ثلاثة اعوام علي احتلال العراق: قتل وفوضي وفساد

حجم الخط
0

ثلاثة اعوام علي احتلال العراق: قتل وفوضي وفساد

حمدان حمدانثلاثة اعوام علي احتلال العراق: قتل وفوضي وفساد كتب كولن باول في الـ(وول ستريت جورنال) بتاريخ 27/1/2003، اي قبل بدء الغزو للعراق بخمسين يوما (عندما نحس بضرورة امر ما، فاننا سوف نقود قوانا اليه، حتي وان لم يكن هناك من يتبعنا)، وبصفته وزيرا للخارجية، فان خطابه كان موجها لهيئة الامم المتحدة، اي للمؤسسة التي تمثل الشرعية الدولية في العالم. وفي 18/3/2003، اي قبل الغزو بيومين، يؤكد الصحافي الامريكي مايكل جوردن في الـ نيويورك تايمز ما ذهب اليه باول بتنقيحية محسنة فيقول (يا مجلس الامن. عليك ان تذعن والا فاننا سنقوم بعملية الغزو، دون حاجة لان تبصم موافقتك التافهة، سنفعل ذلك سواء غادر صدام حسين ام لم يغادر).لقد اعلن الرئيس جورج بوش، لاول مرة في التاريخ المتعلق بالشرعية الدولية، بان الولايات المتحدة تأخذ تخويلها من (كونغرسها) ودواعي امنها القومي المهدد من العراق، وهي عزل فاضح للشرعية الدولية والاستغناء عن خدماتها، بذريعة ضرورة ما تتطلبه مقتضيات العصر الجديد، وان عالم هيئة الامم المتحدة البالي، بات بحاجة الي فلسفة وتبديل مقولات ومصطلحات.. وهو جوهر خطاب مرمز للسيدة رايس في مجلس الامن قبل اسابيع.وكيما تستقيم مفاهيم الامن القومي، الهاربة من التحديد، والتي تتسع لاية ذريعة (بما فيها ذريعة تهديد العراق للامن القومي الامريكي)، فان مطاطية هذه المفاهيم، يمكنها ان تقحم عناوين مبتدعة تُلصق بالاستراتيجية العليا، لمصالح الولايات المتحدة في كل مرحلة تحوّل، فاصطلاح الحرب الاستباقية، تم تحويله الي حرب وقائية، وكأن مصطلح الوقائية يُقدم عملا خيريا للمجتمع فيما يقول التاريخ والممارسات علي الارض، بأن ذريعة الوقائية ظلت تستخدم للقضاء علي تهديد ملفق او متخيل، وليس غريبا علي تاريخ ساكسوني تجاه الهنود الحمر، اذ رغم قتل الملايين، فان ترديد اللازمة ظل يقول (كنا في حالة دفاع عن النفس!).ومنذ ادارة ريغان، وبعده بوش الأب، فان القيادة المستنسخة في ولاية بوش الابن، لا تعتبر الكراهية العالمية لسياسات امريكا الخارجية ذات بال، فالشعار هو ان نخيفهم لا ان يحبوننا.. والشاهد ان وزير الدفاع رامسفيلد، استشهد يوما بمزايا عصابات آل كابوني قائلا: (تستطيع ان تكسب بالكلمة الحسنة والمسدس، اكثر مما تكسب بالكلمة الحسنة وحدها)!اما شعوب العالم التي وقفت ضد نداء آلهة الحرب، فكان علي مزاجهم ان يساق بسياط سعار الحرب ومظلومية الشعب الامريكي لما عاناه في الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، فيما تقصف ( ب52) بلدا لا علاقة له بأيلول (سبتمبر)، ولا بمن اعترفوا بمسؤوليتهم عنه، فمعظم الاتهامات التي عرضتها وسائل الاعلام الامريكية، كانت من الهشاشة، بحيث تنتقل من وجهة الي اخري، مرة في اسلحة الدمار الشامل، واخري في العلاقة مع القاعدة، وثالثة في فضيحة يورانيوم النيجر، حيث رفض سفير امريكا هناك، الاتهام الاعلامي، الامر الذي ادي الي مكيدة فضح علاقة زوجته السيدة بلام، بالاستخبارات المركزية.. وما جر ذلك من فضائح اخري، تتصل بشخصيات اساسية في مكتب الرئيس ونائبه تشيني، بحيث تلد كل فضيحة اخري.ولعل افضل ما يمكن تلخيصه بخصوص هذه الفضائح، هو ما كتبته السيدة ليندا روتشين رئيسة تحرير مجلة العلماء النوويين الامريكيين في حزيران (يونيو) 2003، اي ايام ذروة الهجمة الاعلامية علي العراق:ان ادعـــــاءات تورط العــــراق باحداث ايلول (سبتمبر) كانت مضحكة، لكــــنهم كلما ازدادوا سخفا، امعــــنت وسائل اعلامنا في جعل ابتلاع هذه الترهات امتحانا في الوطنية!).ومع اخفاق الولايات المتحدة، بالعثور علي ادلة حسية تفيد عناوين الذرائع، فقد انتقلت الحرب الوقائية الي تعريف آخر، ويستشهد الكاتبان غاي دينمور وجيمس هاردنغ في الفايننشال تايمز ، (يومي 3 و4 من ايار/مايو 2003)، بأن الادارة الامريكية تود توسيع التعريف الخاص بالحرب الوقائية بحيث يصبح علي النية، اما الصيغة التي اوردها الكاتبان في المصدر المشار اليه فهي بالحرف: (ان الادارة سوف تهاجم النظام المعادي الذي ليس لديه سوي النية والقدرة لانتاج اسلحة دمار شامل)، وبسبب من تهديد فرنسا، (يومذاك) باستخدام الفيتو، اذا ما عرض مشروع حق استخدام القوة ضد العراق، فان توماس فريدمان، يطالب في نيويورك تايمز ، (9/2/2003) بطرد فرنسا من مجلس الامن، ذلك انها ما زالت (في روضة اطفال ولا تجيد اللعب مع الكبار) ويضيف (حتي سكان اوروبا الجديدة فان عليهم ان يبقوا في الحضانة).تلك هي بعض المشاهد الراجعة لما قبل الغزو واثنائه، ومن دون الحاجة، الي المزيد من الاستشهادات المعززة بالوثائق، فان الاحابيل نفسها هي ما تستخدم كغشاوة للتغطية علي الفشل اليوم، فالادارة الامريكية ما زالت تبذل قصاري جهدها، لنفث دخان التعمية لما يجري في العراق. فتارة تجد خشبة خلاصها في الانتخابات، وثانية في رد السيادة وهي سيادة في ظل اوامر ونواهي احتلال، واخري في تصنيع دستور وحكومة ومحكمة.. وبعد ثلاثة اعوام، فانها لا تعترف بخراب العراق بنية ومجتمعا نتيجة الاحتلال، فقد انحط الوضع الداخلي في العراق، الي درجة السباحة في بحيرات دموية بشرية بشكل يومي ومتناوب، فالمعاهدات الدولية من لاهاي الي جنيف مع ميثاق محكمة نورمبرغ.. وضعت ضوابط لمعني الدولة المحتلة ومسؤولياتها، وعلي وجه الخصوص، حفظ حياة الناس بتحقيق الأمن، ولا يتبدل المعني، بحسب ارشادات (الدليل الميداني) للجيش الامريكي الموضوع عام 1956، ففي فقرة بارزة منه (الفقرة 366 من الدليل)، فان الاحتلال مسؤول مسؤولية تامة عن تأمين الاستقرار وصيانة حياة السكان، فيما تتحمل حكومته الالعوبة المسؤولية ذاتها، ولا يقدم او يؤخر، كون العراق قد ردت سيادته، وان الحكومة قادمة من ناتج انتخابي (شرعي)، والشاهد ان سيادة العراق تتم في ظل دستور وضعه الاحتلال، وان شخصيات الحكومة (الشرعية)، هم انفسهم مَنْ جاؤوا مع الاحتلال او مع رضا قبوله، قبل الانتخاب وبعده!وفي شهادة للبروفسور انتوني كوردسمان (استاذ الدراسات الاستراتيجية والدولية في جامعات واشنطن)، فان الرجل يعرض الحقائق دون تجميل (فقد خضنا الحرب بمعلومات استخباراتية مغلوطة وتجاوزنا نصائح لمراكز ابحاث ودراسات ووكالات ومسؤولين مدنيين وعسكريين.. ظلت تؤكد بأن شعب العراق، رغم فروقه المذهبية والعرقية، فانه يمتلك حسا عاليا بعراقيته ولن يقبل لاجانب ان يقرروا مصيره).ويضيف (لقد خططنا لازالة صدام، فاذا نحن امام غربان الفوضي علي كل صعيد، وخططنا للاصلاح والاستقرار فاذا نحن امام واقع اشد استعصاء وتطرفا.اما جيش العراق الجديد، فانه يزداد تحللا وخروجا علي القانون، بحيث باتت الديمقراطية التي نبشر بها في قفص اتهام، واخيرا فقد وضعنا الاقتصاد العراقي في ايدي قيادات محلية، تبين انها من عتاة اللصوص).هكذا تكلم كوردسمان في جلسة استماع كونغرسية، وللتاريخ فان عتاة اللصوص كانوا بادئ ذي بدء من الامريكيين اولئك الذين شجعوا اضرابهم من المتعاونين العراقيين علي استرداد سيرة علي بابا في التاريخ، ففي صحيفة موزونة مثل فايننشال تايمز ، يتساءل الكاتب ستيفن فيدلر، عن مصير عشرين مليار دولار خصصت لصندوق اعادة اعمار العراق، ويجيب (ان الحاكم بريمر قبل رحيله المتسرع، ظل يرفض اية مقابلة صحافية تتعلق بموضوع الاموال المصروفة علي اعادة الاعمار) وفي مجال آخر، تكتب الكاتبة الامريكية نعومي كلاين، عن بغداد مدمرة ومقطعة الاوصال، دون اي اثر لاعادة الاعمار، ويسجل المحاسبون القانونيون التابعون لمعهد (المجتمع المفتوح) الممول من الملياردير الامريكي جورج سوروس (بأن نسبة 73 بالمئة من عقود ما فوق خمسة ملايين دولار لم تطرح في مناقصات تنافسية وان الخير كله كان يذهب الي هاليبورتن ومديرها السابق ديك تشيني!). اما الشركة العالمية السويسرية للمحاسبات القانونية K.M.B.G، فقد افادت بدبلوماسية الخطاب (لقد كانت آليات الانفاق في الصندوق، مرتجلة، ولا يمكن ضبطها).وفوق حقائق القتل والفوضي والفساد.. فان نتائج كارثية لحرب المخيلة المحافظتية، كانت تأخذ طريقها الي الانسان نفسه، ففي ثلاثة اعوام من الاحتلال، فان الخسائر البشرية العراقية، كما هي تقديرات بعض المصادر الامريكية، تتجاوز مئة ألف قتيل، ولا نعلم شيئا عن عديد الجرحي والمعوقين الذين خرجوا من الحياة الطبيعية للانسان، اما قتلي الجيش الامريكي، فلا يجري التصريح عنها بأرقامها الحقيقية، ذلك لان قوام الجيش الامريكي العامل في العراق، ينشطر الي اربعة مستويات، وهي الجندي كامل الجنسية، والجندي صاحب الجرين كارد، والجندي الموعود بالجنسية ثم المرتزقة من كلاب الحراسة، وفي مثل هذه الحالة، فان عقود التطوع لا تلزم البنتاغون الاعلان الا للمستوي الاول (كامل الجنسية)، اما المستويات الاخري، فيحق للجيش الامريكي ان يدفنها في مناطق العمليات، مع تعويض سري لذوي القتيل. والخلاصة فان ثمة مؤشرات (ما كتبته صحيفة جمعية المحاربين القدماء الامريكيين، والمستشفيات الالمانية في قاعدة رامستاين الامريكية في المانيا، والمستشفيات العائدة للجيش في العراق والكويت) وكلها تشير الي تقاطعات تصل الي 46 الف جريح نالوا تعويضات الاعاقة بسبب الحرب، وان الحسابات العسكرية تعطي لكل ثمانية جرحي قتيل واحد، مما يعطي الفرصة لاحتساب خمسة آلاف قتيل (افتراضي)، للامريكيين في العراق، وهناك مأساة اضافية قد لا تخطر علي بال، فقد اجري احد معاهد الدراسات الامريكية، استجوابات للمتزوجين في الجيش العامل في العراق (سيدات ورجال) فتبين ان سبعة عشر الف حالة انفصال (طلاق) قد وقعت في الجيش، بسبب الازمات النفسية والمعيشية التي يخلقها الغياب الطويل للازواج والزوجات في جبهة العراق.. وتقع جميع هذه المآسي علي كاهل اصحاب القرار في شن الحرب، وفي مبادئ محكمة نورمبرغ، فان ثمة ما يقول (ان اية اعمال شريرة ترتكب بعد الغـــــزو، تقع في تعريف الجريمة الدولية العظمي، وهي جريمة يظــــــل الغزو مسؤولا عنها)، وللمفارقة، فان مبادئ نورمبرغ، كانت من صنع قانونيين امريكيين وانكليز وفرنسيين.. ومع ذلك فان في نورمبرغ لم يحاكم الجنود ولا قادة الفصائل العسكرية والسرايا.. بل حوكم الهرم الاعلي في القيادة النازية.. فهل سمعنا عن شيء كهذا في ابو غريب وبوكا وقاعدة باغرام وسجن غوانتنامو فضلا عن السجون السرية، التي اقفل الاعلام الغربي عليها اليوم!في ثلاثة اعوام من احتلال العراق، فان انتهاكات خطيرة، مارستها قيادة الهرم الامريكي، مدنية او عسكرية، ولا شيء عن شفافية المحاسبة، وهذا يعني ان الادارة الامريكية متورطة في مجابهات قانونية واخلاقية وتاريخية دستورية.. تتعلق بالمجتمع الامريكي نفسه، وعلي سبيل المسؤوليات القانونية والاخلاقية لوضع الاحتلال اليوم، فان العراق بسبب من تقسيمات احتلالية طائفية واثنية مجتمعية، يقف الان علي شفير حرب اهلية لا تبقي ولا تذر، أليست هذه هي مسؤولية الاحتلال نفسه؟ ألم يسمح الاحتلال بازدلاف آلاف مؤلفة من ايرانية فارسية مسلحة، للقضاء علي (مقاومة سنية)، كما شاء الامريكيون ان يسبغوا عليها؟ ألم يضعوا اللبنات الاولي لفدرلة العراق، باقامتهم حماية جوية لشمال العراق وجنوبه؟ ألم يسهموا في تسعير نيران الطائفية وهم يقصون طوائف ويقربون اخري؟الان.. وبدون رصاصة واحدة، عدا سلاح الفتوي، فان ايران تطمع ان تتربع وارثا جديدا للاحتلال في العراق، فمع هذه السطور، فان الاخبار تتناقل، وساطة حكيمية (عبد العزيز الحكيم يتحدث باسم العراق) وهي وساطة مقبولة ايرانيا ومسموعة امريكيا، اما الاثمان المتقابلة فهي العراق بالملف النووي، فاذا ما نجحت الصفقة، فان ايران تكون قد ربحت بفضل عوامل لا علاقة لها بالكلفة الايرانية، مثل (تعاظم المقاومة وتخبط امريكا مع فتوي السستاني)، وفي جميع الاحوال، فان ما يسمي بالصراع الامريكي ـ الايراني، ظل يترافق مع مفاوضات خلفية، منذ ايران كونترا وحتي يومنا هذا، وهي تفاهمات مرئية في حرب الخليج الثانية مرورا بافغانستان وانتهاء بالعراق، فالخدمة الايرانية ظلت تلعب دور مساعد برغبة الشراكة مع القطب الاكبر وليست نقيضة له.اما بروفيل المجابهة بين واشنطن وطهران، فهو اقرب الي الحل منه الي التفجر، فالعراق أثمن بما لا يقاس من تخصيب اليورانيوم في روسيا، والملف النووي يمكنه ان ينتظر، اذا كان التقاسم للعراق، مقبولا من بازار النظرة الايرانية، ولما يستجد من الاوضاع بعد رحيل الامريكيين.ہ كاتب من فلسطين يقيم في سورية8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية