محمد الماغوط: الشاعر ومتسكع الأرصفة الحزين غ1-2ف شعرية السلوك الوجودي لرجل الشارع والمقهي!
محمد برغوتمحمد الماغوط: الشاعر ومتسكع الأرصفة الحزين غ1-2ف شعرية السلوك الوجودي لرجل الشارع والمقهي! إن المتأمل في المتن الشعري لمحمد الماغوط يجد أن لهذا الشاعر حساسية خاصة في مناخ متقلب لم يساعده علي الانطلاق بكل حرية كما كان يشتهي، ومن ثم يستنتج قارئ هذا المتن أن مسحة الحزن طاغية عليه بشكل لافت للانتباه. فهو حزين في ضوء القمر وعلي الارصفة، وفي الحواري والمقاهي والماغوط حزين في مفردات اللغة، وفي الصور، وفي تركيب القصيدة، حزين في زرقة مدي الشعر، الماغوط حزين فكرا، وسلوكا، وأعصابا .فأنت حين تقرا عناوين دواوينه، تجده حزينا في: ضوء القمر ديوانه الأول، وحزين في: غرفة بملايين الجدران ديوانه الثاني، وحزين كذلك في: الفرح ليس مهنتي ديوانه الثالث. أما إذا تأملت عناوين قصائده، فستلاحظ أنه حريص علي اختيار عناوين تنسرح في حقلها الدلالي علي قتامة لا ينكرها المتتبع وهذه أمثلة عنها: حزن في ضوء القمر ، جنازة النسر ، الشتاء الضائع ، الغرباء ، جناح الكآبة ، حريق الكلمات ، بكاء في رحلة صيد ، اصفرار العشب ، الدموع ، خريف الاقنعة ، اليتيم ، بكاء السنونو .وهكذا يبدو أنه من الصعب ان يبحث الدارس في شيء متعلق بالماغوط قبل هذا الحزن الطاغي علي جل ما كتب من شعر، ومصدر الحزن هذا نابع من كونه متسكعا كبيرا. فالرصيف عنده حاضر في شعره بحساسية فائقة، لأنه ملجأ ـ أمثاله ـ المنبوذين والمتشردين.صحيح أنه شاعر من الريف، والكلمة عنده إوزة بيضاء ـ كما قال ـ ، إلا أنه شاعر مدينة بالمعني العميق، تنغرس قدماه في أرصفة دمشق كما في لثة، ويطل علي أرصفتها كل صباح، وهو يقذف بقديمه الحصي في طرقها، وهو ينشد فيها الحرية والراحة والرغبات الصغيرة.يقول عنه محمد جمال باروت: إن حساسيته الساخطة والتهكمية، كانت مشدودة إلي مستوي من المستويات الوجودية، ولكن ليس المستوي الوجودي المعرفي الذي عرفناه، عند جيله، بل المستوي الذي يشير بشكل ما إلي ما يمكن اعتباره سلوكا وجوديا لرجل الشارع والمقهي. فقد بقي الماغوط صورة مرهفة وحساسة لأحلام التغيير من جهة، ولما يسميه بالشبيبة الساقطة من جهة ثانية، والتي ألحدت بنظام القيم السائد. لعل هذا يفسر تسميته بواحد من الشعراء الغاضبين في مطلع الستينيات . هكذا إذن يقدم الماغوط نفسه للقارئ جارحا جريئا، ساقطا صريحا، غريبا وحزينا وصادقا، ولعل موقف الحزن الصادق، جعل جو القصيدة عنده تلقائيا ومنسجما محتوي وتركيبا واخيلة. يقول في قصيدة النسر : ايها الحزن.. يا سيفي الطويل المجعدالرصيف الحامل طفله الاشقريسأل عن وردة أو أسير،عن سفينة وغيمة من الوطن..والكلمات الحرة تكتسحني كالطاعونلا امرأة لي ولا عقيدة لا مقهي ولا شتاء ضمني بقوة يا لبنانأحبك أكثر من التبغ والحدائق … وأنا المس تجاعيد الأرض والليلاسمع رنين المركبة الذليلةوالثلج يتراكم علي معطفي وحواجبيفالتراب حزين، والألم يومض كالنسرلا نجوم فوق التلالالتثاؤب هو مركبتي المطهمة، وترسي الصغيرةوالأحلام، كنيستي وشارعيبها استلقي علي الملكات والجواريوأسير حزينا في أواخر الليل .إن إحساس الشاعر بالحزن قد منحه قدرة غنائية تتجاوز الغنائية الفردية العاطفية، إلي ما يمكن تسميته بـ غنائية حديثة يتكئ فيها علي تفاصيل الحياة اليومية من خلال ظهور الواقع داخل النص في صورة علاقات ووقائع. ومن هنا تبدو هذه الغنائية ـ وهي تعبر عن مشاعرها وانفعالاتها وحسها المتوتر ـ وكأنها اقتراب من كتابة الحياة اليومية في الشارع والمقهي والحارة الشعبية.ويغذي الشاعر غنائيته هذه بمحسة من القلق الوجودي عبر طاقة من الانفعالات الحادة باستمرار كما هو واضح في المقطع الشعري: مخذول أنا لا أهل ولا حبيبةأتسكع كالضباب المتلاشي كمدينة تحترق والحنين يلسع منكبي الهزيلينكالرياح الجميلة، والغبار الأعميفالطريق طويلةوالغابة تبتعد كالرمح .أو كما يبدو جليا في مقطع آخر: فأنا رجل طويل القامةوفي خطواتي المفعمة بالبؤس والشاعريةتكمن أجيال ساقطة بلهاءمكتنزة بالنعاس والخيبة والتوتر فأعطوني كفايتي من النبيذ والفوضي وحرية التلصص من شقوق الأبوابوبنية جميلة . يبدو الشاعر كمن فقد حنان العالم، ودفء الحياة.ولذلك فهو خائب ومتوتر ينشد الفوضي والمتعة العابرة.ويبالغ الشاعر في التعبير عن حساسيته الساخطة علي الحياة والأحياء معا في جل ما كتب من شعر، والمبالغة عنده توهم بالصدق الانفعالي للحظة من جهة، وبحدة الانفعال والتوتر من جهة ثانية. وهي أساسا مجاز النطق اليومي عندما يكون منخرطا في علاقة اجتماعية إشكالية أو تحمل طبيعة الصراع. ونحن نري أن المبالغة في شعر الماغوط هي البناء المجازي للجانب الساخط في حساسيته الشعرية، هذا السخط هو في الآن ذاته تعبير ايديولوجي، يرتبط اساسا بالتكوين الاجتماعي والنفسي والانفعالي والثقافي لجيل الماغوط، والذي يتميز ـ أي هذا التكوين ـ بالرغبة العارمة في التغيير، ولكن مع نفاد الصبر، وضيق النفس والأفق .وهذا ما يتضح حين يقول الشاعر في قصيدة: القتل : الشرق الذليل الضاوي في المستنقعاتآه، إن رائحتنا كريهة إننا من الشرقمن ذلك الفؤاد الضعيف الباردإننا في قيلولة مفزعة يا ليليلقد كرهت العالم دفعة واحدةهذا النسيج الحشري الفتاكوأنا أسير أمام الرؤوس المطرقة منذ شهوروالعيون المبللة منذ بدء التاريخ ماذا تثير بي؟ لا شيء إنني رجل من الصفيحأغنية ثقيلة حادة كالمياه الدفقةكالصهيل المتمرد علي الهضبة… بالظلم والنعاس يتلاشي كل أثربالأنفاس الكريهةوالأجساد المنطوية كالحلزوناتبقوي الأوباش النائمة بين المراحيضسنبني جنينة للأطفالوبيوتا نظيفة للمتسكعين وماسحي الأحذية . وعن نفاد صبره واستعجال رغبته في تغيير هذا الواقع الذي يؤرقه، يقول: أريد أن أضم إلي صدري أي شيء بعيدزهرة بريةأو حذاء موحلا بحجم النسرأريد أن آكل واشرب وأموتوأنام في لحظة واحدةإنني مسرع مسرعكغيمة أصيبت بالجربكموجة وحيدة مطاردة في البحر .إن هذا الجانب الساخط في حساسية الماغوط الشعرية نابع من وقعه الذي لا تكاد تلوح فيه بارقة أمل ولذلك فهو يرتد إلي ذاته التي سئمت العالم كله، وكرهته لأنه ليس إلا نسيجا حشريا فتاكا، ومن ثم تتسع دائرة الرؤية السوداء حين يقر بانهزامه وتوجسه من المستقل، فيستشعر قرب نهايته: يخيل لي أنني أتهاوي علي الارصفةسأموت عند المنعطف ذات ليلةوأصابعي تتلوي علي الحجارة كديدان التفاحدون أن ينظر إلي أحد.إنني أري نهايتي المح خنجرا ما في الظلام مصوبا إلي قلبيعربة مطفأةتقل طاولتي وأوراقي إلي عرض الصحراء.ستهب ريح قوية آنذاكتداعب أظافري القصيرةوتكنس قصائدي في الشوارع كقشور الخضراوات .يبدو الشاعر يائسا في هذا المقطع الشعري نتيجة اصطدام حلمه بالواقع، وهو يعرف انه حالم و رومانتيكي ، كما يعرف أن زمن الرومانتيكيين قد مضي، لقد جاء الشاعر متأخرا كما يقول: يخيل لي أنني اكثر الأموات كلاما لقد جئت متأخرا إلي هذا العالم كزائر غريب بعد منتصف الليلكان يجب أن أخلق مع أولئك الرومانتيكيين القداميذوي اللحي المتهدلةوالياقات التي يأكلها العث . لقد خاب بحث الماغوط المحموم عن بديل يحقق له توازنه في مدينة الناس ومن ثم لم يتحقق حلمه، وهذا الحلم كان من المفروض ـ يقول وفيق خنسة: أن يكون معوضا عن حرمان الشاعر الذي عاناه. فالماغوط ككل أبناء الريف المثقفين ـ أو حملة الشهادات ـ الذين تغريهم المدينة فيرحلون يصطدمون دفعة واحدة مع واقع مغاير. والماغوط تعود في طفولته علي سلمية البسيطة الكريمة الطليقة، فصدمته المدينة عندما قدم إليها، وسلبته براءته، وقيدته لأنها قلصت من نشاطه الاجتماعي الأسروي، أي أنها أفقدته إلي الأبد الجو العائلي الحميم في القرية بين الأهل والجيران. ولذلك فالأرصفة حنون كأمه، لأنها تؤويه، ولأنها مفتوحة كالريف علي الشمس والريح والمطر.. لذلك يطالب الماغوط بالشوارع الطويلة جدا، ولذلك لا تخلو قصيدة له من مفردتي التسكع والأرصفة، لدرجة أنه يمارس التسكع في خياله علي الارصفة التي لا يقدر علي الرحيل إليها. انزعوا الارصفةلم تعد لي غاية أسعي إليها كل شوارع أوروباتسكعتها في فراشيأجمل نساء التاريخضاجعتهن وأنا ساهم في زوايا المقهي .الخيال إذن، هو أداة تعويض يمنح الشاعر فضاء يحقق له رغباته في الوهم ويسند قدرته علي تحمل الحياة. وبالإضافة إلي عنصر الخيال هذا، هناك السفر. فرحلة التسكع عند الماغوط بدأت تحت ضغط هاجس السفر، ولذلك فالرحيل المستمر يشكل انعتاقا من رتابة الحياة في المدينة، وانطلاقا نحو المغامرة والحرية. وهذا السفر هو الذي يحقق للماغوط لذة التسكع، ولذلك فهو يبدو في قصائده سفرا افتراضيا يشبع رغباته القوية في السفر يوازي عنده الحرية والطفولة وروح المغامرة:سأودع أشيائي الحزينة في ليلة ما..بقع الحبروآثار الخمرة الباردة علي المشمع اللزجوصمت الشهور الطويلةوالناموس الذي يمص دميهي أشيائي الحزينةسأرحل عنها بعيدا.. بعيداوراء المدينة الغارقة في مجاري السل والدخان . ويقول في قصيدة أخري: لا أريد أبا يلوح بشملتهأو حبيبة تنعق لأجلي كالغرابأريد أن ارحل هكذافقيرا وكسولافي كل عام أخطو خطوةوفي كل جيل اكتب كلمةلقد آن الأوانلتمزيق شيء ماللإبحار عنوة تحت مطر حزين…لا كمغامرتلفه سيول من الحقائب والأزهاربل كفأر خسيسكفأر دامع العينينيستيقظ مذعورا كلما ناحت إحدي البواخروتألقت مصابيحهاكعيون الضباع المبللةيا أرصفة أوروبا الرائعةأيتها الحجارة الممدة منذ آلاف السنينتحت المعاطف ورؤوس المظلات؟أما من وكر صغيرلبدوي من الشرق؟يحمل تاريخه فوق ظهره كالحطاب .ان الشاعر يوهمنا برغبته في الإبحار والسفر بعيدا ـ إلي أوروبا في هذه القصيدة ـ ولكن الماغوط اكتفي من السفر ـ كما يقول وفيق خنسة ـ بارتطام الحقــائب علي ظهره من مكان إلي مكان في الحلـم واكتفي بالقول للتي تبحث عن خطوط العمر والخط في راحته أن هذه الخطوط انمحت من حمل الحقائب! في الوقت الذي بقي الماغوط كسولا وداجنا ومقيما لا يغادر. إلا أن السفر في شعر الماغوط مرتبط عنده بدلالتين اثنتين: ـ طلب الحرية. ـ والظمأ للحياة النظيفة القائمة علي مطالب الانسان في الحب والحياة الكريمة.وكما كان الخيال والسفر عنصري تعويض عن جفاف الواقع وقساوته، ووسيلتين يلجأ إليهما الشاعر للتخفيف من زفرات الحزن والألم، والاحتماء من لعنة الرفض والاحتجاج، نجده يستعين بعنصر ثالث يحقق له هذا التعويض، وهو الهروب نحو المرأة والخمرة، ونشدان الحنان المفقود في جهامة الواقع، والتماس النشوة العابرة.فالتلذذ بشرب الخمرة والاستمتاع بمفاتن المرأة هو عبارة عن مسكن مؤقت يعمل علي تهدئة أوجاع الجسد وآلامه، كما يعمل علي إخماد الروح المعذبة، وعن هذا الهروب نحو المرأة والخمرة يقول الماغوط: فأنا متشرد وجريحأحب المطر وأنين الأمواج البعيدةمن أعماق النوم استيقظلأفكر بركبة امرأة شهية رأيتها ذات يوملأعاقر الخمرة واقرض الشعر .ويقول في مقطع من قصيدة أخري: وكنت أحبك يا ليليأكثر من الله والشوارع الطويلةوأتمني أن أغمس شفتيك بالنبيذوألتهمك كتفاحة حمراء علي منضدة .يبدو الشاعر فيما كتبه عن المرأة أنه مكبوت برغباته الدفينة للاستمتاع بجسدها، لذلك فهو لا يتورع في التعبير عن هذه الرغبات التي تظهر جلية في صور حسية متعددة، إنها مشتهاة دائما. وتحضر ليلي في ديوانه الاول: حزن في ضوء القمر حضورا قويا وهو يخاطبها بلغة الجسد في أغلب الاحيان: قل لحبيبتي ليليذات الفم السكران والقدمين الحريريتينإني مريض ومشتاق إليها .والمرأة عنده معزولة عن شروطها الاجتماعية، وذات وظيفة واحدة هي: إشباع رغبته الجنسية: أه كم أودأن آكل لحم النساء بالملاعقأن أقضم أكتافهن كالفهد .. أنا سيد الأحلاموزعيم الأرائك الفارغةأحلم بأصدقاء من الوحلبأمطار من الناربحبل هائل من النار فوق ظهريتجلس علي سفوحه نساء الشرق الجميلاتذوات الآباط الحليقةوالغدائر الممزوجة بالعطر والتوابلأحلم بامرأة صغيرة كالاصبعهناك في البراري القرمزيةحيث الأزهار ميتةوالعصافير تلمع كالأظافر علي الاشجار . أو كما يقول في قصيدة أخري: أود أن أهيم فوق جسدك الصغيروأسحقه كالوردةأن ارفعه كبندقية صغيرة فوق التلالفاهدئي بجواريأيتها الطفلة الغائبةالفراش بارد ومظلم ونهداك عصفوران من الجمر!! بهذه الطريقة تتناسل الصور الحسية للماغوط وهو يخاطب المرأة.وعن اتساع مساحة هذه الرؤية الحسية تجاه المرأة عند الشعراء السوريين، يقول أحمد بســـام ساعي: فإلي جانب زفرات المتألمين ولعنات الرافضين وهروب المتحجبين، نسمع صوتا آخر أكثر جهورية وأشــــد حدة، هو صيحات الجـــــــسد المتمرد علي قيود الروح والعرف والاخــلاق، وكأن هؤلاء المتمــردين وجدوا في الجسد والجنس مـــــلاذا يحتمـون به من ضراوة الواقـع وتناقضاته، انهم، إذ يعودون إلي الجنس، يعودون إلي طبيعتـــهم الاولي والطبيــــعة أو الفطرة كانت دائما ملجأ لرومانسيي الغرب والهاربين من حركة المادة القاسية فيه .باحث في الادب الحديث0