معظم الأحزاب والفصائل الشيعية المسلحة المسؤولة عن إدارة وتدهور أوضاع البلد منذ سنوات، والتي ترفض الانصياع للدولة، بل تضغط عليها وتخلق لها الكثير من المشاكل لعرقلة تنفيذ الإصلاحات. العامري حذر الكاظمي “من دعوات صريحة للعنف والاقتتال قد تفتح باب الجحيم على العراق ويؤدي به إلى اللادولة” في اشارة إلى دعوات شعبية وسياسية للحكومة لنزع سلاح الفصائل المنفلتة. ولم يكتف العامري بذلك وإنما حث الحكومة على التصدي بقوة للمتظاهرين الذين هاجموا وأحرقوا مقرات الأحزاب الشيعية في الجنوب قبل أيام.

وكان الكاظمي، قد تمسك خلال الأيام الأخيرة، بسياسته التي تتعارض مع مصالح أحزاب السلطة، وخاصة تركيزه على “العمل بقوة لإعادة هيبة الدولة ورفع معنويات القوات الأمنية” فيما تعتبر القوى الشيعية والميليشيات، أن فرض هيبة الدولة يعني تحجيم نفوذها وسطوتها على الدولة، وهو ما كشفه الكاظمي عندما أعلن عن “وجود أطراف تعيش على الفوضى” مشددا على “عدم السماح لأحد بجر العراق إلى حالة اللادولة” وان “السلاح المنفلت وعصابات الجريمة والاغتيال والخطف هي خنجر في قلب الوطن”. كما واصل الكاظمي إجراءاته الإصلاحية ، منها تغيير بعض المسؤولين وتشكيل خلية عليا لمكافحة الفساد، والإعلان عن إنجاز التحقيق في ضحايا التظاهرات وإحصائهم لتعويض عائلاتهم ماليا، مع وعده بمحاسبة قتلة المتظاهرين.

ومما زاد في شرخ الخلافات بين الحكومة واحزاب السلطة، تعهد الكاظمي لعائلات المغيبين في العراق، لدى استقبال بعضها بمناسبة “اليوم العالمي للمغيبين” بانصافهم والتحقيق في هذا الملف، الذي تتحكم به فصائل مسلحة ترفض الإعلان عن مصير آلاف من سكان المناطق الغربية والشمالية المختطفين لديها.

وضمن السياق، فإن سياسة الكاظمي الخارجية في التمسك بالعلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية وتوجهه لحصول العراق على الكهرباء من الدول العربية وتنمية صناعة الغاز العراقي، يعني التخلي عن الاعتماد على الطاقة الإيرانية وهي أمور لا تسر حلفاء طهران طبعا.

وحتى تركيز الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكارون أثناء زيارته بغداد، على التدخل الإيراني في شؤون العراق وعرضه مساعدة البلد عبر مشروع مع الأمم المتحدة بخصوص سيادة العراق، قوبل برفض الأحزاب الشيعية التي عدته غير مؤثر في المشهد العراقي، رغم ترحيب واهتمام الكاظمي به.

وازاء توجهات الكاظمي التي لا تأتي كما تشتهي سفن القوى الولائية وإيران، لم يكن مستغربا استمرار مظاهر تحدي الدولة، عبر القصف اليومي بصواريخ الكاتيوشا، رغم توعد الكاظمي بملاحقة مطلقيها، إضافة إلى عودة مسلسل تفجير السيارات المفخخة في المدن واستهداف القوافل التي تنقل المعدات لقوات التحالف الدولي، في رسالة تعكس عدم رضا أحزاب السلطة والمليشيات عن الحكومة.

والحقيقة ان إجراءات الكاظمي، لم تكن وحدها السبب في تذمر الأحزاب والميليشيات، بل زاد عليها موقف الشارع الشيعي الناقم على تلك القوى، وخاصة بعد تكرار قيام المتظاهرين بحرق مقرات بعض الأحزاب الشيعية في المحافظات الجنوبية قبل أيام، والذي ردت عليه القوى الشيعية بعقد اجتماع عاجل لقادتها مع الكاظمي وتحذيره من فوضى آتية، ومطالبته بردع مهاجمي مقراتها “للحفاظ على هيبة الدولة والقانون” اللذان أضاعتها الأحزاب والميليشيات الرافضة للإقرار بإن موجة الغضب التي تسود الشارع سببها استمرار الأحزاب في تعطيل قانوني الانتخابات والمحكمة الاتحادية وعرقلة إصلاحات الحكومة وإعاقة محاسبة قتلة المتظاهرين، مع استمرار تمسك مافيات الفساد باستغلال امكانيات الدولة حتى آخر قطرة ، مستقوية بفصائلها المسلحة التي ترفض الانصياع للدولة وتؤكد ارتباطها بالمشروع الإقليمي.

وجاءت ذكرى عاشوراء (مقتل الإمام الحسين) ليوجه المشاركون في مراسم العزاء، جام غضبهم من خلال الشعارات واللافتات في المواكب الحسينية، على الأحزاب الشيعية التي أمعنت في سرقة أموال الدولة وقتلت المتظاهرين، بل ان “هيئة المواكب الحسينية” منعت، ولأول مرة هذا العام، الفصائل المسلحة والأحزاب، من إقامة مواكب ضمن مراسم عاشوراء، مما يكشف عمق الخلافات الشيعية بين أحزاب السلطة وميليشياتها من جهة وبين الشارع الشيعي المطالب بحقوق اغتصبتها أحزاب شيعية تدعي دفاعها عن الطائفة.

ويرى العراقيون أن أحزاب السلطة وميليشياتها، بدل ان تدعم إصلاحات الكاظمي، فإنها تصعد مساعيها وضغوطها لإفشال حكومته وإظهار عجزها عن معالجة الأزمات، بهدف احباط برامجها التي تتعارض مع مصالحها، تمهيدا لإسقاطها، مما جعل موقف الكاظمي في غاية الإحراج لكونه لم يتمكن حتى الآن، من تنفيذ وعوده للشعب بإجراء الانتخابات المبكرة ونزع السلاح المنفلت ومحاربة حيتان الفساد، وفي المقابل فإن الضغوط الأمريكية والدولية متواصلة عليه وتنتظر منه لجم الميليشيات المنفلتة والحد من تدخل إيران في شؤون العراق، أو أن تعيد النظر في دعمها له.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية