الدوحة – «القدس العربي»: تحقق إيران في الفترة الأخيرة مكاسب جيوسياسية واستراتيجية مهمة بنقلات دقيقة ومحسوبة ومضبوطة الميعاد للاعبيها المتمرسين على رقعة شطرنج العلاقات الدولية، بتقديم تنازلات هامشية ومحدودة، مقابل الحصول على امتيازات حيوية. وتسمح المناورات الأخيرة لطهران بالحفاظ على الملك بعيدا عن أي خطر، والذي يبدو أنه لن يكون في دائرة الخطر في الوقت الحالي، ولن يعلن الغرب موت الشاه، وفق آخر جولة من اللعب المباشر في مسقط في إطار المفاوضات الثلاثية التي احتضنتها سلطنة عمان.
بعد خروجها منتصرة في معارك خاضتها في محورها الإقليمي على غرار العراق، أو من دون خسائر في حروب أخرى مثل سوريا، أو تحقيق مكاسب متصاعدة في قضيتها في اليمن، أحرزت الماكينة الإيرانية اختراقا جديدا في تسيير ملفها النووي مع الغرب وتحقيق مكاسب جوهرية في المفاوضات الطويلة والشاقة التي تقودها الدول الغربية.
اللعب على الأعصاب والمناورة وتقديم تنازلات محدودة مقابل اختراق حصون خصومها، مفردات تعكس إلى حد كبير النهج الذي يحكم سياسة «الملالي» في إدارتهم لملفاتهم الخارجية، بالرغم من مرور قرابة عام على بدء المفاوضات بين إيران والقوى العالمية الست الكبرى لم تحقق الأخيرة أي تقدم من جانبها في تفكيك برنامج طهران، التي حصلت في المقابل على فرص معززة لتخفيف العقوبات الدولية المفروضة عليها. وإلى آخر المعطيات المرشحة من مسقط، حسب تصريحات مسؤولين غربيين، فإن الجانبين ربما يكتفيان باتفاقية مؤقتة أخرى تقوم على التخفيف المحدود للعقوبات الذي تم الاتفاق عليه قبل عام، فيما يسعيان لحل خلافاتهما العميقة خلال الشهور المقبلة، للتوصل لإطار اتفاق نهائي بحلول 24 تشرين الثاني/نوفمبر. المفاوضات التي ترعاها سلطنة عمان بشكل علني لأول مرة بعد محاولات سابقة تمت في صمت، والتي تشارك فيها إلى جانب إيران، الولايات المتحدة وممثلية السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي تدور في فصولها الأولى وتركز على المفاهيم والمصطلحات أكثر من وصولها لتفاصيل الإشكالية المطروحة والمتعلقة ببرنامج طهران النووي. الأطراف كلها حتى الآن تصرح بأن التوصل لاتفاق شامل لا يزال ممكنا لرفع كل العقوبات في مقابل وضع قيود بعيدة المدى على البرنامج النووي الإيراني لضمان ألا تصنع إيران أبدا سلاحا ذريا. إيران التي تنفي حتى الآن سعيها لصنع أسلحة نووية، وترفض في الوقت نفسه وقف برنامجها لتخصيب اليورانيوم مما أدى إلى فرض عقوبات شديدة عليها من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة تأثرت من تراجع عوائد نفطها خصوصا مع انهيار أسعاره، وارتفاع معدلات التضخم والبطالة في البلاد، عوامل تحتم عليها النجاح في مناوراتها مع خصومها.
أوراق تفاوض قوية
تدخل طهران المفاوضات مسلحة في الوقت نفسه بأوراق ضغط عديدة تخفيها تحت عمامتها، ويحتاجها الغرب وتحديدا الولايات المتحدة الأمريكية ويتودد لها مقابلها. وتشكل الحرب على ما يوصف بـ«داعش» أحد المفاتيح الهامة التي تعزز من نفوذ إيران وتجعل الغرب الذي عجز حتى الآن في بلورة استراتيجية حقيقية وموضوعية في محاربة هذا التنظيم الوليد، يتودد لطهران لتفتح له بعض الأسوار الموصدة في وجهه خصوصا في العراق وسوريا حيث تملك أوراقا رابحة لا تزال تحتفظ بها. وإدراك الولايات المتحدة، رأس الحربة في هذه الحرب الدولية، أن أي عمل من دون مباركة إيران لن يكتب له النجاح ولن يحقق أي نتائج، يجعلها تغض الطرف عن تمدد النظام الإيراني، ومحاولات توسعه، مع الاتفاق على خطوط حمر لا يمكن تجاوزها لتأكيد حسن نوايا الطرفين.
عزف على وتر التناقضات
تاريخ العلاقات الغربية الإيرانية بتجارب سابقة مثلما حدث في العراق سابقا، يعزز الفرضية التي تجعل من حلحلة هذا الملف (النووي) أمرا واردا جدا، ومسألة وقت، ولا ينقصه سوى استكمال بعض التفاصيل العالقة.
ويؤكد المراقبون أن التسريبات الأخيرة حول الرسائل المتبادلة بين الرئيسين الأمريكي والإيراني تعزز من هذه المقاربة وتجعل المجتمع الدولي يتوقع قريبا سقوط اسم طهران من قائمة رعاة الإرهاب وإن لم يحدث ذلك بشكل علني، فسيكون في صيغة اتفاقات سرية غير معلنة.
دور السلطنة كوسيط بين إيران
والغرب يمنح العمانيين دورا محوريا
في مستقبل المنطقة
وفي هذا الصدد يشير الدكتور رشـيـد يـلـوح الباحـث في الدراسات الإيرانية في مركز الإمارات للسياسات في تصريح خاص لـ»القدس العربي» إلى»أن لقاء مسقط شكل محطة حاسمة في مسار المفاوضات النووية بين إيران ومجموعة 5+1، وهذا من خلال دلالات مكثفة وواضحة». وأشار إلى أن اللقاء يؤكد استمرار دينامية بناء الثقة بين إيران والغرب، لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية، وهي العملية التي بدأت قبل سنوات بشكل سري، وخرجت إلى العلن في ايلول/سبتمبر 2013، وتم تتويجها بالاتفاق النووي المؤقت في تشرين الثاني/نوفمبر 2014 بين إيران ومجموعة 5+1، وهذا يعني أن التقارب بين الطرفين قد بلغ مداه، إذ كلما تواصلت اللقاءات وتعمقت النقاشات في الغرف المغلقة تم تأطير خلافات وتجاوز عقبات. ويضيف «أن اللقاء في مسقط يرسخ دور السلطنة كوسيط بين إيران والغرب، ما يرجح أن يكون للعمانيين دور محوري في مستقبل المنطقة، ولا شك أن هذا الدور سيكون بتدبير وتنسيق إيراني أمريكي، لكن السؤال الخطير هو: هل سيكون هذا الدور متكاملا مع أهداف ومصالح باقي دول الخليج أم معاكسا لها؟ وهل تستطيع عمان أن تستثمر جهود وساطتها الحالية بين الإيرانيين والأمريكيين لصالح دول الخليج أم لا؟».
ويكشف الباحث أن المحادثات أحيطت بسرية كبيرة، تماما كما ظلت نتائجه بدون إعلان، ولم يستطع الإعلام حتى الآن استخلاص أي شيء مما دار داخل الغرف المغلقة بين الطرفين، بالرغم من وجود بعض التلميحات غير الواضحة وأحيانا المتضاربة، وهذا يؤشر أولا على وجود رغبة حقيقية عند المتفاوضين على الوصول إلى اتفاق، وأن هناك حداً معقولا من الثقة تم تحصيله حتى الآن، وأخيراً احتمال وجود قضايا في غاية الحساسية في أجندة المفاوضات لا يريد المتفاوضون أن يطلع عليها أحد. ويشدد الخبير في الشأن الإيراني على أنه «من الصعب جداً الحديث عن فرص توقيع الاتفاق النهائي في 24 من الشهر الجاري، لكن المؤشرات كلها تؤكد أن الخلافات الجوهرية لم تعد قائمة على مواضيع فنية، والأرجح أن الخلاف الحقيقي الآن يقوم على قضايا سياسية، وخطورة هذا الأمر تكمن في أن إدارة أوباما مصرة في هذه المرحلة على تحقيق نصر تاريخي بتوقيع الاتفاق، ما يجعلها غير جادة في أخذ مصالح وتخوفات حلفائها الخليجيين بما ينبغي من الحزم». ويضيف «منذ توقيع الاتفاق المؤقت في السنة الماضية تزايدت التدخلات الإيرانية في المنطقة، ولم يتردد الإيرانيون في التنظير لمشروعهم الجيوسياسي التوسعي في الإقليم، كما لم يترجموا رغبتهم المعلنة في التقارب وحسن الجوار مع العرب إلى أفعال طيلة هذه السنة». ويقول الدكتور يلوح «في هذه الفترة أيضا برز الخطاب الأمريكي بخصوص إيران متقلبا وأحيانا مبررا للسلوك الإيراني، وفي هذا السياق يمكن فهم رسائل أوباما إلى خامنئي، والتي كشفت مدى حاجة أوباما إلى دور إيراني في المنطقة، على العكس تماما مما يعلنه في تصريحاته».
ويتابع أن «هذه المؤشرات وغيرها تؤكد أن لعبة المصالح بين طهران واشنطن يمكن أن تكون لها نتائج مفاجئة، لا سيما لدول الخليج التي ينبغي لها أن توحد جهودها وتنسق سياساتها لمواجهة أي ترتيب أمريكي جديد لموازين القوى في المنطقة». ويستخلص الباحث إلى أنه «في حال التوصل إلى اتفاق نهائي، وفي حال استمرت إيران في تنفيذ أجندتها التوسعية، فقد تكون مستفيدة داخليا وعلى المدى القريب، أما على المدى المتوسط فسيكون على إيران أن تواجه رفضا شعبيا شديدا في المنطقة العربية، وليس مستبعدا أن تكون أمام مقاومة شعبية تمنعها من اختراق المجتمعات العربية».
سليمان حاج إبراهيم