من المؤكد أن إيقاع الكتابة الأدبية العربية في العقد الثاني من الألفية الجديدة قد اختلف، وسوف يختلف أكثر، عما قبله، ولعل الرائي لها من بعيد أو من قريب سوف يتساءل: هل لأحداث «الربيع العربي» دور مباشر في الأمر؟ أم أن إيقاع العصر برمته راح يجتاح المنطقة، ويدخل في آلية إنتاج (ميكانيزم) الأعمال الإبداعية، بعد أن ظل فترة من الزمن يتراوح في الأفق الافتراضي.
الكاتبة القطرية فاطمة عبدالعزيز بلال، وبعد كتابها الأول «فنجان قهوة» الذي صدر العام الماضي، أصدرت حديثا كتابها الثاني «عندما ترتشف القهوة في المساء»، وتحت عنوان تمهيدي رمزي (8:30 PM)، حيث تقول مفسرة ذلك في تقديمها للكتاب: «الساعة الآن تشير إلى الثامنة والنصف بتوقيت الدوحة.. إنها أخبار المساء، وفي هذه اللحظة أمارس طقوسي اليومية، بارتشاف فنجان من القهوة.. ليس لمتابعة الأخبار! وإنما لكتابة ما يختلج في قلبي من كلام وأحاديث ووقائع تؤرقني.. ولكن بعيدا عن السياسة، فلا شأن لي بها ولا شأن لها بي»..
لقد عُرفت الكاتبة، حتى قبل تقديمها «القهوتين» لجمهور القراء، بتغريدها خارج السرب، وخارج النشرة الرسمية للأخبار، في ما يشبه الثرثرة «الجادة» فوق الورق، بجرأة استمدتها، على ما يبدو، من هامش الحرية في قطر، شاهرة قلمها ضد الفساد الإداري والمالي، ومن ثم اتسعت دائرة القضايا التي تتناولها، إلى المجالات الاجتماعية والإنسانية والوجدانية.. معلنة أن الكاتب الحقيقي إنما يستمد جرأته من شعوره بالمسؤولية إزاء القارئ.. وفي ما يلي نص حوار «القدس العربي» مع فاطمة عبدالعزيز بلال:
○ تضمّن كتابك الأول «فنجان قهوة» مجموعة مقالات، ثم جاء الثاني «عندما ترتشف القهوة في المساء»، كمجموعة قصصية، هل نتوقع أن يشكّل الكتاب الثالث نقلة نوعية باتجاه الرواية، كونها الأكثر انتشارا ومقروئية في العصر الراهن؟
• في الواقع أنا بصدد نشر كتاب باللغة الإنكليزية يحتوي بعض قصصي القصيرة كعمل ثالث، أما كتابة الرواية فتظل أحد طموحاتي، وقد بدأت بكتابتها بالفعل منذ فترة، وهي تحمل بعض الموضوعات المهمة التي غالبا ما أذكرها في العديد من مقالاتي وقصصي القصيرة، فارتأيت أن أضعها تحت سقف رواية، على اعتبار أنها الأكثر انتشارا ورسوخا في ذاكرة القارئ، لكنها بحاجة إلى وقت طويل وحبكة وأسلوب معين، لتوصيل المعلومة وتحديد الهدف بصورة حوارية وخلق الشخوص والغور في نفسية كل شخصية على حدة.
طقس الإبداع
○ «القهوة» رافقت كتابتك مرتين، ويبدو أن لطقس الإبداع أهمية خاصة لديك؟
• مازلت في بداية طريقي في عالم الكتابة، والكاتب مطلوب منه دائما وأبدا الغوص في أعماق الكتب المتنوعة، سواء القصص أو الروايات أو أي مجال يخدمه في هذا العالم، فلا إبداع من دون قراءة، خاصة أننا أمة «إقرأ».. أما بالنسبة إلى الطقوس اليومية التي تلهمني الكتابة فتأتي في مقدمتها القهوة، التي أحبذها دائما في حياتي، ولذلك سميت الكتابين الأولين لي بعنوان يشير إليها، وقد راق ذلك للكثيرين، ولكن ليس معنى ذلك أن كل كاتب عليه إدمان القهوة ليكتب، إنه طقس شخصي، فحتى في عملي اليومي أثناء الوظيفة، أحب شرب القهوة كي تساعدني على إنجاز ما يتم تكليفي به.
* تتميز كتابتك بين الكاتبات القطريات بارتفاع سقفها النقدي، لاسيما في طرح قضايا الفساد وفضحها، من أين تستمدين هذه الجرأة؟
– من وجهة نظري أن الكاتب من حقه أن يختار ما يكتب وينتقد، ولكن من دون المساس بشرف أو عرض أو دين، ينتقد الفعل دون الأسماء، خاصة في ما يتعلق بالموضوعات التي أذكرها حول المسؤولين والمديرين المتعنتين وفسادهم الإداري والمالي، لي قصدٌ واضح من ذلك وهو أن الإدارة أخلاق قبل أن تكون عملا، هذا ما أسعى إليه في كتاباتي التي في كثير من الأحيان تُفهم خطأ من قبل بعض أصحاب القرار، علما بأن حرية الرأي والتعبير كفلها الدستور الدائم لدولة قطر، وأيضا الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، فأنا أكتب وأنتقد الفعل فقط، وقد اتجهت إلى العمل الأدبي مؤخرا بعيدا عن الإدارة والمسؤولين، كما أن من ضمن توجهاتي في الكتابة الابتعاد عن السياسة، وقد قلتها في مقدمة كتابي الجديد إنه لا شأن لي بالسياسة ولا شأن لها بي.
○ لمـــاذا استــثنيت السياسة من دائرة الكتابة؟
• أنا أكره السياسة، وأحب طرح موضوعات الواقع اليومي وتفاصيله المعاشة، في البيت والشارع والمكتب، على شاشة الكومبيوتر واللاب توب والموبايل، فحديثي إلى القراء يشبه الدردشة والفضفضة بين شخصين، وفي الوقت نفسه أتناول الأخطاء والمثالب والثغرات المكشوفة والمتوارية في مختلف مناحي حياتنا المعاصرة، وفي المحصلة أرى أن كتابتي تصب لصالح الثورة على الفساد والمفسدين.
موجة الكاتبات
○ نلاحظ ظهور موجة من الكاتبات الشابات في الخليج، ربما تفوق نسبتهن نسبة الكتاب الشباب، ما السبب برأيك؟
• فعلا هذا الكلام صحيح، لقد توجه الكثير من الشابات الخليجيات إلى الكتابة، وانخرطن في العالم الأدبي، خصوصا الرواية، كالروائية القطرية الشابة إيمان حمد، بالإضافة إلى كثير من الروائيات اللاتي يحملن الملكة الأدبية في الخليج، وهذا يدل على مدى ثقافتهن وامتلاكهن الأدوات التي تؤهلهن للكتابة والخوض فيها، وهن يستحققن بجدارة الدعم والتشجيع على الاستمرار، ولكن، وللأمانة، هناك أيضا كتاب خليجيون شباب برزوا في الآونة الأخيرة عبر كتاباتهم المميزة، كالروائي الكويتي سعود السنعوسي والروائي السعودي محمد حسن علوان وغيرهما من المبدعين على صعيد الرواية العربية الخليجية.
○ كيف تنتقين موضوعاتك، وكيف تبدأ لحظة الكتابة لديك؟
• في كل مرة ثمة شرارة بطريقة مختلفة، أحيانا أشاهد موقفا عابرا هنا أو هناك، أحيانا تأتيني رسالة عبر الإيميل، فتتحول إلى مقالة أو خاطرة كتابية أو قصة قصيرة.. سمّها ما شئت.
○ تستندين إلى بعض العبارات أو الأمثال الشعبية في سياق السرد، هل تتعمدين ذلك أم أنها تأتي عفو الخاطر؟
• أثناء كتابتي الصحافية وجدت أن القراء يتفاعلون كثيرا مع هذا الأسلوب القريب منهم، والذي يحاكي خبراتهم في الحياة، وربما أشرح بعض هذه الأمثال القديمة، التي لا يعرفها أبناء الجيل الحالي.
القانون والأدب
○ أنت خريجة كلية القانون بجامعة قطر، وثمة علاقة بين القانون والأدب، كيف تفسرينها؟
• أنا أعتقد أن ثمة علاقة ما بين القانون والأخلاق.. وأظن أن الأدب موهبة تتفجر في أعماق الإنسان عندما يشعر أن ثمة حاجة إليها من قبل الآخرين.. لعلها الحاجة إلى قيم الحق والخير والجمال.
○ في كتابك «فنجان قهوة» مقالة وجهتها إلى والدك، إلى أي مدى يمكن أن يؤثر تشجيع الأهل في دفع موهبة الأبناء إلى الأمام؟
• لقد كان لتشجيع والدي تأثير كبير في اتجاهي نحو الكتابة، ولايزال ذلك التأثير حتى الآن، رغم أنه – رحمه الله – رحل عن دنيانا منذ عشر سنوات.. كان أبي بالنسبة إليّ بمثابة السفينة وسط أمواج البحر.. كان يشجعني على القراءة والكتابة، وكان يتمنى أن أصبح محامية لكي أدافع عن قضايا الناس، ولعلني بكتابتي هذه أفعل الشيء ذاته.
○ قد يفهم القارئ من إحدى قصصك القصيرة وهي «الخيل والهيل» ضمن مجموعة «عندما ترتشف القهوة في المساء» أنك تغمزين من قناة الصورة المثالية للرجل العربي، تلك التي صوّرها الشاعر المتنبي في بيته الشهير «الخيل والليل والبيداء تعرفني»، ليتحول البيت لديك إلى «الخيل والهيل والبيزات تعرفني»، هل هذا يعكس موقفك من الرجل الشرقي عموما؟
• عندما قمت بتشريح تلك الصورة الأسطورية للرجل «المنفوخ» من الخارج، وهشاشته من الداخل أمام مغريات الواسطة والمحسوبية وغيرها.. كنت أنتقد ظاهرة اجتماعية أخطر، تتجاوز تلك الازداوجية لدى الرجل الشرقي، فقد وجهت في قصة أخرى، من الكتاب نفسه هي «نأسف على الإزعاج»، سهام النقد اللاذع إلى المرأة «المتغطرسة» التي تستغل موقعها الإداري في المؤسسة التي تعمل بها، تلك الـ «سعيدة جدا بمركزها المرتفع.. رغم انكسارها اللامحدود عند العتب عليها بعض الشيء على عملها.. عندما يتم توبيخها (تمد البوز شبرين) وتقف بافتقار وكأنها مسكينة»!
حلم الكتابة
○ من هم الكتاب الذين تقرئين لهم عادة؟
• أقرأ للروائي البرازيلي العالمي باولو كويلو، وأرى أن روايته «الخيميائي» إحدى عجائب الأدب، وقد كنت أتراسل معه عبر الإيميل، وأذكر أنه قال لي ذات مرة: فاطمة. لا تتخلي عن أحلامك أبدا! وكان يقصد «حلم الكتابة».. كما تعجبني كتابات الروائي القطري عبدالعزيز آل محمود، ولاسيما روايته «القرصان»، وروايات أحلام مستغانمي «ذاكرة الجسد» و»فوضى الحواس» و»عابر سرير» وغيرها..
○ نشرت كتابك الأول عبر مطابع سباير بالدوحة، والآن تنشرين كتابك الثاني خارج قطر، في الدار العربية للعلوم ناشرون ببيروت، ما مدى أهمية اختيار دار النشر بالنسبة إلى الكاتب من وجهة نظرك؟
• اختيار دار النشر هو أهم مرحلة بالنسبة إلى الكاتب، فكلما كانت دار النشر قوية وذات سمعة طيبة زادت فرصة نجاح الكتاب، واختياري للدار العربية للعلوم ناشرون ببيروت كان موفقا، ولله الحمد، نظرا لسمعتها وخبرتها في مجال طباعة ونشر الكتب، وقد أخرجت ونشرت العديد من الأعمال لكثير من الكتاب المشهورين في الوطن العربي، وأتطلّع للتعاون معها في المستقبل القريب، مع أعمالي الجديدة بإذن الله تعالى.
حاورها: عبدالله الحامدي