إسطنبول – دمشق – «القدس العربي»: عاد شبح المواجهة العسكرية ليخيم على وجه إدلب مجدداً مع تصعيد النظام هجماته على أطراف المحافظة وتكثيف الطيران الروسي غاراته الجوية بالتزامن مع المباحثات التركية الروسية حول مستقبل المحافظة والتسريبات عن طلب موسكو من أنقرة سحب نقاط عسكرية وبدء النظام السوري بتوجيه أنصاره للتظاهر ضد هذه النقاط.
هذا المشهد يوحي بأن المحافظة باتت أمام استحقاق جديد وخطير ربما يتمثل في موافقة أنقرة على الطلب الروسي بسحب قواتها وتفكيك نقاط عسكرية من إدلب أو مواجهة شبح مواجهة عسكرية جديدة، وهما خياران أحلاهما مر لأنقرة والمدنيين المقيمين في إدلب والذين يرون في النقاط التركية ضماناً ولو جزئياً لأمنهم أمام هجمات النظام.
مظاهرات للنظام ضد تركيا
وفي التفاصيل عقد وفدان عسكريان تركي وروسي اجتماعاً لبحث تطورات الأوضاع في إدلب السورية، وأوضح بيان لوزارة الدفاع التركية أن الوفدين سيتناولان في اجتماع داخل مقر وزارة الدفاع التركية في العاصمة أنقرة آخر المستجدات في إدلب، بدون الإدلاء بمزيد من التفاصيل.
وهذا الاجتماع بين اللجان العسكرية والسياسية التركية – الروسية المكلفة بحث ملف إدلب هو الثاني خلال أيام، وذلك بعد اجتماع موسكو الذي أكد الجانبان في ختامه على مواصلة الجهود المشتركة بموجب البروتوكول الملحق المبرم بين تركيا وروسيا في 5 مارس/ آذار الماضي، لإرساء الاستقرار في منطقة خفض التصعيد بإدلب، وهي عبارات عامة لا تعكس حجم الخلافات والملفات التفصيلية التي يجري بحثها بين الجانبين.
مباحثات «صعبة» في أنقرة على وقع الغارات والتظاهرات ضد نقاط المراقبة التركية
وفي هذا الإطار، كشفت وكالة «نوفوستي» الروسية أن المشاورات الجارية الأربعاء بين موسكو وأنقرة بشأن إدلب تتناول خفض مستوى التواجد العسكري التركي هناك، وادعت الوكالة نقلاً عما قالت إنه «مصدر تركي» أن وفداً روسياً عرض الثلاثاء خلال اجتماع عقد بمقر وزارة الخارجية التركية اقتراحات بشأن تقليص عدد نقاط المراقبة للجيش التركي في إدلب، لكن الجانبين عجزا عن التوصل إلى اتفاق بهذا الشأن.
ونقلت الوكالة عن المصدر قوله: «بعد أن رفض الجانب التركي سحب نقاط المراقبة التابعة له وأصر على الحفاظ عليها، تقرر خفض تعداد القوات التركية المتواجدة في إدلب وسحب الأسلحة الثقيلة من المنطقة» وهي الأنباء التي لم يؤكدها أي مصدر تركي رسمي أو تتطرق لها وسائل الإعلام التركية.
وفي مؤشر قوي غير مسبوق على وجود حراك من قبل روسيا والنظام السوري للضغط على تركيا لسحب نقاط مراقبتها نظم مناصرون للنظام تظاهرات واحتجاجات ضد نقاط المراقبة التركية وإطلاق دعوات لمغادرتها وتم وصفها بـ«قوات احتلال». وقالت وسائل الإعلام الروسية وتلك التابعة للنظام السوري التي ركزت على تغطية الحدث إن «عشرات السكان المحليين نظموا وقفة احتجاجية أمام نقطة المراقبة التركية في بلدة تل طوقان في ريف إدلب الجنوبي، تنديداً بما وصفوه احتلالاً للأراضي السورية من قبل تركيا».
والأربعاء، أعلنت وزارة الدفاع التركية عن تعرض إحدى نقاط المراقبة التابعة لقواتها في محافظة إدلب لاعتداء، محملة حكومة دمشق المسؤولية عن الحادث، وأوضحت الوزارة أن «عناصر موجهين من قبل الحكومة السورية يرتدون ملابس مدنية اقتربوا من نقاط المراقبة التركية رقم 3 و4 و5 و6 و7 و8 و9 في منطقة خفض التصعيد بإدلب، واعتدوا على النقطة السابعة» لافتةً إلى أنه «تم تفريقهم بعد اتخاذ الإجراءات اللازمة».
تصعيد روسي
والأربعاء أيضاً، كثفت الطائرات الحربية الروسية ومدفعية النظام السوري من ضرباتهم على إدلب، وأوضحت مصادر محلية أن الطائرات الروسية شنت سلسلة غارات بالصواريخ الفراغية على مناطق في جبل الزاوية بالتزامن مع إطلاق النظام السوري عشرات القذائف المدفعية والصاروخية على المناطقة وهو ما زاد من تخوفات أهالي المنطقة من احتمال حصول هجوم عسكري جديد للنظام السوري، لا سيما وأن منطقة جبل الزاوية تعتبر الهدف الأول للنظام السوري في أي عملية عسكرية مقبلة ويفهم من هذه التطورات أنها محاولة روسية للتصعيد لتشكيل مزيد من الضغط على تركيا ومحاولة إجبارها على الرضوخ للمطالب المطروحة بسحب نقاط المراقبة التابعة لها وتقليل عدد قواتها في إدلب، على الرغم من أن أنقرة ما زالت تحاول الضغط على روسيا لسحب قوات النظام السوري من حدود اتفاق «سوتشي» ونشر قوات تركية وأخرى من الشرطة العسكرية الروسية وذلك لتمكين المدنيين السوريين من العودة إلى مناطقهم التي هجروا منها في الهجوم الأخير على إدلب بداية العام الجاري.
وتسعى روسيا أيضاً لاستغلال الانشغال التركي في ليبيا وملف شرق المتوسط وعدم رغبة أنقرة في حصول أي مواجهة عسكرية جديدة في إدلب من أجل تحقيق مكاسب في إدلب لاسيما فيما يتعلق بإجبار أنقرة على سحب نقاط مراقبتها الواقعة داخل مناطق سيطرة النظام لا سيما تلك القريبة من الطريق الدولي M5 واجبار تركيا على التسريع بتشغيل الطريق الدولي M4 أو القيام بعملية عسكرية جديدة للوصول إليه.
وفي حال فشل الوفدين التركي والروسي في التوصل إلى تفاهمات جديدة حول إدلب، ربما تلجأ موسكو إلى تصعيد الضغط على نقاط المراقبة التركية من خلال التظاهرات الموجهة لأنصار النظام بدعوى «الاحتجاج على الاحتلال التركي» والقيام بعملية عسكرية جديدة تستهدف جبل الزاوية لقضم مزيد من المناطق المتبقية في يد المعارضة في إدلب.
ونقلت الوكالة عن مصدر تركي قوله إن وفدا فنيا روسيا عرض أمس أثناء اجتماع عقد في مقر الخارجية التركية اقتراحات بشأن تقليص عدد نقاط المراقبة للجيش التركي في إدلب، لكن الجانبين عجزا عن التوصل إلى اتفاق بهذا الشأن. وفي هذا الصدد، حدد الخبير السياسي ومدير مركز جسور للدراسات محمد سرميني أبرز النقاط الخلافية بين الجانبين حول آلية العمل في سوريا.
هواجس تركية
وقال «سرميني» لـ«القدس العربي» إن أنقرة ترغب في حسم مصير المناطق الداخلة ضمن تفاهم «سوتشي» والتي توغل فيها النظام السوري أواخر عام 2019 ومطلع عام 2020، وذلك من خلال وضعها تحت حماية قوى أمنية تشرف أنقرة وموسكو على إعدادها، في حين أن روسيا تريد تثبيت الوضع الراهن وسيطرة قوات النظام على تلك المناطق.
كما أن أنقرة وفقا للمتحدث لا ترحب بالاستجابة لرغبة موسكو بفتح الطرقات الدولية وفق الرؤية الروسية قبل التوصل إلى تفاهم شامل يضمن أمن إدلب وما حولها، في حين أن موسكو تريد نقاش فتح طريق M4 الذي تشرف تركيا على أجزاء مهمة منه دون التطرق لأي دور تركي في طريق M5.
أما بالنسبة لوفد موسكو، فيأتي مقترحه في سياق السياسة الروسية الرامية لتوسيع دورها في محافظة إدلب، وخاصة في المناطق المحاذية لطريق M4، وهي وفقاً للخبير السياسي «تتذرع بالتهديدات الأمنية المستمرة لمسار الدوريات المشتركة والمصالح الروسية في هذه المنطقة، لكن هذه الرغبة لا تلقى قبولاً تركياً بدون تحقيق تفاهم شامل حول باقي النقاط الخلافية». مشيراً إلى محاولات روسيا لإقناع أنقرة بإعادة النظر بعدد قواتها المنتشرة في إدلب، بالإضافة إلى حجم العتاد الحربي الثقيل المتواجد هناك، وذلك بهدف ضبط الدور التركي أكثر في شمال غربي سوريا، وهو ما لم توافق عليه أنقرة إلى الآن.
وتحدث سرميني عن نقطة خلافية بالغة الأهمية والتعقيد على الطاولة، تتلخص بمستقبل منطقة شرق الفرات، إذ لا تزال تركيا تنتظر تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في مذكرة «سوتشي» والتي تتضمّن إبعاد التنظيمات «الإرهابية» (الوحدات الكردية) بنظر أنقرة عن المناطق الحدودية، كما تنظر أنقرة بعين القلق للتوافقات الروسية – الكردية الأخيرة. لكن يبدو أن الطرفين قد توصلا إلى اتفاق ما تلا التوافق الروسي – الكردي، وأن هذا الاتفاق يراعي المخاوف التركية الأمنية في شمال شرقي سوريا، إضافة إلى ذلك ملف مصير منطقتي «تل رفعت» و«منبج» في ريف حلب، المطروح على طاولات المباحثات بقوة حيث تطالب تركيا بتنفيذ روسيا لالتزاماتها في اتفاق سابق لتسليم المنطقتين لفصائل المعارضة.
وحول الحلول المتوقعة، رجح الخبير السياسي، أن يحاول الجانبان الوصول إلى آلية مشتركة تمثل نقطة التقاء لمصالح الطرفين المذكورة آنفاً، والعمل على فصل ملف إدلب عن ملف شرق الفرات والملف الليبي قدر الإمكان. إلا أن تلك الحلول المتوقعة، لا تعني الوصول إلى هذه الآلية في وقت قصير، وهو ما يفتح احتمال استخدام التصعيد الميداني لممارسة ضغوطات بهدف تسريع الوصول إلى تفاهم كامل وفق رؤية الخبير السياسي، الذي أكد بذات الوقت مساعي أنقرة في مفاوضاتها الحالية والمستقبلية مع الطرف الروسي إلى تثبيت اتفاق دائم وشامل لإطلاق النار، يحافظ على مناطق النفوذ الحالية، تمهيداً لترتيبات الحل السياسي النهائي.