إن وابل الصواريخ التي أطلقتها حماس في زمن مراسيم التوقيع على الاتفاقات مع دولة الإمارات والبحرين أمس في البيت الأبيض، جسد كابوس كل رئيس حكومة يكون في زيارة خارج البلاد: شاشة منقسمة. يدور الحديث عن بث مباشر للحلم وتحطمه: من جهة، يعلن نتنياهو وترامب بصورة احتفالية عن قدوم السلام ولا يكلفان نفسيهما عناء ذكر الفلسطينيين ولو بكلمة واحدة. ومن جهة أخرى ها هي حماس تذكر الجميع، ربما بتشجيع من الممولة المتمردة قطر، بأن المسافة بين تل أبيب ودبي هي 2670 كم، في حين أن صواريخ القسام من غزة منصوبة وتهدد، حتى بعد الاختراق التاريخي، من وراء الجدار مباشرة.
إطلاق الصواريخ على أسدود وعسقلان أضاف مصدراً جديداً لتحريض الرأي العام في إسرائيل الذي ينشغل بالاستعداد للعيد والذي هو محبط من الإغلاق الموجود على الأبواب، والذي يشعر بالخوف المتزايد بسبب إشارات تدل على أن الحكومة قد فقدت السيطرة بشكل كامل على مكافحة كورونا. كانت الشفافية في عرض الوقائع تحتاج أمس إلى تقسيم الشاشة إلى ثلاثة أقسام: شظايا صاروخ ومواطنون مندهشون على يسار الشاشة، ونظام فحوصات ومستشفيات منهارة على يمين الشاشة، وفي الوسط نتنياهو وهو يبتسم ابتسامة عريضة مثل عريس على المنصة.
وخلافاً للمواطنين القلقين، يبدو أن نتنياهو قد تأثر حقاً وبصدق بالموقف، بدرجة كبيرة من الحق. وحتى لو لم تحارب كل من الإمارات والبحرين إسرائيل يوماً ما، مثلما قال ترامب بدون أن يصححه نتنياهو، فإن روح علاقاتها شبه السرية من الصندوق مع القدس وتحويلها إلى علاقات سياسية واقتصادية علنية وكاملة تعدّ علامة طريق تاريخية ستسجل على اسم نتنياهو الذي أثبت ادعاءه القديم بإمكانية تحقيق “السلام مقابل السلام” بدون الفلسطينيين، وإن إطلاق الصواريخ من غزة أوضح بأن شطب الفلسطينيين من الوعي لن يخفي مشكلتهم، وربما العكس هو الصحيح.
كان نتنياهو متأثراً جداً إلى درجة المبالغة في مدح مضيفه ترامب وإلى درجة الاقتراب من الخط الأحمر الذي يفصل بين الاستخذاء الدارج والتدخل في الانتخابات، وهذا لا يعتبر شيئاً مقارنة مع استعداد نتنياهو وزوجته سارة لإزالة الكمامات والمخاطرة بالانكشاف على فيروس كورونا لعدم إحراج ترامب الذي يواصل نفي الفائدة من وسائل الوقاية المتبعة في العالم.
قبل بضعة أيام، برر نتنياهو سفره بطائرة خاصة تابعة لرجل الأعمال أودي آنجل، بأن “جهات مهنية قررت أنه يمكنه الحفاظ على صحته بهذه الطريقة فقط. وها هو الآن هو وزوجته بدون كمامات يتوددان لترامب وميلانيا، ويقفان على بعد مسافة قصيرة منهما، والحاشية الإسرائيلية تخالط الأمريكيين بحرية، الذين لا يتجرأون على ارتداء الكمامات عندما يكون ترامب في المحيط. والحدث كله، رغم المشاركين فيه، يشكل حاضنة لكورونا بحجم حفل زفاف في الناصرة أو احتفال للبلوغ. ولو أن هذه الاحتفالات جرت في إسرائيل لجاءت الشرطة على الفور وأصدرت مخالفة غرامات للمنظمين والمشاركين.
رد ترامب المعروف لنتنياهو على الثناء والتقدير، لكنه لم ينس إحراجه أيضاً؛ فقد استغل ترامب هذا المشهد مع نتنياهو لمهاجمة خصمه بايدن مع تشبيه “جو النعسان”. ولكن نتنياهو توقع ذلك؛ فقد ظهر متفاجئاً أكثر من رسالة ترامب قبل وبعد جميع اللقاءات في البيت الأبيض أمس، والتي تقول بأنه إذا تم انتخابه فسيتوصل إلى اتفاق نووي مع إيران خلال شهر. وقد ظهر أن نتنياهو قد بذل جهداً كبيراً من أجل الحفاظ على ابتسامته الإيجابية، في الوقت الذي سرح فيه ترامب في حلم جنة عدن أمريكية – إيرانية، الذي بالتأكيد لن يكون نتنياهو شريكاً فيه. إضافة إلى ذلك، تعد عودة ترامب الاستحواذية إلى هذه القضية مثيرة للشك في أن وراء هذا الدخان حريق لا يعرف نتنياهو عنه شيئاً.
خلافاً للضيف الإسرائيلي، لم يحصل ترامب على شاشة مقسمة، وذلك لسبب بسيط وهو أن قنوات البث الأمريكية خصصت الحد الأدنى الضروري لتغطية التاريخ الآخذ في التشكل بين إسرائيل ودول الخليج والاهتمام بالمشكلات الداخلية. ولو أنهم أرادوا ذلك، لما وجدوا صعوبة في بث الفرق المطلق والمثير للغضب بين أجواء القمم الممتعة في البيت الأبيض والحريق المدمر في غرب الولايات المتحدة بسبب أزمة المناخ التي ينفيها ترامب، والتوتر المتزايد في العلاقة بين السود والبيض التي يرعاها ويثيرها ترامب، والأكثر من 200 ألف أمريكي الذين ماتوا حتى الآن بسبب كورونا. نبع الفشل الأخير في جزء منه من المقاربة الخاطئة من الأساس وغير العلمية للرئيس الأمريكي، التي منحها نتنياهو أمس ودون خيار مباركته الظاهرية.
ربما تكون الهزة الخفيفة وغير المسبوقة في خطاب نتنياهو الطويل جداً، قد عكست أكثر من انفعال من فعل السلام. يعرف نتنياهو أن مصير ترامب سيحسم خلال شهرين تقريباً، وأن وضعه حتى الآن غير واعد. يصعب على نتنياهو تحمل التفكير بأن عصره الذهبي مع ترامب سيختفي وكأنه لم يكن، وسيحتل مكانه عناء سيواجهه مع بايدن، وكل شيء سيعود إلى نقطة البداية. يعرف نتنياهو ذهاب ترامب سيفقده شيئاً ما منه، إذا لم يكن جميعه.
بقلم: حيمي شليف
هآرتس 16/9/2020