بغداد – «القدس العربي»: كانت حكومة حيدر العبادي خلية نحل، انتشر أعضاؤها بكل نشاط وهمة داخليا وخارجيا خلال هذا الأسبوع لترتيب الوضع العراقي مع تصاعد يبعث على القلق الجدي لنشاط الميليشيات التي أصبحت واقعا مرا لا يمكن الفرار منه في القريب العاجل.
وكانت زيارة رئيس الجمهورية فؤاد معصوم الى السعودية بادرة ايجابية لتصحيح العلاقة مع جار كبير في المنطقة طالما عملت الحكومة السابقة على تخريبها وتحميله مسؤولية الانهيار الأمني المتواصل في العراق منذ عام 2003. وقد أدركت الحكومة ان السعودية هي بوابة الانفتاح على الدول العربية إضافة الى امكانيات المساعدة في مواجهة تنظيم «داعش» . وفي توقيت يبدو مقصودا جاءت زيارة نوري المالكي الى إيران والحرارة والترحيب التي قوبل بها من القادة الإيرانيين لتنقل إيران من خلالها رسالة مفادها أن عودة العلاقة مع السعودية لن تلغي حقيقة التحالف الاستراتيجي للحكومة العراقية مع إيران، وكالمعتاد وعد المالكي ببذل الجهود لزيادة مساحة المصالح الإيرانية في العراق التي ذكر مسؤولون إيرانيون ان طموحاتهم فيه لا تعرف الحدود .
وحفل الأسبوع بلقاءات واسعة لرئيس الوزراء حيدر العبادي مع شيوخ عشائر الأنبار ووعده بتسليحهم مقابل «داعش» ومع عشائر وإداريي ديالى ووعده بدراسة انهيار الأوضاع فيها بسبب «داعش» والميليشيات معا واجتماع آخر في نقابة المحامين وحضور توقيع اطلاق خدمة الجيل الثالث من الانترنت الذي أعلن فيه العبادي»أن الحكومة ليست لديها نية لتقييد الحريات العامة في مجال الاتصالات».
أما لقاء العبادي مع قيادة عمليات بغداد وهو الأهم حيث أعقبته مجموعة قرارات لعزل العشرات من القيادات العسكرية للجيش وتعيين آخرين مكانهم في تحرك ضروري جاء تنفيذا لوعد سابق من الحكومة لاصلاح المؤسسة العسكرية التي تعرضت لاخفاقات كبيرة بسبب سوء إدارتها أكبرها العجز عن منع تنظيم «داعش» من احتلال عدة محافظات عراقية وفشلها في طرده من العراق. وكانت الخطوة ذات مغزى واسع منه للتخلص من القيادات الفاسدة والفاشلة وذات الولاء القديم للمالكي كما أنه يأتي في سياق ترتيبات عراقية أمريكية ضمن الجهد الدولي في مواجهة تنظيم «داعش» إضافة الى ان الخطوة حظيت بمباركة وارتياح شعبي وسياسي واسع.
وجاء وصول طلائع القوات البرية الأمريكية الى قواعد في الأنبار وصلاح الدين ليعيد مرحلة التواجد الأمريكي في العراق الذي لا يحظى برضا إيران، وهو ما أعلنته صراحة كونه يقلل من مساحة نفوذها الواسع في العراق، ولذا جاءت مواقف جميع الأحزاب والميليشيات الشيعية برفض التواجد البري الأمريكي مع تهديدات المواجهة معها مما حدا بالعبادي الى تحذير أية جهة من استهداف تلك القوات مشيرا الى احتمال ان يكلف تنظيم «داعش» فصيلا شيعيا لم يذكره لمهاجمة القوات الأمريكية بينما رحبت القوى السنية بمجيء القوات الأمريكية ليس حبا بها، ولكن لخلق توازن ولو بسيط في المعادلة العراقية.
من ناحية أخرى بدأت هذه الأيام تتضح حقيقة تنامي نفوذ الميليشيات المسلحة التي تصول وتجول في كافة أنحاء العراق تحت غطاء مواجهة «داعش» مع صورة واضحة لعدم رغبة الجهات المعنية في كبح جماح هذه الميليشيات، بل انها تقدم لها الغطاء الرسمي مع امتيازات وتجهيزات متنوعة في الوقت الذي تبخل فيه عن تزويد المدن والعشائر السنية المحاصرة التي تواجه تنظيم «داعش».
وتكررت مناشدات المدن السنية في ديالى وصلاح الدين وجنوب بغداد لحمايتها من سطوة وتجاوزات الميليشيات التي ازدادت وتوسعت وعادت ظاهرة الجثث المجهولة الى الظهور وجرائم الخطف والقتل الطائفي والاعدامات في الشوارع وأمام الأجهزة الأمنية التي لا تتدخل وكأن الأمر لا يعنيها. وكشفت النائبة عن ديالى ناهدة الدايني عن وجود عمليات تصفية لسجناء في بغداد وبعض المحافظات، كما تم الإعلان عن العثور على عشرات الجثث لطائفة معينة في أماكن متفرقة من حزام العاصمة ومناطقها وفي ديالى.
أما اقتصاديا فكان الإعلان عن التوصل الى اتفاق نفطي يين رئيس حكومة الإقليم نيجرفان البرزاني ووزير النفط عادل عبد المهدي لحل الخلافات بين الحكومتين وأعلان وزير المالية هوشيار زيباري عن الموافقة على إطلاق دفعة من رواتب الإقليم، كل ذلك بمثابة خطوات ايجابية لحل الأزمات بين بغداد وأربيل.
وتبقى الأيام المقبلة حبلى بالتطورات والأحداث التي تتأرجح بين محاولات اصلاح الأوضاع وبين مخاوف واقع سلبي يصر البعض على استمراره لكونه يعتبر مناسبا لتنفيذ مخططاته وبرامجه حتى وان كانت على حساب العراق ومصلحته ومستقبله.
مصطفى العبيدي