محرر صحيفة “هآرتس” المتوفى، دافيد لنداو، قال لي ذات مرة بأن التاريخ سيظهر جميع أحداث السلام كعملية واحدة، وهي قبول إسرائيل في الشرق الأوسط، التي بدأت بعد حرب يوم الغفران، وهي تواصل منذ ذلك الحين بشكل مستمر، حتى لو تعرضت لأوقات توقف طويلة. كانت صياغته لامعة، لكني في السنوات الأخيرة اعتقدت بأنه كان متفائلاً جداً، وأن عملية التطبيع توقفت أو على الأقل ستحتاج إلى وقت طويل، ولم تكن تنقصها الأسباب: الجمود في العملية السياسية مع الفلسطينيين، وسعي حكومة اليمين برئاسة بنيامين نتنياهو لضم أجزاء من الضفة الغربية، وضعف الأنظمة في الدول العربية الذي كشفت عنه ثورة الربيع العربي.
عندما شاهدت أمس مراسيم التوقيع على “اتفاقات إبراهيم” في البيت الأبيض، تذكرت الرئيس السابق، وأردت القول له: لقد كنت محقاً يا دافيد. إن المصالح المشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة وحلفائها العرب في نهاية المطاف أقوى من أيديولوجية أرض إسرائيل الكاملة، أو التضامن العربي مع الفلسطينيين. وهذه المصالح جعلت الإمارات والبحرين تعلن عن السلام مع إسرائيل وإقامة علاقات كاملة وعلنية معها، وجعلت نتنياهو يتنازل عن أتباع الضم و”أمناء جبل الهيكل” في اليمين المتطرف والعودة إلى المسار الذي سار فيه كل أسلافه منذ العام 1973، بعض منهم بشكل متحمس، وبعض تحت الضغط، لكن مع النتيجة نفسها… وهي التنازل عن أحلام مسيحانية كبيرة لصالح اتفاقات عملية في الواقع، التي تحول إسرائيل إلى جارة مرغوب فيها.
ظهرت المراسيم مثل إعادة بث لأحداث مشابهة في السابق، خاصة توقيع اتفاق السلام مع الأردن الذي حصل على تأييد الجمهور الواسع في إسرائيل. سمع خطاب نتنياهو مثل “القص واللصق” من النصوص التي كتبها ايتان هابر لإسحق رابين في حينه. الذكريات نفسها من الحروب والمعارك والثكل، التي يدرك القائد بفضلها أهمية السلام. والآية نفسها من التوراة. ونفس انفعال رئيس حكومة إسرائيل من التقرب من الجيران الذين لم يعودوا يختبئون ويتملصون عندما يمر بجانبهم. ونفس الفهم لحكام الدول العربية بأن الطريق إلى واشنطن تمر عبر القدس. والسطور الانفعالية نفسها لمن يقرأون الأخبار. وحتى نفس صافرات الإنذار التي تذكر بوجود الفلسطينيين ووجود الاحتلال والنزاع حول تقسيم البلاد لمن اعتقدوا بأنهم قد اختفوا عن الأنظار.
عندما تولى نتنياهو الحكم بعد قتل رابين وبعد هزيمة شمعون بيرس في الانتخابات، قامت دول الضواحي العربية في الخليج وشمال إفريقيا بطي أعلام التطبيع التي رفعت بعد التوقيع على اتفاقات أوسلو. ثمة عدالة محزنة في حقيقة أن نتنياهو قد حظي الآن برفع الأعلام من جديد. الرئيس الأمريكي ترامب وعد بدول أخرى بعد الإمارات والبحرين. ومن الصعب التعويل على مصداقيته، لكن –فجأة- لا يبدو أنه وعد باطل، حتى لو لم يتحقق في الأسابيع المتبقية حتى موعد الانتخابات الرئاسية. ومن ترعرعوا في دولة محاصرة حدودها البرية مغلقة وجواز سفرها مقاطع على أبواب كثير من الدول، فإن أي اتفاق لإقامة علاقات وأي افتتاح لخط طيران، يعدّ انتصاراً صغيراً آخر في الطريق لتكون إسرائيل “دولة مثل كل الدول”.
مقابل هذا الانتصار، وقفت أمس ثلاث قوى في الطرف الخاسر. الأولى، الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي تعد مقاطعته للرئيس الأمريكي ولنتنياهو إعفاء لهما من عبء تقديم أي بادرة حسن نية رمزية. وبجهد غير كبير، كان يمكن لعباس أن يقف أمس إلى جانب الموقعين ويحصل على شيء ما في المقابل. الثانية، اليسار في إسرائيل الذي يؤيد مقاطعة إسرائيل على اعتبار أنها الأداة الأكثر فاعلية لإنهاء الاحتلال ومنح الحرية للفلسطينيين. الثالثة، المستوطنون ومبعوثوهم في أحزاب اليمين والمؤسسة الإسرائيلية، الذين اضطروا إلى التخلي عن حلم الضم العلني. ولكن من السابق لأوانه الفرح من أجلهم، أو الاعتقاد بأن أيديولوجياتهم قد تلقت ضربة شديدة في حديقة البيت الأبيض. التجربة تعلم بأن الخطوات الصغيرة وإن تراكمت وأصبحت عملية واحدة، فإن من يعارضونها سيجدون طرقاً جديدة لحرف قطار السلام عن السكة. وحلم دافيد لنداو سيجتاز المزيد من العقبات والاضطرابات إلى حين تحققه بالكامل.
بقلم: ألوف بن
هآرتس 16/9/2020