في المقطع الأخير من فيلم “تاكسي”، الذي حصل على عدة جوائز، تصعد إلى سيارة المخرج الإيراني المعروف، جعفر باناهي، مسافرة محترمة وآسرة للقلب وهي تبتسم، اسمها نسرين سوتودا تحمل في يدها باقة ورود حمراء. أما باناهي، الذي يلعب دور سائق سيارة في الفيلم الذي قام بإخراجه وفاز بجائزة الدب الذهبي في العام 2015، فيقوم بنقل ركاب مواطنين إيرانيين من شرائح سكانية مختلفة في شوارع طهران، وعلى الطريق يجري معهم مقابلات عن الحياة. كانت سوتودا المسافرة الأخيرة، وأراد باناهي معرفة الشخص الذي ستذهب إليه هذه الورود، اقترح احتمالين: “إما شخص تحرر من السجن أو شخص دخل إلى السجن”.
سوتودا، الناشطة في حقوق الإنسان، تعرف باناهي جيداً، لأنه كان سجيناً سياسياً ذات يوم. “للأسف، أنا ذاهبة لزيارة عائلة لها بنت سجينة ومضربة عن الطعام”، قالت لباناهي في الفيلم، وقالت إن والدة الفتاة طلبت الالتقاء مع ابنتها في محاولة لإقناعها بالتوقف عن الإضراب عن الطعام. تم ترتيب اللقاء من قبل إدارة السجن، ولكن عندما دخلت الأم طلب منها الانضمام إلى طاقم تصوير رسمي، الذي بدوره طلب منها قراءة وثيقة أُعدت مسبقاً. جاء في هذه الوثيقة أن الفتاة لم تضرب عن الطعام في أي يوم. غضبت الوالدة ومزقت الوثيقة وتخلت عن الزيارة وغادرت السجن بغضب.
” أنا ذاهبة الآن إلى العائلة لفحص ما إذا كان بالإمكان فعل شيء من أجل الفتاة”، قالت سوتودا لباناهي.
فجأة، توقفت قرب سيارة الأجرة سيارة أخرى تجارية، وكان من الواضح لهما هوية هذه السيارة. “يفعلون هذا بشكل متعمد دائماً لكي نعرف بأنهم يلاحقوننا”، شرحت سوتودا. “هكذا الأمر لدينا. في البداية يتهمونك بالتعاون مع الموساد أو الـ “سي.آي.ايه” أو الـ “ام.آي.فاي”. بعد ذلك يضيفون اتهامات بالمس بالشرف والنظام العام. وللتضخيم، يحولون أصدقاءك المقربين إلى أسوأ الأعداء، إلى أن يكون الملاذ الأخير الذي بقي أمامك هو مغادرة البلاد”.
سوتودا (56 سنة) أم لولدين، ولم تغادر البلاد. وبعد إنهاء دراستها للقانون في طهران واجتيازها امتحانات مكتب المحاماة بنجاح، اضطرت إلى الانتظار ثماني سنوات إلى أن سمح لها بالمثول في المحاكم. لم تكن هذه سنوات ضائعة بالنسبة لها؛ فقد واصلت نشاطها العام ودافعت عن نشطاء حقوق إنسان وعن سجناء أمنيين ومفكرين وفنانين لاحقهم النظام، إلى أن أصبحت هي نفسها ملاحقة. في 2010 اعتقلتها السلطات بتهمة “نشاط استهدف ضعضعة النظام في إيران” ومشاركتها في المظاهرات الكبرى التي جرت في إيران للاحتجاج على التزوير في الانتخابات الرئاسية في 2009 التي أعيد فيها انتخاب الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، وحكم عليها بالسجن 11 سنة، وحظر عليها العمل في مهنتها، ومنعت من مغادرة البلاد لمدة عشرين سنة. في الاستئناف تم خفض مدة الحكم إلى ست سنوات سجناً، وتم خفض فترة الحظر إلى عشر سنوات.
إن العقوبة الشديدة هذه لم تردع المرأة الشجاعة؛ فقد واصلت العمل في هذا المجال الذي تعتبره مهمة مهنية وإنسانية. ومرة أخرى وجدت نفسها في السجن في العام 2018، بتهمة “المس بالأمن القومي”. كل ذلك بعد أن مثلت نساء تم اتهامهن بالمس بالأخلاق بعد إزالتهن غطاء الرأس. وقد حكم عليها في 2019 بالسجن لسبع سنوات (حسب رواية أخرى عشر سنوات، و148 جلدة). وفي 11 آب الماضي بدأت بالإضراب عن الطعام، وطالبت بإطلاق سراح السجناء الأمنيين واحتجت على الظروف القاسية في السجن.
أبناء عائلتها قلقون على وضعها الصحي، ومنظمات دولية لحقوق الإنسان ورؤساء دول وشخصيات عامة يحاولون، بلا نجاح حتى الآن، الضغط على الحكومة الإيرانية لإطلاق سراحها على الفور. رد السلطات الإيرانية المعتاد هو أن السجناء الأمنيين حصلوا على محاكمة عادلة وقانونية، تم فيها إثبات تهمهم، لذلك ليس هناك مجال للتعامل معهم بطريقة تختلف عن معاملة السجناء “العاديين”. ولكن عشرات آلاف السجناء الجنائيين حصلوا في هذا العام على إطلاق سراح مبكر، صادق عليه النظام بسبب الخوف من تفشي كورونا في السجون.
ربما كان يمكن لسوتودا أن تجد العزاء بمصيرها مقارنة بمصير نافيد أفكاري، المصارع المحترف ابن الـ 27 سنة، الذي أُعدم هذا الأسبوع بتهمة قتل رجل أمن في المظاهرات التي جرت في مدينة شيراز في العام 2018. وفي هذه القضية فشل جهود الضغط الدولي في إقناع السلطات الإيرانية بإلغاء عقوبة الإعدام المفروضة على أفكاري. وحسب إحصائية غير رسمية، أعدمت إيران في هذه السنة 123 شخصاً، والتقدير أن عددهم أكبر من ذلك. تستند عقوبة الإعدام في إيران إلى الشريعة الإسلامية، وبهذا لا تختلف إيران عن السعودية التي تعتبر الشريعة الإسلامية دستورها، وهي أيضاً تفرض عقوبات متشددة، منها عقوبة الإعدام لمعاقبة وردع معارضي النظام. هذه الدول التي تسري فيها عقوبة الإعدام أو قتل نشطاء حقوق الإنسان تواصل هذه الممارسة بسبب أهميتها الاستراتيجية أو الاقتصادية بالنسبة للغرب. وبهذا، تثير إحباطاً كبيراً. التقارير التي تنشرها وزارة الخارجية الأمريكية عن وضع حقوق الإنسان في العالم تحظى باهتمام في الدول المرتبطة بالمساعدات الأمريكية فقط. ومصير النشطاء المسجونين يهم لفترة قصيرة فقط بعد موتهم أو بعد إعدامهم.
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس 14/9/2020