إسطنبول ـ «القدس العربي»: قبيل أيام فقط من القمة الأوروبية المخصصة لبحث الأزمة المتصاعدة شرقي البحر المتوسط، وسط توجه متزايد داخل الاتحاد لفرض عقوبات على تركيا، سحبت أنقرة سفينة التنقيب «أوروتش رئيس» من المنطقة المتنازع عليها مع اليونان في خطوة يعتقد أنها تأتي لدعم الجهود الألمانية وإفشال المساعي الفرنسية لفرض عقوبات عليها، وذلك رغم تأكيد المسؤولين الأتراك أن السفينة عادت لـ«الصيانة».
وعملياً، لم تقطع السفينة مهمتها، وعادت بالتزامن مع انتهاء موعد آخر إنذار بحري أعلنته البحرية التركية للإعلام عن استمرار مهامها في المنطقة والمتواصلة منذ أكثر من شهر، وهو ما أعطى مبرراً للمسؤولين الأتراك للقول إن السفينة عادت عقب انتهاء مهمتها مرحلياً على أن تعود في مهمة أخرى عقب إتمام عمليات الصيانة وتبديل الطواقم، وهو مبرر منطقي، لكنه لا ينفي أن ذلك يأتي ربما في إطار «مبادرة تركية» أو «تفاهم مع الوسطاء» من أجل تخفيف حدة التوتر مع اليونان.
وتولي تركيا أهمية كبيرة لتفادي عقوبات متوقعة يمكن أن يعلن عنها في ختام قمة الاتحاد الأوروبي المقررة في الرابع والعشرين من الشهر الجاري، كما أن أنقرة ترغب في دعم الجهود والموقف الألماني الذي ما زال يعارض فرض عقوبات، وكذلك إفشال الجهود الفرنسية لإقناع بقية دول الاتحاد بتأييد مساعيها لفرض عقوبات «مؤثرة» على تركيا.
وتقود فرنسا جهوداً واسعة داخل الاتحاد الأوروبي من أجل تحشيد أكبر عدد من الدول الداعمة لفرض عقوبات على تركيا في القمة المقبلة. وعقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قمة لدول الساحل السبعة من أجل كسب موقفهم في القمة المقبلة، وهو ما زالت تعارضه ألمانيا بخجل، حيث تأمل في حصول تقدم في مساعيها لاحتواء التوتر من أجل دعم موقفها في القمة حتى لا تضطر لتأييد الموقف الفرنسي وفرض عقوبات على تركيا في حال استمرار التوتر، وهو السبب الذي يعتقد أنه دفع أنقرة للقيام بخطوة داعمة للموقف الألماني.
وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو، قال إن أنقرة لم تتراجع عن أنشطتها البحثية شرق المتوسط، وأن عودة سفينة «أوروتش رئيس» إلى ميناء أنطاليا كانت لدواعي الصيانة، موضحاً أن السفينة تقوم بأعمال بحث ومسح في شرق المتوسط منذ نحو شهر، وأنها عادت إلى ميناء أنطاليا لإجراء أعمال الصيانة الدورية.
قال إن أنقرة لم تتراجع عن أنشطتها البحثية شرق المتوسط
وفي تصريحات تلفزيونية، الإثنين، قال وزير الخارجية التركي إنه لا يتوقع صدور عقوبات ضد بلاده من قمة زعماء الاتحاد الأوروبي 24 سبتمبر/أيلول الحالي، وأن أنقرة لا تستبعد ذلك أيضاً، لافتاً إلى أن الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على تركيا في الماضي، وأن تلك العقوبات لم تدفع تركيا للتراجع عن مواقفها الصارمة، على حد تعبيره.
وتابع قائلاً: «هناك مساعٍ من قِبل فرنسا واليونان وإدارة قبرص الرومية لدفع الاتحاد الأوروبي إلى إصدار عقوبات ضد تركيا، وحتى الآن لم تحظ بدعم أوروبي» لافتاً إلى وجود دول كثيرة داخل الاتحاد الأوروبي لا ترغب في فرض عقوبات على تركيا، مشيراً إلى أن أي قرار يتعلق بفرض العقوبات يشترط أن يكون بالإجماع.
وبينما أشار إلى احتمال صدور عقوبات بحق أشخاص أو شركات أو سفن تركية، مؤكداً أن تلك العقوبات المحتملة لن تثني تركيا عن طريقها، اعتبر أن «الاتحاد الأوروبي لن يغامر بعلاقاته مع تركيا، وأن الاتحاد بحاجة لتركيا في كثير من القضايا الاستراتيجية».
وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي فاتح دونماز، بين أن عودة السفينة إلى الساحل «نشاط روتيني يتم على أساس شهري» وكتب على «تويتر»: «عودة السفينة إلى الميناء جرى وفقاً لمبدأ العمل الشهري لإجراء الصيانة وتبديل الموظفين والاستعداد للمهام اللاحقة» لافتاً إلى أن السفينة ستواصل عملها بعد تلك الإجراءات.
كما قال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار إن السفينة سيكون لها تحركات مختلفة في المنطقة «وفق الخطة المرسومة» مضيفاً: «لن نتراجع عن حقوقنا في شرق المتوسط» وأكّد أن سفينة ياووز تواصل أعمالها في الجرف القاري لتركيا، وسفينة بربروس خير الدين باشا في المناطق المرخصة لها من قبل جمهورية شمال قبرص التركية.
وبغض النظر عما إذا كانت التصريحات الرسمية تكشف عن الأهداف الحقيقية لهذه الخطوة، إلا أن أنقرة في كافة الأحوال لا ترغب في تصاعد الخلاف مع الاتحاد الأوروبي وصولاً لفرض عقوبات اقتصادية ربما تكون «مؤثرة» هذه المرة وليس كما جرى في المرات السابقة التي كانت فيها العقوبات توصف بـ«الشكلية وغير المؤثرة».