شباب مصر هدموا سور السفارة الإسرائيلية بالقاهرة لأنه كان يذكرهم بجدار الفصل العنصري في فلسطين التقته فاطمة عطفة: إن حجم الفساد في مرحلة مبارك كان كبيرا إلى درجة جعلت الكثير من الشباب يغادر مصر للعمل حتى بطريقة المغامرة الخطرة عبر البحار، شمالا وشرقا. ولقاؤنا اليوم مع إعلامي شاب متميز آثر الاغتراب بدلا من أن يعمل في عداد الموكب الإعلامي المحيط بجمال مبارك. عمل سلطان الحجار في عدة منابر صحفية بدءا من مجلة ‘أكتوبر’ المصرية إلى مجلة ‘فواصل’ السعودية وجريدة ‘الاتحاد’ الإماراتية.. وغيرها من المؤسسات الإعلامية. وقد أصدر مؤخرا باكورة أعمالة الأدبية بعنوان ‘همسات لها أجنحة’، وأجمل ما في إهدائه قوله: ‘لا يكفي أن تكون للهمسات أجنحة، إنما لا بد من مساحة حرية لتحلق فيها’. * ما هي الأسباب التي جعلتك تهجر الإعلام المصري فتوجهت إلى السعودية ثم الإمارات؟ هل هو الحلم الذي كان يراودك من قبل في تحقيق شيء ما؟ أو الطموح في حرية صحفية أفضل، أو تحقيق مكسب مادي؟ * ‘الصحافة المصرية مع مرور الزمن لا تنضب، ودائما ما تخرج مواهب كثيرة، وأنا لا أريد أن أدعي أنني أحد هذه المواهب ولكني – الحمد لله – أمتلك أدوات الصحافة. ولكن الصحافة في مصر مثلها مثل أي مهنة أخرى، بعض المنتمين إليها يعانون على المستوى المادي والاقتصادي، وعلى المستوى المعيشي والأسري. وزوجتي هي ابنة مدير تحرير مجلة أكتوبر الأستاذ الراحل محمد سعد العوضي، وقد تعلمت منه الكثير خاصة فيما يتعلق بإعادة الصياغة والدسك المركزي في المجلة ونهلت من مدرسته كثيراً. الظروف الأسرية أحيانا تجعل الإنسان يبحث عن ذاته في مكان آخر. الصحافة في مصر لا تعطي أصحاب المهنة حقها ماديا وفي بعض الأحيان مهنيا، كما ان النظام السابق لحسني مبارك كان يفرض قيودا كثيرة على الصحافة، وكان يمنحها بعض الحرية المتفق عليها مع رؤساء التحرير. دليل ذلك أن رؤساء تحرير مصر بالكامل قبل الثورة كان يتم تعيينهم عن طريق مجلس الشورى. كان صفوت الشريف، الذي يحاكم اليوم بسبب موقعة الجمل الشهيرة، رئيس مجلس الشورى هو رئيس المجلس الأعلى للصحافة، وكان يعتمد في اختيار رؤساء التحرير على المخابرات العامة وجهاز أمن الدولة. لهذه الأسباب كان يأتينا كصحفيين ليس رئيس تحرير بقدر ما هو رقيب يعمل لصالح الحكومة ويعمل لصالح النظام. وأنا بصراحة وجدت نفسي مقيدا مهنيا وماديا، ولكي أعيش مستورا مع أسرتي كان لا بد أن أبيع قلمي أو أكتب عن رجال أعمال، أو أكون مستشارا إعلاميا لأي وزير… وأنا أرفض هذا، لا شخصيتي ولا تربيتي تسمح بهذا. والحقيقة كان قد عرض علي بأن أتولى تغطية ‘جمعية المستقبل’ التي أنشأها جمال مبارك وأقوم بتغطية الأحداث فيها وأنشطة جمال مبارك نفسه شخصيا، ولكني رفضت. وكان رئيس التحرير في ذلك الفترة الأستاذ رجب البنى الذي عرض علي هذا وأنا رفضته تماما. كيف أسير وراء شخص لكي أكتب عنه وأنا صحفي أهتم بقضايا الشارع وهموم المواطن وهموم الوطن؟. أما بالنسبة للسفر، فكان لا بد أن أبحث عن سفر بمحاولة لتحسين وضعي المادي والاجتماعي. جاءت الفرصة للسفر إلى السعودية للعمل في ‘مجلة فواصل’ التي كان يمتلكها الشاعر الراحل المعروف طلال الرشيد، الذي قتل في الجزائر على يد إرهابيين، في فترة كانت الجزائر تمر بمرحلة توتر غير عادي، وكان الإرهاب يدب في كل ربوع الجزائر وكان الرجل في رحلة قنص. كان رجلا موهوبا وشاعرا كبيرا، كان شخصية له هيبته ومكانته في المجتمع السعودي. تعاملت معه في ‘مجلة فواصل’ خمس سنوات، ولكن عملت معه شخصيا سنتين حتى وفاته، وعملت ثلاث سنين الأخرى مع شقيقه عبد العزيز الرشيد. لكن المجلة تأثرت كثيرا بموت هذا الرجل لأنه كان شاعرا وصحفيا موهوبا، ولكن المجلة اليوم تحتضر للأسف الشديد، مع أنها كانت المجلة الأولى في السعودية. هذه تجربة لا بأس بها ولو أني لم أستفد منها كثيرا لأني كنت مسؤولا عن الدسك المركزي، وكنت أعيد صياغة الموضوعات بشكل جيد، إضافة إلى وضع الغلاف والإخراج، والحمد لله أنني أمتلك الموهبة في وضع العناوين الصحفية. وكان تعاوني في الفترة الأخيرة مع الأخ الصديق العزيز الشاعر عبدالله ناصر العتيبي مدير تحرير المجلة لمدة الثلاث سنوات الأخيرة بعد وفاة طلال الرشيد، وحققنا بعض النجاح. لكن للأسف المجلة كانت مرتبطة بشخص طلال ومن يعمل معه. كانت توزع بالسعودية كمجلة شعبية وفي فترة من الوقت كانت تعتبر من أهم المجلات، إلى أن انتقلت مع الأخ العتيبي إلى الإمارات، عملت معه لمدة سنتين في ملحق’دنيا الاتحاد’، وهو عاد إلى السعودية وما زلت في الاتحاد، ولدي هاجس يحرضني دائما على العودة إلى مصر وإعلام مصر’.* هل تعتقد بعد الثورة المصرية، وأنت من جيل الشباب الذين صنعها أن حرية العمل الإعلامي ستكون أفضل وتشجع الشباب المصري للعودة؟ وكيف ترى حرية الإعلام بعد الثورة؟ * ‘أكيد سيكون الإعلام في مساحة حرية أكبر في الوقت الحالي أو في المستقبل، لأن الصحافة المصرية في كل حالاتها كانت تتمتع بقدر من الحرية، والآن أصبحت ملموسة. وعندما نزلت إلى مصر تابعت الصحف والإعلام فوجدت أنه يوجد قدر كبير من الحرية في تناول الموضوعات المختلفة على المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي. لكن للأسف الشديد أن وجود بعض الصحافة المستقلة لا زالت تلعب على الإثارة في مصر بنشر أخبار تافهة جدا مثل ‘واحد مسيحي بته خطفت’! أو ‘عائلتين اختلفوا يقال إن معركة بين العائلتين’، في وقت مصر تحتاج فيه إلى الجدية، إلى رصد هموم الشارع، إلى إعطاء دفعة للشاب ليستمروا في طريقهم ويتم النهوض بهذا البلد. بل هناك بعض الصحف ساهمت بالنفخ بالنار لتغذية الفتنة الطائفية، أي حادثة تحصل يضخمون فيها بشكل مستفز، وللأسف بعض الصحافيين تمتلك أقلاما غير مسؤولة في وقت حرج. نحن نمر بوقت حرج، الوطن يحتاج إلى شرفاء يخافون عليه ويتمنون له الخير. لكن الأقلام الغير مسؤولة هذه تأتي في أوقات غير مناسبة، ويكتبون أشياء أيضا غير مناسبة مما أثر كثيرا على الرأي العام المصري. المفروض مثل هذه الأخبار تنشر بمنطق وحساسية شديدة جدا حتى لا يكون النفخ بالنار. أعود فأقول هذه أقلام غير مسؤولة، لا تعلم مدى خطورة الوضع الراهن في مصر والظروف التي تمر بها. لهذه الأسباب أتمنى أن لا تتحول هذه الحرية في الإعلام إلى فوضى، سواء في الإعلام الفضائي أو المكتوب. بعد الثورة ظهرت وصدرت بعض الصحف الجديدة، هذه من مكتسبات الثورة لأنه لا يوجد حظر، كما كان في السابق على إصدار الصحف. يوجد التزام مهني فيتم الموافقة على إصدار الصحيفة وبشكل سريع جدا، تماما مثل ما يحدث مع الأحزاب السياسية. بعد الثورة ظهرت أحزاب عديدة، لا توجد هناك عقبات لدرجة وجود فنانين الآن يساهمون في العمل الوطني ويصدرون أحزابا، سمعت مؤخرا أن الفنانة تيسير فهمي تعمل حزبا. طبعا إنشاء حزب يحتاج المال، لكن وجود مساحة لظهور أحزاب جديدة في المشهد السياسي المصري، هذا مهم جدا في الفترة الحالية شرط أن تكون إيجابية وتسهم في المشهد السياسي وتعمل لخدمة المجتمع، لأن الأحزاب المصرية في النظام السابق كانت مجرد ديكورات تزين حائط الديمقراطية المتصدع، ليس أكثر. وكانت تتخذ فقط اسم المعارضة، كما أنها غابت عن الشارع المصري تماما وليس لها أي وجود باستثناء الوفد الذي يحمل شعبية من أيام الزعيم الراحل سعد زغلول، وكذلك حزب الأحرار. لكن هذه الأحزاب لم تكن فاعلة في المجتمع المصري، لأسباب كانت خاصة تتعلق بسيطرة الحزب الوطني الحاكم على الأوضاع السياسية وعدم السماح لأي حزب أن يطفو ويكون فاعلا في المجتمع. كانت الأحزاب المصرية ذات جناح مكسور لا تستطيع الطيران أو التحليق في سماء المجتمع المصري، لذلك كانت ضعيفة طوال ثلاثين سنة هي حكم الرئيس المخلوع مبارك. على هذه الأحزاب بعد الثورة أن تقترب من الناس وتكون فاعلة في المجتمع، شرط أن لا يكون لها مصالح شخصية. وللأسف الشديد بعد الثورة ظهرت على الجانب الثاني بعض التكتلات والائتلافات والأحزاب في مصر، أستطيع أن أصفها بالانتهازية، انتهزت ثورة الشعب المصري التي انطلقت شرارتها من شباب مصر عن طريق الإنترنيت والفيسبوك، هذه الشرارة دفعت الشعب المصري لكي يثور ويقول كلمته، فهذه ثورة شعب، بعيدا عن الإدعاءات الأمريكية التي تقول نحن مولنا هذه الثورة، أين كانت أمريكا؟ الشعب المصري معروف عنه عندما يثور لا يستطيع أحد أن يقف في وجهه. هذا ما يقوله التاريخ، وليست أمريكا، لأن تاريخنا أعظم وأعمق من تاريخ أمريكا بغض النظر عن التجارب الديمقراطية المختلفة. الثورة انطلقت ومنحت الفرصة للجميع ليقول كلمته ورأيه. ولكن مع ذلك لا أتمنى أن تتحول حرية الصحافة إلى فوضى، ونرى صحفا صفراء وصحف إثارة لا تضيف أي شيء في تجربة الصحافة المصرية في الوقت القادم’.ـ بالنسبة للإعلام المرئي كان له مواقف متشددة في تأييد مبارك، نفس الإعلام بقي لكنه تحول بآرائه، هل توجد ثقة بمن بيدهم سلطة الإعلام أن يكونوا هم المصدر في صياغة وتقديم الخبر، كيف ترى تحول هذا الإعلام؟* ‘ناس كثيرة جدا غير الإعلام تركب الموجة حتى الأحزاب المصرية التي كانت في الظل طفت على السطح وأصبح لها كيان في المجتمع المصري حاليا، وإن كان كيانا محدودا لعدم مصداقيتهم في السابق، لأن الشعب المصري ذكي جدا، يتمتع بذكاء لكن للأسف الشديد ذاكرته ضعيفة، فبعض الأحزاب طفت على السطح وأرادت أن تأخذ شيئا من الكعكة وانتهزت الفرصة وركبت موجة الثورة تماما مثلما حدث مع الفضائيات التي كانت تعمل تحت النظام السابق سواء كانت حكومية أو مستقلة، حتى الفضائيات الخاصة التي يمتلكها رجال أعمال مصريين تضخمت ثرواتهم في عهد النظام السابق وكانوا يعملون تحت جناحه وكان النظام يمنحهم بعض الحرية دون أن يتخطوا الخط الأحمر، فانتشرت برامج ‘التوك شو’ Talk Show على أساس أنها تنقل وترصد ما يحدث في الشارع المصري، لكن في حدود تم وضعها النظام لا يمكن أن يتخطاها أحد، دليل على هذا أن أكثر من إعلامي مصري اختفى لبعض الفترات عن الشاشة وتم منعه من الظهور بما فيهم عمرو أديب، منى الشاذلي، ومذيعين غيرهم تحدثوا عن أشياء سياسية كانوا يجب أن لا يتحدثوا فيها، منهم من لمح تلميحا فقط عن قضية التوريث. هذه القنوات كانت تعمل وفق نظام حدده لها النظام السابق ثم تحولوا بعد الثورة، منهم من يجب أن يوصف بالانتهازي والكاذب، والشعب المصري استطاع أن يفرز هذه الوجوه ويضع هذا في خانة وذاك في خانة أخرى. بالنسبة للإعلاميين اليوم كل واحد عارف نفسه، والشعب المصري بعد الثورة استطاع أن يمتلك من الحرية ما يجعله يملك قرار نفسه بالنزول إلى الشارع في المظاهرات والاعتصامات، والدليل على هذا أن المليونيات تخرج إلى الآن في ميدان التحرير تعبر عن رأي الناس. لا نستطيع أن نقول كافة الشعب ولكن عن رأي الأغلبية، لأن المليونيات التي تخرج هذه يشارك فيها جميع طوائف الشعب من أحزاب وائتلافات وموظفين وفلاحين، فهذه شرائح من الشعب تعبر عن أغلبية الشعب المصري ويكون لهم مطالب محددة يخرجون لاعتراضهم على شيء معين، وتوصيل رسالة للمجلس العسكري كل هذا يحدث الآن. لذلك نقول إن الشعب المصري امتلك زمام الأمور لأول مرة منذ زمن طويل’.* بالنسبة لمحاكمة مبارك، كيف تنظر أنت لما يجري فعليا في هذه المحاكمة من أحداث؟* ‘من ناحية مبارك قد يتعاطف الكثيرون مع هذا الرجل لكبر سنه، وإنه لا يجب أن يهان في آخر العمر وهو رجل عسكري ورمز في سلاح الطيران وحارب من أجل البلد، وشارك في الضربة الأولى في حرب أكتوبر، أنا بالنسبة لي يمكن ان أعترض على إهانته لا يمكن أن أهين رمزا من رموز مصر، لكن القانون لا بد من أن يأخذ مجراه لأن دم الشهداء لا يجب أن يذهب هدرا، فالذين يتعاطفون مع هذا الرجل ولا يريدون محاكمته، عليهم أن يتذكروا أهل الشهداء الذين فقدوا أبناءهم وراحوا ضحايا لهذه الثورة. فإذا كان الرئيس السابق مذنبا سيقول القانون كلمته في هذا الشأن، أما إذا كان غير مذنب فليبرئه القانون. أما بالنسبة لأولاده، فقد استغلوا الوطن في التربح والكسب الغير المشروع أسوأ استغلال، كما حاول جمال مبارك أن يمرر قضية التوريث ونسي تماما أن الشعب المصري لا يمكن أن يقبل بالتوريث، خاصة أن الثلاثين سنة كانت مريرة على الشعب المصري وعانى فيها الكثير، فكيف له أن يستمر بهذه المنظومة؟ كما أن جمال مبارك نجح إلى حد كبير بأن يحدث تزاوجا بين السلطة والمال، وكانت الوزارة في الخمس سنوات الأخيرة حكومة رجال أعمال، كما كانت القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة للحكم في مصر، وكانت الطريق والسبب الرئيسي إلى ثورة الشعب المصري. لذلك يترك أمر أولاد مبارك ورجالهم للقانون لكي يقول كلمته ويحصل كل مذنب على الجزاء الذي يستحقة. ومن أهم مكتسبات الثورة محاكمة رموز النظام السابق وهم يستحقون أن يحاكموا لما ارتكبوه من إجرام بحق الشعب المصري’. * سنبقى مع إنجازات الثورة المصرية وآخر عمل وطني قومي كان موقف الشباب المصري من السفارة الإسرائيلية وتحطيم الجدار فيها، هل تعتبر أن القضية الفلسطينية ما زالت محورا من أهم المحاور في السياسة العربية بالمنطقة مما جعل أول هدف للثورة الشعبية في مصر الاحتجاج على سفارة العدو، ولو بعد سنوات من الصلح الذي أبرمه السادات؟* ‘طبعا الثورة المصرية قامت في صورة انتفاضة على الفساد، الفساد في مصر بلغ مداه وتجاوز الحدود، كل هذا انكشف بالفعل بعد قيام الثورة. الشعب المصري اكتشف أن الحكم كان يسبح في مستنقع من الفساد، في ظل ثلاثين سنة لم يكتسب الشعب المصري سوى الفقر والظلم والقهر على يد نظام مبارك. للأسف الشديد طوال هذه السنوات كان هناك ناس انتهزت وحاولت أن تحصل على مكاسب خاصة سواء على المستوى الشخصي أو الحزبي أو على المستوى السياسي، هؤلاء عملوا جميعا بشكل سافر دون أن يفكروا في مستقبل البلاد. في تلك الفترة تعرض الشعب المصري للظلم كثيرا، والبطالة زادت بين الشباب، والهجرة.. كل الشباب المصري صار يفكر بترك البلاد بغض النظر عن النتيجة، وفي السنوات الأخيرة غرق خيرة شباب مصر عند محاولاتهم الهجرة إلى الدول الأوربية. الفساد وكثرة الفاسدين في الحكم كانوا يجبرون الشباب على أن يهربوا من مصر في هجرة غير شرعية وفي مراكب لا تصلح أصلا للإبحار، وكان مصيرهم الغرق والموت. كل هذا كان يدل على أن مصر في حالة مزرية علي يد نظام مبارك. عندما قامت هذه الثورة، وأنا أعتبرها ثورة على الفساد قبل أن تكون ثورة شعب لإقصاء رئيس، لأن الفساد لم يكن يتمثل بالرئيس لوحده، إنما كان يتمثل في النظام كله من الحكومة إلى الوزراء إلى المجالس المحلية وانتشرت الرشاوي والمحسوبية، وشعر المواطن المصري أن وطنه ليس له، المواطن المصري كان يشعر بالاغتراب في وطنه. أما من ناحية القضية الفلسطينية الشعب المصري طلية السنوات الماضية وهو يتعاطف مع القضية الفلسطينية. الرأي العام المصري مع القضية الفلسطينية، والدليل على ذلك أن جميع الاحتجاجات والمظاهرات التي شهدها الشارع المصري خلال العشرين السنة الماضية كان أكثر من نصفها يخص القضية الفلسطينية، سواء من طلبة الجامعات أو الأطباء والمحامين، الجميع كانوا يتظاهرون ويعتصمون من أجل القضية الفلسطينية. والكل يعلم أن الشباب المصري عندما غزت إسرائيل غرة، ظهر شباب مصري بالآلاف لديهم الرغبة في التطوع للحرب مع الشباب الفلسطيني. الرأي العام المصري بالكامل ضد إسرائيل وتعنت إسرائيل، وضد تصرفاتها في المنطقة وفي العالم. ولا يمكن أن يأتي اليوم الذي يحدث فيه تطبيع على أي مستوى بين الشعب المصري والشعب الإسرائيلي، لأن الشعب المصري يرفض هذا ولا يتخيله، رغم محاولات حسني مبارك أن يفرض على الشعب التطبيع مع العدو إلا أنه فشل تماما، فيما عدا بعض رجال الأعمال الذين ينتمون إلى النظام الذين قاموا بعقد بعض الصفقات الاقتصادية مع إسرائيل بشكل فردي وليس على مستوى شركات كبيرة أو قطاع عام. أما من ناحية التطبيع الثقافي، لم يحدث أبدا ولا بأي شكل من الأشكال، وكثيرا ما قاطع الفنانون والأدباء المصريون المهرجانات الدولية لمجرد وجود مشاركين إسرائيليين. أما من ناحية الهجوم على السفارة الإسرائيلية، اختلفت الأقاويل. يقال إن الشباب انتفضوا لمقتل شباب مصريين على الحدود. ومهما كانت الأقاويل أنا أرى أن الحكومة المصرية أخطأت خطأ كبيرا حينما بنت سورا أو جدارا عازلا أمام السفارة الإسرائيلية، لأن هذا الجدار يعود بأذهان المصريين إلى الجدار العازل الذي تم بناؤه في إسرائيل لتفصل المدن الفلسطينية وتفرض عليهم العزلة والحصار بشكل سافر، وأنا أعتبر أن بناء هذا الجدار كان غباء سياسيا من الحكومة المصرية. وأعتقد أن هدمه واجب وضروري، وإن كانوا يريدون تأمين السفارة فيمكن تأمينها بشكل آخر، وعلى أن لا تكون مميزة عن أي سفارة في مصر، حتى لا يكون استفزازا للشعب في مصر. الثورة حققت كثيرا من أهدافها بإسقاط نظام فاسد على كل المستويات، ولكن ما يهم المواطن المصري في الفترة القادمة هو البناء والعمل لإحياء هذا الوطن والخروج من كبوته، بحيث يتعافى اقتصاديا وتعود مصر إلى ثقلها السياسي والثقافي على مستوى الشرق الأوسط والمستوى العربي، ولو أن هناك فلولا من الحزب الوطني يحاولون بقدر الإمكان الوقوف في وجه هذه الثورة ويحدثون ثورة مضادة لكي ينالوا من ثورة الشعب لأن مصالحهم الشخصية توقفت يوم 25 يناير، لكن الشعب يقف لهم ولن يسمح لأي شخص يتبع النظام السابق أن يمارس سياسات الظلم والقهر التي كانت في السابق’.