رمزية المسجد في الثورات العربية

حجم الخط
0

عبد الحكيم أجهرالجامع أو المسجد في الذاكرة الجمعية العربية الإسلامية ليس مكاناً للعبادة فقط، وهذا ما يجعل المتظاهرين يخرجون منه من أجل مطالب سياسية دون الشعور بالحرج. المسجد ليس مجرد نقطة تجمع ولكنه مركزاً للنشاط الاجتماعي أيضاً. فهو لم يكن منذ لحظاته الأولى (الرسول والصحابة) مكاناً للعبادة فقط، كان مكاناً لنقاش المسائل الكبرى السياسية والاجتماعية والمالية والعسكرية. وقد استمر هذا التقليد في التراث الإسلامي حتى دخل هذا التاريخ بمرحلة ثم التضييق فيها على دور الجامع بسبب تنوع نشاطاته وتم حصره في العبادة فقط. كانت نقاشات البيعة السياسية وخطبة الحاكم الأولى التي يعلن فيها برنامجه السياسي تحصل في المسجد، كما كان مكاناً لنقاش المسائل الاجتماعية، أين أعلن عمر بن الخطاب عن طريقة توزيعه للعطايا وأين انتقده أحدهم على ثوبه الطويل خلافا للآخرين، وأين قال لقد أخطأ عمر وأصابت امرأة؟ كما كان المسجد نقطة التجمع العسكري التي تتحدد فيها المهمات قبل انطلاق الحملات.

والأهم أنه كان مكان نقاش القضايا الكونية الكبرى وعلاقتها بالدين. من المسجد خرجت مدارس وتصورات فلسفية كثيرة، هناك بدأ الحسن البصري دروسه اللاهوتية ومن هناك ولدت مدرسة المعتزلة، مدرسة العقل الكبيرة في الإسلام، ومن هناك تم نقد المعتزلة بعد عدة قرون لتولد مدرسة أخرى هي مدرسة الأشاعرة، وفي المسجد دارت النقاشات الفقهية وولدت مذاهب كبرى، وقد شهدت المرحلة المبكرة حرية كبيرة في هذه النقاشات. والمسجد لم يكن مقتصراً على النخبة بل كان مفتوحاً للجميع دون تمييز، إنه المدينة اليونانية مصغرة.

المسجد يعكس حياة المدينة التي يقع فيها، وقد يبدو أن المسجد والمدينة والدولة يتشاركون في الكثير من السمات والوظائف ويختلفون في المساحة وبعض الخصائص التي ينفرد بها كل من هذه الأمكنة. طبيعة المسجد في الإسلام أنه لا يخفي شيئاً، ليس فيه أماكن سرية، لا غرف منزوية وبعيدة ولا أقبية، كما تتسم المساجد دائماً ببواباتها العريضة وبجدرانها المعتدلة الارتفاع، و نادراً إن لم يكن مستحيلاً أن نشاهد مسجداً مبنياً على هضبة يصعب الوصول إليها أو على أطراف المدينة أو القرية، ومن المفروض أن تبقى بواباته مفتوحة طوال اليوم.

الثورات العربية والسورية منها تستعيد دور المسجد داخل المدينة وليس العكس، والتظاهر من الجامع يعني جعل الدين مرتبطاً بالحياة كلها وبمضمونها من مطالب سياسية واجتماعية علاوة على أنه نقطة تجمع. في النظر للأمر من زاوية إيجابية نرى أن هناك إسلاماً جديداً يولد مع التظاهرات التي تنطلق من المسجد ومع السلوك الطبيعي للمتظاهرين الذين يلغون الفارق بين المسجد والمكان المعمور الذي يسكن فيه الناس، ومن قيامهم رمزياً بهدم جدران المسجد الفاصلة بين الطرفين.

يستطيع المسلم أن يصلي على أي بقعة من الأرض، فالمسجد ليس مكاناً وحيداً للصلاة الجيدة، ولأنه كذلك فهو ليس مؤسسة تحتكر الدين، وشيوخ المسجد لا يحتكرون الحقيقة الدينية، إنه مكان أكثر انفتاحاً من أن تُختصر وظيفته إلى شيء واحد، ومن أجل ذلك يبقى مرشحاً ليكون مكان الممارسة الاجتماعية بكل أبعادها. يعود المسجد للمدينة وليس العكس ويعود التأمل الإسلامي في هذه الواقعة ليلبي مطالب العقل والروح، فهو مفتوح من الداخل ليضم كل الناس الذين يدخلون وتأتي القبة لتمثل هذا الشمول الجامع للكل، والباحة الخارجية مفتوحة على الكون كله، إن المسجد في بنيته المعمارية مفتوح أفقياً وعمودياً، أفقياً مع البشر وعمودياً مع السماء، كل البشر، مسلمين ويهود ومسيحيين. وبذلك يبدو المسجد مكاناً قابلاً لاستيعاب تعدد البشر ومكرساً لمفهوم تعايشهم المشترك وفق قيمة تتعالى فوقهم جميعاً. الممارسة السياسية للثورات الشعبية العربية اليوم تضع الحياة أولاً كما كان أصل الأشياء، وتكسر فكرة اختصار الحياة إلى جانبها العبادي فحسب، وتحول المسجد إلى مركز للحياة الاجتماعية. وهنا لابد من السؤال: هل يمكن للثورات العربية أن تعود بعد نجاحها السياسي لقراءة دور المسجد في المجتمع وتعقد مصالحة يلتقي فيها المجتمع المدني مع الدين؟ لقد فعل الأتراك ذلك بطريقتهم ويمكننا فعل ذلك بطريقتنا.’ باحث وأستاذ جامعي من سورية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية