إن اتفاق التطبيع مع الإمارات إنجاز سياسي مهم. ولكن كلما مر الوقت، يتبين أن الادعاء القائل بأن الحديث يدور عن “السلام مقابل السلام” هو ادعاء بعيد عن الواقع، وأن إسرائيل قد دفعت مقابل هذا السلام ثمناً بإلغاء الضم – الذي كان على أي حال هو الأمر الصائب عمله – وبعمليات إشكالية، مثل خلق شك في ضرورة معارضتها لبيع طائرات “إف 35” للإمارات.
التعاون وتطبيع العلاقات مع دول في المنطقة هما مصلحة إسرائيلية صرفة.
إن التعاون وتطبيع العلاقات مع دول في المنطقة هما مصلحة إسرائيلية صرفة. ولكن ليس فيهما ما يعفينا من خناق النزاع مع الفلسطينيين. وبالتالي، فإن اختبار الزعامة هو في توجيه الإمكانية الكامنة الناشئة مع إقامة العلاقات المتوقعة مع الإمارات نحو تجنيد المساعدة في عملية الانفصال الحيوية عن الفلسطينيين. وكما أسلفنا، فقد أنتج الاتفاق علاوة مهمة في هذا الاتجاه: إزالة الضم عن جدول الأعمال. غير أن هذا لا يكفي لتحويل الميل: من الانزلاق باتجاه واقع الدولة الواحدة المشتركة للشعبين، والتي تعني نهاية المشروع الصهيوني، إلى الاتجاه المعاكس للانفصال العاقل والمضبوط في الطريق إلى تسوية الدولتين.
إن خطة “الأمن أولاً” لحركة “قادة من أجل أمن إسرائيل”، والتي نعمل هذه الأيام على تحديثها وتكييفها مع الواقع المتغير، قد تشكل أساساً في الدفع إلى الأمام بالانفصال اللازم. للخطة ثلاث أقدام: أمنية، واقتصادية، وسياسية، والتي يكمن في التداخل فيما بينها أن نأمل في تقليص الاحتكاك بين الفئتين السكانيتين، وتحسين حياة السكان الفلسطينيين وقدرة حكم السلطة الفلسطينية، وتعزيز المحافل المعتدلة وإضعاف المتطرفين وغيره – كل الشروط لزيادة الاستقرار، وخلق واقع من الانفصال المدني وتهيئة الأرض لمفاوضات مستقبلية. ليس في الخطة أي تغيير في انتشار الجيش الإسرائيلي الذي سيواصل السيطرة في المجال طالما لم يتفق على تسوية أمنية في إطار اتفاق مستقبلي، وليس فيها إخلاء قسري لأي مستوطن أو مستوطنة.
مدماك مركزي واحد في “القدم الأمنية” للخطة هو استكمال الجدار الأمني في مسار أمني من خلال إغلاق ثغرات كبرى فيه، وفرض نظام حدودي متشدد على طوله. فلا تبقى ثغرات تدعو الماكثين غير القانونيين. إن نهاية ظاهرة الماكثين غير القانونيين، إلى جانب إنفاذ حازم للقانون والنظام في الأحياء والقرى الفلسطينية في شرقي القدس، سيساهم في أمن كل إسرائيلي يعيش غربي الجدار.
ويفترض بـ “القدم الاقتصادية” أساساً أن تزيل الحواجز أمام تنمية اقتصادية وتشغيلية فلسطينية. يخيل أنه في عصر وباء كورونا من جهة، والبالونات المتفجرة التي لا تطاق من الجهة الأخرى، لا حاجة للاستطراد في الكلام عن أهمية الاستقرار ونجاعة قدرة حكم السلطة وتأييد الجمهور الفلسطيني لها، مثلما هي تهدئة المنطقة في القطاع. وبالتالي، وإضافة إلى الاعتبارات القيمية والإنسانية، فإن صحة الجمهور في إسرائيل تستوجب التأكد بأن دافع ضعضعة الاستقرار يقل في الطرف الآخر من الانفصال، في حين يزيد التأييد للجهات المعتدلة. سياسة إسرائيلية تجسد بالملموس جدية النوايا للانفصال وللتسوية المستقبلية ليس صعباً أن تقنع الدول المانحة – من المنطقة وخارجها – لاستئناف استثماراتها في البنى التحتية والاقتصاد الفلسطيني. وفي الاختراق السياسي مع الإمارات تكمن فرصة لتجنيدها لأداء دور أساسي في هذا السياق.
ما يأتي بنا إلى “القدم السياسية”، هو إحياء الأمل بتسوية وإعادة بناء المصداقية الإسرائيلية في هذا السياق. إن وجود إدارة أمريكية مؤيدة لإسرائيل وللمستوطنات، إلى جانب قرار “أبو الفكرة” تخليه عن الضم في صالح العلاقات مع دولة مهمة في الخليج، تشهدان على أنه لا مفر من العودة إلى مخطط الدولتين.
على إسرائيل أن تعلن عن التزامين: الأول، تسوية الدولتين القائمة على أساس المبادئ المعروفة، ولكن ليس فيها مساومة على التسويات الأمنية التي ستصر عليها إسرائيل في المفاوضات المستقبلية. كما يجدر بأن تعلن إسرائيل بأنها ترى بالإيجاب مبادرة السلام العربية -تبعاً للإيضاحات- إطاراً لمفاوضات مستقبلية. أما الالتزام الثاني فهو عدم اتخاذ خطوات من طرف واحد.
إن السبيل إلى تسوية سياسية مع الفلسطينيين لا يزال طويلاً، وحكومة إسرائيل لم تتبن بعد خطة الانفصال التي وضعها القادة (أو كل مبادرة أخرى في السياق الفلسطيني). والاتفاق مع الإمارات وإلغاء الضم يعطيان ذرة أمل للتغيير الضروري في أرضنا الصغيرة هذه وفي المنطقة كلها.
بقلم: متان فيلنائي
لواء احتياط، رئيس حركة “قادة من أجل أمن إسرائيل”
معاريف 10/9/2020