اعتقال محسن العواجي لانتقاده وزيرا: هل تستطيع السعودية اصلاح نفسها؟
ماجـد حـبـتـهاعتقال محسن العواجي لانتقاده وزيرا: هل تستطيع السعودية اصلاح نفسها؟ كالعادة…سنعترض وننتقد، ونعتبرها محاولة لتشويه صورة المسلمين والعــــرب، لو رأينا مشــــاهد شبيهة في فيلم أمريكي.صحافيون مصريون تصدر أحكام بحبسهم تباعا في جرائم نشر، ومسؤولون كبار يعلنون في ثقة واطمئنان أنهم يعيشون أزهي عصور الديمقراطية.ومثقف سعودي إصلاحي ينتقد وزيرا، فيتم اعتقاله، فيما مسؤولون سعوديون كبار لا يملون ليل نهار من الحديث عن الإصلاح، وفيهم الوزير الذي طاله الانتقاد.وما يحدث في مصر والسعودية، يحدث في كل البلاد العربية.. وكلنا في الهم والغم والقهر والشر.. عرب!يكفي مشهدان متقابلان، لنصدر حكما بانحياز الفيلم الأمريكي ضد المسلمين والعرب، وقد نتهم منتجيه ومخرجه وأبطاله بالعمالة لكيانات تعادي العرب علي رأسها الكيان الصهيوني، فهل نمتلك الجرأة ونلقي الاتهام نفسه علي من يصرون علي تحقيق تلك المشاهد واقعيا، ويعطون لأصغر موظف في الإدارة الأمريكية حق لوم أكبر الرؤوس في العالم العربي وتأنيبهم وتوبيخهم وإعطائهم الدروس عن الحرية المهدرة في بلادهم، وعن معاناة المواطنين في تلك البلاد من غلبة الفقر، وقهر الأنظمة؟!!وضع المملكة شديد الحساسية، وعلاقتها بالولايات المتحدة شديدة التعقيد، ولا يمر أسبوع دون أن نقرأ تحليلا أو كتبا تستعدي الإدارة الأمريكية عليها، وتكفي الإشارة إلي أن الفصل الأخير من كتاب ريتشارد بيير النوم مع الشيطان ، عرض بمنتهي الدقة مخططا لغزو المملكة العربية السعودية، والشيطان الموجود في عنوان الكتاب هو المملكة الذي تشرح كل فصوله كيف أن الولايات المتحدة أجبرت علي النوم معه طيلة السنوات الماضية!العجب والتعجب والدهشة والاستغراب هم أبرز العلامات في أداء النظام السعودي، الذي يجتهد في إثبات رفضه للإصلاح وقمعه للإصلاحيين، وفي كل مرة يري العصا الأمريكية الغليظة، لكنه لا يتردد ويواصل قمعه بصور تتجدد، ويواصل سيره عكس اتجاه الإصلاح ويزيد سرعته حتي فاجأنا باعتقال رمز من رموز الإصلاح وواحد من أهم دعاة نبذ العنف، أما تهمته فكانت انتقاد وزير في مقال!!هذا ما حدث مع الدكتور محسن حسين العواجي والعهدة علي موقع الإسلام اليوم وموقع الجزيرة .محسن العواجي هو مؤسس منتدي الوسطية علي الانترنت وهو المنتدي الذي نشر فيه مقاله، وتقول سيرته الذاتية انه حصل علي بكالوريوس العلوم الزراعية من جامعة الملك سعود عام 81، وعين معيداً بها، وعلي الماجســــتير في العلوم الزراعية من الجامعة نفسها عام 86، ثم حصل علي الدكتوراه في علوم التربة من جامعة ويلز في بريطــانيا عام 89، وبعدها تم تعيينه أستاذاً مساعداً في كلية الزراعة جامعة الملك سعود.وإضافة لذلك، عمل إماماً وخطيباً لجامع سعد بن معاذ بالملز، ثم للجامع الكبير في جامعة الملك سعود بالرياض.والعواجي، الذي لم يتجاوز الخامسة والأربعين، شارك في إعداد مذكرة النصيحة، كما شارك في تأسيس لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية وإعلانها، وتم اعتقاله في فترة سابقة لمدة أربع سنوات بسبب توقيعه مع مجموعة من الأكاديميين السعوديين علي عريضة تطالب الحكومة السعودية بالإصلاح!وعن منتدي الوسطية الحواري، فقد أسسه العواجي بهدف رفع مستوي الحوار الفكري بين مختلف الأطياف، والتدريب علي تحمل النقد وتقبل الرأي المخالف، وفي الكلمة الافتتاحية طالب الجميع بأن يشاركوه فيه برحابة صدر بعيدا عن التجريح الشخصي، معلنا رفضه للتطرف اليميني واليساري علي حد سواء.اعتقال محسن العواجي يأتي ليؤكد من جديد أن مسالة الإصلاح التي كثرت الوعود بشأنها لم تنتج عن قرار استراتيجي موحد بين أمراء العائلة المالكة، وأنها ليست أكثر من وعود تكتيكية، ويكفي أننا لم نر إلي الآن أية خطوات ملموسة أو مرئية، كما لم نعرف إلي الآن لتلك الإصلاحات بنودا أو ماهية، ولم نسمع صراحة أي مسؤول سعودي أو من آل سعود يتحدث عن برنامج للإصلاح أو يعطي تصورا يمكن انتظار أو عدم انتظار تنفيذه.تكفي أيضا الإشارة إلي أن الأمير نايف قال أكثر من مرة انه يكره كلمة الإصلاح ويعتقد أن استخدامها غير صحيح لأنها تعني ـ من وجهة نظره ـ أن الأمراء كانوا مفسدين!! إن لكم يا والدنا مكانة في قلوب الناس ومحبة خاصة ما كانت لتكون لولا فضل الله عليكم أولاً ثم ما تتمتعون به من رحابة صدر وحسن إنصات وتحمل لمن لا يوافقكم الرأي، وتقديركم لأهل العلم، ونشهد بالله أن خطابكم عندما توليتم كان لنا وعداً وعهداً بيننا وبينكم، وأملاً اشرأبت له أعناقنا المتعطشة، فمن حقكم أن نستجيب لما طلبتموه ومن حقنا أن نطالب بتطبيق ذلك الخطاب الذي هو بمثابة العقد بين الشعب وقيادته .بتلك الكلمات خاطب محسن العواجي الملك عبد الله، والنكتة أننا ننقلها من المقال الذي تم اعتقال الرجل بسببه، فعن أي حسن إنصات وعن أي رحابة صدر كان محسن العواجي يتحدث؟!وهل كان في المقال ما يدفع لاتخاذ إجراء بتلك البشاعة؟وهل انتقاد وزير أو حتي رئيس دولة أو ملك، يستدعي الاعتقال؟لا نطرح الأسئلة إلا توضيحا لأوضاع مخزية، وحالة شديدة التخلف تعيشها دول أكثر تخلفا.لكن، بماذا انتقد العواجي معالي الوزير؟!في المقال نجد ما يوضح بشكل لا لبس فيه أن وزير العمل السعودي الدكتور غازي القصيبي مواطن ذو قامة أدبية، وخبرة إدارية، وأنه رجل مخضرم، رغم امتلاكه امتيازاً وزارياً طويل الأجل جعله يتنقل بين عدة وزارات، وكأن الأمهات السعوديات لا ينجبن وزيراً إلا من خلال طفرة بيلوجية.وفي المقال أيضا، تناول سريع للمناصب التي تقلدها الرجل ولأزمنة الغضب والرضي التي عاشها: ہ مهما بدا متمردا احيانا إلا أنه يسمع ويطيع في المنشط والمكره.ہ لم يسجل التاريخ الإصلاحي السعودي له كلمة واحدة تصب في اتجاه تفعيل دور المؤسسات المدنية أو الانتخابات أو حقوق الإنسان أو استقلال القضاء أو الفصل بين السلطات، ولم يقل أو يفعل إلا بما يسمح به الرقيب. ہ لا مانع لديه في المناورات الإعلامية فيما لا يهدد مصالحه الشخصية بغية البقاء في الساحة السياسية. ہ حاول مرة واحدة أن يدخل التاريخ من بابه الصحيح، فقذفته أمواج تسونامي إلي بيته! ومنها إلي يمّ البحرين سفيراً، ليلقيه اليم بعد ذلك علي ضفاف بحر المانش ـ بريطانيا ـ سفيراً، يأخذه عدو لنا وله، ليعود بعد بضع سنين إلي الشوط التالي من التنقلات الوزارية.ہ حاول الجمع بين الأدب والدبلوماسية، والشباب والكبر.ورغم كل ذلك أعلن الدكتور العواجي أن القصيبي قد يكون من القلة الذين تختلف معهم وتحترمهم ويحترمونك، فهل سيغير رأيه بعد ما حدث؟!!لقد اعتقد العواجي أن من حقه إبداء الرأي في شخص شغل المجتمع ثلاثة عقود، ولا يكتفي الآن بموقعه الوزاري ويمارس دورا شديد الخطورة في البلاط الملكي، ويستند العواجي إلي ما يعرفه المراقبون عن ممارسة القصيبي للتضليل والتدليس وطمس الهوية العامة للدولة، وعن قيادته لفريق ملون. ألا تجد في التاريخ عبرة لمن كان له قلب منكم، فاقض ما أنت قاض وترقي حيث شئت عند الوالي، فلن تكون بمنزلة يحيي البرمكي ولا بحظوة ولديه الفضل وجعفر عند الرشيد، فلم تغن عنهم شيئا لما جاء أمر ربك، لا أخالك إلا حصيفاً امتطي الجواد رشيداً، وليس أمامه إلا الترجل رشيداً، غضبة الرشيد كانت واحدة ولكنها كانت القاضية، فلا تلهينك سكرة الحظوة الزائلة عن معالم الطريق الطويل ووحشة السفر، ألا تحسب حساب من حولك ممن يتابعون ويرصدون، منهم الفضولي ومنهم الأصولي ومنهم الوصولي، ومنهم المتلمظ عليك والمتربص الذي ينتظر إذن التاريخ، ومثلك لا يجهل نوائب الحدثان، وشواهد التاريخ عبر الزمان ومنها كيف تمني سليمان بن عبد الملك بقاء الحجاج حياً، ليتمكن منه مما كان يناله منه باسم الوليد بن عبد الملك في حياته .إنها نصائح تضمنها المقال للقصيبي قبل أن يمطره العواجي بهذا الوابل من الأسئلة:ہ كيف تهنأ بنوم وأنت تخطئ ولا تسجد للسهو! وتذنب ولا تستغفر! ہ هلا قرأت شواهد التاريخ؟؟ ألم تسمع عن يحيي البرمكي وأبنائه الفضل وجعفر، وذرياتهم وجواريهم وحاشيتهم وشعرائهم؟ ہ دكتور غازي أنت اليوم علي كل لسان، الصامتون أكثر من الناطقين، لقد هاتفني صديق غيور محب لدينه ووطنه ومليكه قائلاً: ألا تري ما يفعله برامكة العصر في بلاط الرشيد؟ يسميك شخصياً ورهط معك ليسوا نكرات، يرون فيك الموجه والأستاذ والأب الروحي!! ولا أخالك بريئاً يا هذا! ہ وآخر يتساءل ما الذي حدث في السياسات العامة للدولة داخلياً وخارجياً؟ ہ هل حدث انقلاب أبيض في المسيرة السعودية؟ ہ هل أصبح القصيبي شجرة در أخري مع فارق التشبيه؟ فهل أجاب الدكتور غازي القصيبي علي تلك الأسئلة وقال: نسيت الإجاباتمنذ تبرأتُ من نزوة الشعراءوعدت إلي زمرة الأذكياءالذين يخوضون هذي الحياةبدون سؤالٍ .. بدون جوابويأتزرون النقود ويرتشفون النقودويستنشقون النقود……….ويا ويح قلبي!منذ سنين تجمّد كيف يعيشُالفتي دون قلبٍ يدقّ؟ودون دماء تسيلْ؟تحنطتُ لكنني لم أبحفمشيت ولم يدر من مرّ بيأنني دون قلبْ .هل كانت تلك إجابات غازي القصيبي؟هي بالمناسبة كلماته بالحرف نقلناها لكم من قصيدته المومياء !نسيت أن أقول لكم ان الدكتور غازي القصيبي يتفاخر بأنه شاعر، وله بالفعل مجموعة كبيرة من الدواوين جمع معظمها في المجموعة الشعرية الكاملة وأصدرها عام 1987.وهو أيضا يكتب الرواية، وهو بالمناسبة صاحب رواية شقة الحرية التي حولها ممدوح الليثي إلي مسلسل تليفزيوني، اكتسب شهرته من ارتباطه بالقضية الشهيرة، حين أعلن الليثي أنه حصل علي السيارة المرسيدس مقابل سيناريو المسلسل.في المقال تحدث العواجي عن وجود عناصر في البلاط الملكي امتلكت الجرأة في استخدام اسم الملك لتزج بالمجتمع في متاهات فكرية وسلوكية مخالفة لصريح القران والسنة .موضحا أن الناس يتساءلون عمن يتبني باسم الملك تفاصيل ترتيب مؤتمرات اقتصادية مختلطة مثلا، والأخطر من كل ذلك ما ذكره العواجي عن معرض الكتاب الأخير.العواجي أكد أنه ليس ضد الانفتاح وحرية النشر، لكنه في الوقت نفسه اشترط تقييدها بضوابط الشرع، موضحا أنه كانت هناك كتب معروضة للبيع تسب الله ورسوله و تصف الرب جل وعلا بما لم يجرؤ عليه إبليس لعنه الله وأتباعه ، والكلمات بنصها ننقلها من مقال العواجي………….بعد كل ذلك يأتي دور السؤال:هل تستطيع السعودية إصلاح نفسها؟مجموعة الأزمات العالميةInternational Crisis Group أعدت تقريرا مفصلا عن الإصلاح في السعودية نشرته في 14 تموز (يوليو) 2004 تحت هذا العنوان. التقرير قام بتشخيص الأزمة القائمة الناتجة عن محاولة الموازنة بين الضغوط الخارجية وبالخصوص من الولايات المتحدة في مجال مكافحة التطرف الديني وبين الشعور الداخلي بما يمكن اعتباره تدخلا ورضوخا لواشنطن، معتبرا أن هذه الحالة إضافة إلي بروز الجماعات المسلحة وتفاقم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية تشكل في مجموعها تحديا كبيرا أمام صانعي القرار في المملكة.ورصد التقرير الأساليب والخيارات التي سارت عليها الحكومة السعودية خلال هذه الأزمة ابتداء من اعترافها بالحاجة إلي الإصلاحات السياسية والاجتماعية والتعليمية واتخاذها الإجراءات إيجابية في هذا المجال وانفتاحها علي توجهات النخب الإصلاحية التي تطرح بدائل غير قائمة علي العنف وليست متعارضة مع الإسلام ومعترفة بالقيادة السعودية.وفي المقابل انتقد التقرير اعتماد المملكة لاستراتيجية المواجهة الأمنية والتمسك بالوضع السياسي القائم، وبمضايقتها للإصلاحيين واعتقال بعضهم والاعتداء علي الحريات العامة.وكانت الحلول التي طرحها التقرير هي انتهاج سياسة وطنية واضحة تدعو إلي توسيع مشاركة المواطنين في الشأن العام، وتقوية المؤسسات السياسية كمجلس الشوري، ومحاربة الفساد، والحد من السلطات المتزايدة للمؤسسة الدينية، ومعالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، والسماح بتشكيل مؤسسات واتحادات أهلية، وإعطاء حريات أوسع للإصلاحيين الداعين إلي التغيير بالطرق السلمية.لسنا في حاجة لتوضيح أن الدكتور محسن العواجي من أبرز الإصلاحيين الداعين إلي التغيير بالطرق السلمية والنابذين للعنف، ونشير، مثلا، إلي مشاركته للشيخ سفر الحوالي، والشيخ سليمان الدويش، في مبادرة لوقف التفجيرات وناشدوا خلالها كل الأطراف إلي العودة إلي الحوار وتحكيم الرأي والعقل في القضايا المختلف عليها، وشددوا في مبادرتهم علي أن العنف لا يولد إلا العنف ولا يفضي إلي حوار أو حل لمشكلة كما أنه يسبب الخسائر للجميع.ونوضح هنا أن العواجي والحوالي والدويش من الأسماء الدعوية الحاضرة بقوة في الساحة السعودية، وهو ما جعل المراقبين للأوضاع السياسية في المملكة يعطون تلك المبادرة أهمية مضاعفة، وهو ما يجعل خبر اعتقال العواجي ينال قدرا أكبر من الأهمية، سيزيد قطعا من طول وغلظة العصا الأمريكية التي تنتظر أي فرصة لتنهال علي أكثر المناطق حساسية في جسد النظام السعودي! ہ كاتب وصحافي من مصر[email protected][email protected]