تحاول تركيا التأكيد على بنود الاتفاق الأخير حول إدلب
إسطنبول-“القدس العربي”: تولي تركيا أهمية بالغة للحفاظ على الهدوء الذي وصفته الكثير من الأطراف الدولية بـ”الخادع” في محافظة إدلب السورية ومنع حصول مواجهة عسكرية جديدة وذلك لانشغال أنقرة في ملفات لا تقل أهمية عن إدلب لا سيما في ليبيا وشرقي البحر المتوسط حيث الصراع الأكبر لأنقرة مع جهات دولية مختلفة، بالإضافة إلى الأهمية الكبيرة التي توليها تركيا للحفاظ على الوضع القائم في إدلب على ما هو عليه لحين التوصل إلى حل سياسي نهائي للأزمة السورية.
وتنصب الجهود التركية في الوقت الحالي من أجل الحفاظ على الهدوء الحالي القائم في إدلب ومنع هجوم كبير جديد للنظام السوري على ما تبقى من المحافظة في يد المعارضة وذلك على غرار الهجمات المتتالية التي شنها النظام تباعاً ضد إدلب بهدف قضم مزيد من أجزاء المعارضة.
ويعتقد على نطاق واسع أن النظام يهدف في المرحلة الحالية لشن هجوم من أجل السيطرة على منطقة جبل الزاوية الاستراتيجية تمهيداً لعملية أوسع للسيطرة على الطريق الدولي أم 4 وذلك ضمن خطته الاستراتيجية التي بدأت منذ سنوات للسيطرة على كامل الطرق الدولية الواقعة في مناطق سيطرة المعارضة.
ومنذ أسابيع سرع النظام السوري من عمليات حشد قواته وعناصر الميليشيات الأجنبية الداعمة له على حدود إدلب، وبالفعل صعد النظام من هجماته الصاروخية وحاول التقدم برياً على أكثر من جبهة وسط اشتباكات عنيفة مع المعارضة، لكن هذه الانتهاكات بقيت محدودة ومحصورة ولم يتدخل فيها الطيران الروسي على نطاق واسع، وهو ما منع حتى الآن توسعها إلى مواجهة عسكرية واسعة.
وفي المقابل، عززت تركيا قواتها وأدخلت مئات الدبابات والعربات العسكرية الجديدة وقامت باستحداث نقاط عسكرية جديدة في المناطق التي حاول النظام السوري التقدم نحوها ضمن استراتيجيته السابقة لإنشاء نقاط عسكرية متقدمة في محاولة لمنع تقدم النظام بسهولة، وهي الاستراتيجية التي لم تكن كافية في السابق لمنع تقدم النظام الذي ترك العديد من النقاط العسكرية التركية خلفه.
وتخشى تركيا أن تؤدي مواجهة عسكرية جديدة في إدلب إلى تشتيت جهودها في ليبيا وشرق المتوسط، حيث يمكن أن تنهار الهدنة الهشة المعلنة على حدود سرت والجفرة في ليبيا في أي وقت وهو ما سيتطلب تدخلا عسكريا مباشرا للجيش التركي، لكن الأخطر احتمال حصول مواجهة عسكرية في شرق المتوسط في ظل التحشيد العسكري والخلافات العميقة بين تركيا من جهة واليونان وفرنسا وغيرها من دول شرق المتوسط من جهة أخرى.
لكن السيناريو الأخطر أيضاً هو ربط روسيا ملف ليبيا بالملف السوري على الدوام، وإمكانية لجوء موسكو إلى تفجير الأوضاع العسكرية في إدلب في حال تفجرت الأوضاع العسكرية في سرت التي تنتشر فيها مجموعات فاغنر الروسية على نطاق الواسع، وفي هذا الإطار يجري بحث ملفي إدلب وليبيا بشكل مشترك في اللجان السياسية والعسكرية الروسية والتركية التي تواصل اجتماعاتها ما بين موسكو وأنقرة.
وتحاول تركيا التأكيد على بنود الاتفاق الأخير حول إدلب الذي وقع في سوتشي الروسية آذار/مارس الماضي وذلك لسحب الذرائع من روسيا والنظام لانتهاك الاتفاق وشن هجوم جديد على المحافظة وخاصة فيما يتعلق بالدوريات المشتركة وتفعيل الطريق الدولي، والحرب على التنظيمات المشددة.
وفي هذا الإطار، سير الجيشان التركي والروسي 26 دورية مشتركة على طريق أم 4 ورغم تعرض هذه الدوريات لسلسلة هجمات بسيارات مفخخة وعبوات متفجرة إلا أن الدوريات تواصلت في محاولة لتأمين الطريق وتأهيله للعمل بحماية تركية وروسية وهو الأمر الذي ما زال تطبيقه بعيد المدى بسبب الهجمات المتواصلة بالمنطقة.
ونهاية الشهر الماضي، أكد وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، أن بلاده على تواصل دائم مع روسيا لمنع “جهود إفساد وقف إطلاق النار في محافظة إدلب السورية” معتبراً أن اتفاق وقف إطلاق النار المعلن في محافظة إدلب، ما زال ساريا رغم وجود بعض الانتهاكات، وقال: “ندرك أن بعض المجموعات المتطرفة تقوم باشتباكات بين فترة وأخرى بهدف زعزعة الاستقرار، إلا أن قواتنا المسلحة بالتعاون مع أجهزة الاستخبارات تقوم بفعاليات للحيلولة دون تأثير هذه الاشتباكات على اتفاق وقف إطلاق النار”.
وقبل أيام، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن روسيا وتركيا وقعتا اتفاقيات منطقة خفض تصعيد في إدلب، التي تنص على “توزيع المهام وفصل المعارضة العقلانية عن الإرهابيين وتشكيل حزام آمن حول الطريق البري إم 4” مشدداً على أن “كل تلك الأمور تجري ببطء لكن يتم تطبيقها بثبات على الأقل، وهناك سبب للاعتقاد بأننا سننجز ذلك” ولفت إلى أن “الأولوية في سوريا الآن باتت عمليات إعادة الإعمار”.
وعقب اجتماعات للجان المشتركة في موسكو، أكد بيان روسي تركي قبل أيام الاتفاق على مواصلة الجهود المشتركة بموجب البروتوكول الملحق المبرم بين تركيا وروسيا في 5 آذار/مارس الماضي، لإرساء الاستقرار في منطقة خفض التصعيد بإدلب، كما لفت البيان إلى أنه “جرى خلال المشاورات تقييم نتائج الجولة الثالثة لأعمال الجنة الدستورية السورية، التي عقدت في جنيف مؤخرا وتأكيد ضرورة الحفاظ على الزخم الحاصل في المسار السياسي، والمضي قدما فيما يخص الجهود المتعلقة بمسار أستانا”.
والسبت الماضي، اختتمت أعمال الجولة الثالثة للجنة الدستورية حول سوريا، في مدينة جنيف السويسرية، وأشار المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسون الذي يترأس الاجتماعات إلى وجود اختلافات عميقة بين الأطراف السورية في عدة قضايا، مؤكداً عقد جولة رابعة، دون تحديد موعد، تستند على النقاط المشتركة بين الأطراف. وقال بيدرسون: “لم نصل لمرحة كتابة الدستور، نعمل على بناء الثقة بين الأطراف بسبب وجود اختلافات عميقة في وجهات النظر”.
عدم التوصل إلى تقدم حقيقي في أعمال اللجنة الدستورية وبالتالي الحل النهائي للازمة في سوريا، يدفع تركيا لمزيد من القلق من احتمال تفجر الأوضاع العسكرية والحاجة لمزيد من الدعم الأمريكي لمنع روسيا من تكرار هجومها على إدلب وهو ما جرى بحثه خلال سلسلة اجتماعات أمريكية تركية على أعلى المستويات جرت في الأيام الأخيرة كان أبرزها لقاء جيفري مع مستشار الرئاسة التركية إبراهيم قالن.