يقدم اعتقال محمود مقداد، من سكان “سيغف شالوم” الذي خطط لزرع عبوة ناسفة في مفترق “بيلو” دليلاً آخر، ليس أول، على المساعي التي تبذلها حماس لتنفيذ عمليات في قلب إسرائيل.
يدور الحديث عن عمل خفي عن العيان، يدور على نحو منفصل عن المعركة التي تخوضها المنظمة في غزة. وبينما تحرص حماس في القطاع على سياسة منضبطة تشهد على ردع إسرائيلي قوي وامتناع واضح عن جولة مواجهة أخرى، للسماح بإعادة بناء غزة مدنياً، فإنها تبدي جسارة كبيرة واستعداداً لسير شوط بعيد، في النشاط الإرهابي الذي تقوم به في أعماق إسرائيل.
تسارع هذا الجهد في السنوات الأخيرة بعد صفقة شاليط، وأداره من الخارج صالح العاروري وهو أحد محرري شاليط، الذي استقر في تركيا، حيث وجه النشاط الإرهابي إلى المناطق. وبواسطة الجهاز الذي بناه، أقام العاروري اتصالاً مع نشطاء حماس في المناطق، وسعى بواسطتهم لإقامة شبكات محلية تنفذ عمليات في الضفة وداخل الخط الأخضر. لقد كان العاروري – الذي انتقل حالياً من تركيا إلى قطر ومن هناك إلى لبنان – طموحاً جداً بتطلعاته، ولكنه محدود في إمكاناته. رغم الجهود العظيمة التي بذلها (والتي أسندت بميزانية عالية)، لم يحقق هدفه في “إغراق إسرائيل بالدم”. ولكن القيادة التي يقودها لا تزال فاعلة في عدة دول، ومنها تركيا ولبنان، غير أن نجاعتها متدنية جداً، بفضل إحباطات المخابرات الإسرائيلية التي وضعت يدها، في الأغلبية الساحقة من الحالات، على الشبكات والنشطاء والوسائل القتالية قبل أن تتحد لتنتج عملية مضادة.
دفعت إخفاقات العاروري المتراكمة قيادة حماس إلى نقل مساعي توجيه العمليات إلى غزة. وفي غزة أيضاً يتركز هذا النشاط في أيدي محرري شاليط الذين أبعدوا إلى غزة، والذين يقيمون علاقاتهم الإرهابية المتفرعة في الضفة وبين أبناء الأقليات في إسرائيل، مثلما تفيد الحالة الأخيرة. ويتم هذا التوجيه بعدة طرق: التعليمات المباشرة والمشفرة، ووسائل تكنولوجية مختلفة، وعبر نقل رسائل مكتوبة من خلال رسل، وأبناء عائلة، وفلسطينيين يتلقون العلاج الطبي في إسرائيل، ورجال أعمال، وحتى استغلال جهات بريئة، كأوساط العرب الإسرائيليين ممن لهم علاقات عائلية مع القطاع.
لقد طورت حماس أساليب تشغيلها لتصبح فناً. وهذا يضع مستوى عالياً جداً أمام المخابرات الإسرائيلية، التي اضطرت للتصدي في 2019 لمئات عديدة من محاولات العمليات للمنظمة في الضفة، بتوجيه من غزة. أما حقيقة عدم نجاح أي من هذه العمليات فتفيد بمدى نجاح أعمال الإحباط، وبمدى التهديد أيضاً: تكفي عملية واحدة تملص من تحت الرادار كي تخلق تصعيداً واسعاً.
من الصعب على المرء ألا يعجب بالسياسة التي توجه خطى حماس في مساعيها في دحرجة العمليات نحو قلب إسرائيل. فعملية واحدة كهذه نجحت، وهي اختطاف وقتل الفتيان الثلاثة في 2014، ثم تدحرجت إلى تصعيد في قطاع غزة انتهى بحملة “الجرف الصامد”. لقد خرجت حماس من هذه الحملة مضروبة، ومرضوضة وملجومة لسنوات طويلة، ولكن يبدو أنها لم تتعلم الدرس. فالعملية الأخيرة التي أحبطت تفيد بأنها تواصل الآن أيضاً هذه السياسة ذات الوجهين التي قد تقتادها إلى مطارح لا مصلحة لها فيها، وتؤدي بغزة بشكل غير مباشر إلى الخراب الذي تجتهد حماس لأن تمتنع عنه بشكل مباشر.
بقلم: يوآف ليمور
إسرائيل اليوم 8/9/2020