الكتابة عند المغربية لطيفة باقا… مداعبة اللغة وأثر مفتوح

حجم الخط
0

ليست الكتابة عند لطيفة باقا إلا امتدادا لشيء وبداية لشيء آخر. إنه فعل صيرورة واتصال. إن فعل الكتابة، لفعل خَلق ووجود، وإطلالة للكاتب من أعلى شرنقته الحريرية، ليظهر له الحرف أبسط وفي أبعد معنى وأزهى حُلّة. نصوص باقا لا تصطحبك حيث المعتاد، بل هي قاطرة إلى أقصى الوجود. إلى حافة الكون، حيث السديم يشكل نجوما/كلمات جديدة. سوبرنوفا/النص تنفجر لتترك مجالا أرحب للقارئ. ليلج المساحة وتجذبه إليها. كما يجذب الثقب الأسود الضوء. فتسحبك إلى البُعد الحادي عشر. بُعد ما بعد الزمان، ما بعد الحداثة النصية، إلى لذة النص وتذوق طعم الكلمة العذبة واللذيذة.
يجذب البروتون إلكترون إليه في حركة لامتناهية وغير منفصلة، هذه هي العلاقة التي تجمع بين القارئ/الإلكترون والنص/البروتون. النص هنا، نص لطيفا باقا الذي يلتحم والقارئ ليشكلا النواة الأولى، نظيرة الهيدروجين، سريعة الانفجار. ما عليك إلا أن تشعل أول رغبة بالقراءة، وأن تفتح أول صفحة في مجموعاتها القصصية، «ما الذي نفعله؟» منشورات اتحاد كتاب المغرب 1992 الحائزة جائزة الأدباء الشباب (دورة 92) والمجموعة القصصية الثانية بعنوان «.. منذ تلك الحياة» منشورات وزارة الثقافة المغربية سنة 2005 و»غرفة فيرجينيا وولف» دار تبقال للنشر 2014، حتى تنفجر فيك اللهفة للقراءة، كشخصين في هيجانٍ على سريرٍ. السرير هنا،
الورقة… الورقة التي خُصِبَت بحبر اللغة.
اللغة/الأناقة، أناقة لاعبٍ يوضب نفسه في حب قبل الولوج لأرض الملعب/النص. فبكم يا ترى من قلم وممحاة رُسم هذا الملعب؟ الكتابة هنا مراوغة للّغة، ومداعبة للكلمة، بحذر مرهف. تقيس لطيفة باقا نصها بعناية، وبعيني لاعب محترف، يمرر الكرة/الكلمة، إلى موضعها المناسب من دون أي «إنش» من الخطأ في الدقة.
«أطبخ يوميا الأطباق نفسها مع تنويعات شاحبة لا تنجح كثيرا في الإيهام بالتغيير، نجلس للأكل بلا شهية، بلا ضجيج، بلا أولاد، بلا سعادة».» ص 61- غرفة فيرجينيا وولف»، اللغة هنا مرآة للغة.. إنها مرآة صافية. تعكس دقة الاختيار اللغوي واللفظي. ومرونة النص الباقاوي (إن صحّ النسب).. هذا المقطع المبتور من قصة «غرفة فيرجينيا وولف» الركن السادس من المجموعة القصصية للطيفة باقا، الحاملة للعنوان نفسه، اكتمال للرونق اللغوي وتأثيثٌ للغة، وتوضيبٌ لها، وللفظ. استعمال كلمة «شاحبة» المرادفة لـ»التنويعات»، خلطة سحرية في كيمياء اللغة عند باقا. تجربة نضجت في مختبر القصة القصيرة. وأتت أُكلها. إنها ثمرة حلوة المذاق وطيبة الرائحة، المذاق هنا طعمٌ تتحسسه في أقصى مجاز الرأس، والرائحة هنا، رائحة عبق الكلمة المناسبة الفائحة من النص.
لكل ركن/القصة – هنا- توطأته/عتبته الخاصة.. تأخذك كل واحدة منها إلى زاوية من الزوايا التسع لغرفة فيرجينيا وولف التي كانت تحلم في امتلاكها. لعلها تبدع أكثر. «من الضروري للمرأة أن تمتلك بعض المال وغرفة خاصة، إن أرادت أن تكتب عملا روائيا» (فيرجينيا و.) . الغرفة التي لم تمتلكها وولف، ها هي باقا توضبها بعناية قاصة، وتؤثثها وتزركشها وتفرشها باللفظ والجملة المرمرية، السهلة والصعبة في آن. إنها لعبة إبداع، «بوزل» اللغة، ترتيب الجمل، كلمة كلمة بعناية، ومقتبسات/عتبات/توطئات من حبر فيرجينيا جاعلةً منها مدخلا لكل غرفة/قصة من غرفها التسع (مجموع قصص المجموعة القصصية). إنك لن تلج -إذن- عالم باقا إلا عبر عتبات فيرجينيا وولف.
إن اللغة لتقفُ عرجاء، تتمايل كآخر شرّيب في حانة ليلية، غير قادرة على الوصف، وإنارة معنى ما أصبو إليه.. إنني بحاجة ملحة، لقاموس جديدة، وفانوس شعري. لعلي أنتصر على اللغة المغلوبة/والغالبة وأنا أحاول جاهدا، إشعال مصباح الوصف لإضاءة نص لطيفة باقا.
إنك لتصاب بالدهشة، دهشة لقاء حبيبين، وأنت تجول بعينيك بين الجمل. إنها فورة اللغة، تلك التي يتصاعد دخانها بين الكلمات../ لننصت إذن للصوت/صوت الكلمة: نقرأ في نص «تفاحة آدم» من المجموعة القصصية «غرفة فيرجينيا وولف» ص34. «العاشقان يجلسان فوق الطوار. بحركة أنيقة يدفع الفتى بأصابعه خصلة من شعرها ويحيط خصرها بذراعه ليهمس شيئا ما في أذنها. شيء يفرحها ويغضب كل المواطنين الذين ينتظرون التاكسي… «رجلي الجميل» ينظر إلى ساعة يده… لو كنت رجلا وكان امرأة لتحرشت به، بأن أبتسم له أو أفتعل حوارا سريعا أو أرتطم به في الزحام أو أسقط حقيبتي وأدعه يلتقطها (ماذا أقول؟ الرجل لا يحمل حقيبة! الإشكال فيما يبدو يمكن في أنني لا أستطيع أن أحس بمشاعر رجل ولا أن أتكهن بأفكاره وبالتالي لن أنجح في معرفة كيفية التحرش به)… نهرت نفسي عن هذه الأفكار المنحرفة وحاولت أن أفكر في الأسباب التي تجعل الرجال أكثر «إيجابية» منا ويجعل الحيوان المنوي «الوقح» هو الذي يبادر البويضة «الدريويشة». التحرش في الحقيقة ليس أمرا إيجابيا بالمرة وأنا كامرأة مريضة لديها كرامة وعزة نفس، لا ينبغي أن يعجبني ذلك وينبغي أن يتعكّر مزاجي كلما حاول رجل ما التقرب مني بغير إرادتي. إلا إذا كان ذلك الرجل هو صاحب تفاحة آدم، التي تدفع الآن ربطة العنق السوداء بوتيرة أسرع وهو يكلم شبيه الزموري. ينتهي إلي صدى ضئيل من صوته».
إنها سلاسة في الحكي/السرد، والانتقال من المشهد، إلى صوت الحاكي الداخلي، ثم العودة إلى السرد، إضافة للوصف للمحيط في المشهد، إنها بانوراما سينمائية. سرد بعيني نسر، يحلق عاليا بثبات.. تسرد لطيفة باقا المشهد كمصور هوليوودي محترف… إن اللغة حرفة لها قواعدها وآليات ضبطها، إنها حرفة لا تُدرّس على مدرجات الجامعة، وآلياتها لا تورث… إنها تُؤخذ بالقوة، بإرادة القوة… إنها نتشوية الفعل.. المبدع هو ذئب وقع في مصيدة يثب دائما نحو الأعالي ( نيتشه- هكذا تكلم زرادشت)، الإبداع هنا، اللغة والسرد والوصف، ثلاثية باقا. والمصيدة، مصيدة القصة القصية، ما إن تتمكن منك حتى تتمكن منها، إنها متلازمة، قد أحدثت «كروموزون»ها في الحمض النووي للطيفة باقا.
البُعد الزمني والسردي:
الزمن حركة في مكان..
الانتقال الزمني عند لطيفة باقا، هو مخيالي بالضرورة أكثر منه حركيا. في «غرفة فيرجينيا وولف» (القصة) كان كافيا أن تستعمل أفعال مضارعة مجردة أو مرتبطة بحرف التسويف (س) لتنقلك، يا أيها القارئ، إلى الزمن الذي هي تريد.. وإن كان التتابع enchainement والتضمين enchâssement الشكلين المهيمنين في العديد من أنواع السرد والحكي، فإن تودوروف أضاف شكلا ثالثا، وهو التناوب alternance، الذي فيه يتم حكي قصتين في آن عن طريق التناوب، واستنتج أن هذا الشكل الأخير قطع كل صلاته بالحكي الشفوي الذي لم يعرف التناوب… التناوب هو سمة قصص لطيفة باقا، حيث تتداخل الحكايتان في قصة واحدة، كأنها إطار داخل آخر «غرفة فيرجينيا وولف»، أو إطارين داخل إطار واحد أحيانا «إلى أين تتجه هذه الحافلة؟». هذا الانتقال من إطار لآخر يحتاج لحس احترافي في ميكانزمات اللغة، وضبط الظروف الزمنية للقصة..
القصة هنا، هي القصة القصيرة التي هي من أرقى فنون الأدب، وأشدها انتشارا، وتشكل شكلا فنيا مثلها مثل الروية/الجنس الأم/ مع بعض الاختلافات الجوهرية من حيث البنية السردية. إن كان كذلك، «فإن الجملة الاستهلالية تأتي حول العالم اللازمني للمرئي والحضور المحترم لشكليته، أو بتعبير آخر، ثمة فضاء قبل كل شيء، أي نسبية آينشتاين خالصة».
«أتخيلني في الآتي من الأيام» (ص 49)، هذه الجملة التي استهلت بها لطيفة باقا -وبدقة اختيار- لتنقل الفضاء الزمني للسرد من الحاضر «المرأة أمام المرآة» إلى المستقبل، مستعملة فعل (رأى) مرتبط بضمير المتكلم في زمن الحاضر (أراني) للدلالة على الانتقال إلى المستقبل المخيالي، مباشرة بعد استعمالها للجملة أعلاه.. جملة بسيطة وغير مركبة الإيحاءات والدلالة.. هذا الانتقال من الحاضر إلى المستقبل أو العكس، داخل القصة.. كان يستلزم من باقا استعمالها لألفاظ خاطفة وثابتة وناقلة لذهنية القارئ (الآن.. أتذكر.. أفترض.. الشيخوخة.. (س).. الحاضر… إلخ..).
ضمير المتكلم: أرني.. أتخيلني.. (ص 49)
ضمير الغائب: وعندما يعود من الخارج (ص 51)
الانتقال:
من الحاضر إلى المستقبل: أفكر أن زوجي متقاعد (ص50)
من المستقبل إلى الحاضر: أعود إلى نفسي.. (ص 51).
والقصة القصيرة عند لطيفة باقا لا تنحصر في بعد زمني واحد أو بعد اجتماعي واحد أو صوت حكائي وسردي واحد.. بل هي خليط ومجموعة أصوات زمنية واجتماعية وحكائية، تتنوع باختلاف الفضاء السردي والفضاء الزمني للقصة.. كل قصة هي تعبير غاية في ذاته على أزمة مؤقتة.. غير مختلفة على الرواية رغم قلة الشخصيات أو المسببات الاجتماعية.
الأثر عند باقا والقارئ:
قد يبدو للوهلة الأولى، للبعض، أن الولوج لعالم القصة القصيرة سهل ومبسط ومعبد بالورد.. وواضح السُبُل. هنا نُحالُ إلى التساؤل مع عبد الله العروي، ما هي القصة القصيرة؟ أو (الأقصوصة) كما هو يحبذ تسميتها، اختصارا. يجيبنا العروي قائلا: «هي [أي الأقصوصة] إيحاء فكرة إحساسية بواسطة منظر متحرك. إيحاء.. لا تصريح وإلا كان مقالا صحافيا. فكرة إحساسية، أو غير واضحة يمتزج فيها الفكرة والعاطفة ولا تتجلى تماما في آخر الأقصوصة وإلا انحدرنا إلى مستوى الفن المجرد. منظر إنساني متحرك، أي يتعدى المنظر الطبيعي ويتولد بين أول الأقصوصة وآخرها شيء جديد». هذه هي طريقة باقا في تناول أقصوصاتها. بإدراك منها أو بدونه، فهي حرفة تمكنت كل منهما – الكاتبة والحرفة- من بعضهما بعضا.
أن تكتب يقول سارتر، يعني أن تلتزم بالحاضر ومن أجل الحاضر، الكتابة فعل وليست وعدا بأثر أو بنتاج أدبي. يأتي مثل هذا التصور الخاص بالعمل أو الأثر نقيضا لما نجده عند كتاب آخرين من أمثال حنة أرنت أو بول ريكور. إذ يعتبران أن وجهة الآثر الأدبي هي المستقبل، أكثر ما هي نحو الحاضر. إذ تؤثر على الأجيال اللاحقة أكثر مما تؤثر في زمان حدوثها. والعمل الفني كما يقول أمبرتو إيكو «هو من جهة موضوع يمكن أن نجد له شكله الأصيل كما تصوره المؤلف، وذلك من خلال مظهر الآثار التي تحدثها على عقل المستهلك وإحساسه، وهكذا يخلق المؤلف شكلا مكتملا بهدف تذوقه وفهمه مثلما أراد هو، لكن ومن جهة أخرى فإن كل مستهلك وهو يتفاعل مع مجموع المثيرات، وهو يحاول أن يرى وأن يفهم علاقاتها، يمارس إحساسا شخصيا وثقافة معينة وأذواقا واتجاهات وأحكاما قبلية، توجه متعته في إطار منظور خاص به».
تجربة لطيفة باقا الجديدة في مجموعتها القصصية «غرفة فيرجينيا وولف»، تحتاج من القارئ ذهنية خاصة، فكل قصة قصيرة رواية، استغنت لطيفة على إطالة سردها وتفصيل حوادثها. إنها عمل فني مفتوح، وأثر في الحاضر بقدر ما هو مفتوح على المستقبل. إن الكتابة/الفعل/العمل/الأثر عند باقا يتضح انفتاحه على المستقبلي.. بتجربتها (أي باقا) الفريدة في النسيج الأدبي. تختلف باقا عن باقي القاصين المغاربة، مثلها مثل مليكة مستظرف.. بحدة العمق الحكائي ورونق البعد السردي، الذي يزاحم ويتدافع، والعالم الذكوري الذي احتكر بفعل القوة، و»الغفلة» عالم الأدب و»الأقصوصة».. هذا التزاحم بقوة الأدب، والتدافع بأياد من حديد، بمعية الراحلة مليكة مستظرف. يكرس لفهم جديد لفعل الكتابة «النسائية» الذي لا يختلف أبدا عن الكتابة «الذكورية».. التي حاول البعض، إن لم نقل الأغلبية، الدفاع عن النظرية الواهمة بكون الفعلين مختلفين.. وأنت والج بقوة فعل القراءة، لنصوص باقا، تنمحي من مخيلتك هذه الفكرة الساذجة الانفصالية.. التي تحاول جاهدة التفرقة (لشيء في نفس يعقوب) بين الفعل النسائي والذكوري.. فالفن الأدبي هو واحد.. والأثر يختلف من كاتب لآخر.. الأثر الذي تتركه لطيفة باقا، من بعد الانتهاء من تناول حلوى نصوصها، خاصة أخير أبنائها الأدبيين (غ. ف. و.)، أثر لا يفارق الذاكرة، ويتحد مع حواسك. خالقا فيك حاسة سابعة، حاسة العطش للعودة والعودة لعالم الغرفة، التي داعبت أصابع باقا جدرانها بعناية. العناية هنا، عناية مصمم/أديب محترف.. الاحتراف هنا احتراف اللغة والسرد..

٭ كاتب مغربي

عزالدين بوركة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية