سليم بركات: “موسوعة الكمال بلا تحريف (نشوء المعادن)”

حجم الخط
0

هذه هي الرواية الـ27 للشاعر والروائي السوري سليم بركات، بالإضافة إلى “الجندب الحديدي” وهي سيرة الطفولة، و”هاته عالياً، هات النفير على آخره” وهي سيرة الصبا. وبعد التوغل عميقاً في استكشاف الشعريات الفاتنة الخافية خلف عوالم الحيوان والنبات، يذهب بركات في هذه الرواية نحو المعادن، لجهة الخام والفلزات والفصائل والزمر، وتجسيداتها في هيئات أنثوية تعكس الأمزجة والأطوار والتقلبات. وجاء في تعريف الرواية أنها “تستحضر المعادن كائناتٍ مشخَّصة تتخاطب وتتواطأ وتُخادع بما تمتلك طبيعة بعضها من قدرة على سلب خصائص بعض آخر في سياق النشوء والبقاء؛ ولكل هؤلاء الشخوص “المعدنية” اسماءُ فلزاتٍ وتراكيبُها الذرية. إنه عالم المعادن المستَسرُّ قبل انكشافه أمام آلات الإنسان في مناجمه”.

هنا فقرات من “رقص الحشرة”:

حطَّت حشرةٌ حديد، طويلة الجسم حلقاتٍ كالأسروع، بجناحين رُقاقتين، على ظهر حشرة أخرى، كُريَّةِ الهيئة، بلا جناحين، ذات أرجل مفصلية طوال. سمَّرت الحشرة المجنَّحة الحشرةَ الكُريَّة على رأس سويقٍ من العشبِ الأسلاك ـ عشبِ ضفة النهر. نتشت حديدَ جسمها بفكَّيها القويين، ثم لفظت كلَّ نتشةٍ أرضاً، مُذ لا مريء لها ينزل فيه طعام، ولا معدة أو أمعاء.

أنجزت الحشرةُ المجنَّحةُ تفتيتَ الحشرة الكُريةِ كُسَارةً سَقْطاً. همَّت بالطيران فاستقر على ظهرها جُدْجدٌ ذو خرطوم كالبعوضة أنْفذَه في رأسها غرْزاً. جمدت الحشرةُ المجنحة مغمىً عليها. وثب الجدجدُ عن ظهرها فتلقَّفته شبكةٌ رقيقة من الخيوط المعدن. تخبَّط برهاتٍ قبل أن تحتويه عنكبوتٌ في شرنقة من الخيوط الحديد غلَّفت هيكلَه كلَّه.

تلوَّت سيقان العشب الأسلاك كأنْ هبَّ عليها هواءٌ ليس من خصائص أرض ماغما التي بلا ريح، أو هواء، أو نسيم. روحُ العشبِ المعدنُ أثارها متمايلةً، ربما.

صاحية كانت السماء، مجلَّلة برماديِّها الحصين. لا كالحة، ولا ملتمعة، يجاريها النهرُ لوناً، دفَّاقاً بمائه الصُّهارة يلتفُّ حلقاتٍ على حلقات في المطاوي المتعرجة من ضفتيه. ترسَّمت كائناتٌ جارية مع الماء الصهارة، بأشكالٍ نَحْتٍ تتجسَّم على عجلٍ، وتنحلُّ على عجلٍ، كأنها مستحيةٌ أن تُلْحَظ. كائنات ليست منفصلة عن الماء الصهارة؛ ليست مقيمة في الماء، بل هي الماءُ ذاته يتشكلُّ هيئاتٍ نقوشاً على سطحه في الجريان، بتماوجاتٍ غائرة أحياناً، ونافرة أحياناً.

ماءٌ من صُهارة الحديد ينفصل عن نفسه في التشكُّل كائناتٍ نافرة تكاد تقفز منه: نوارسَ، وزماميجَ، وطَيْطوى، وبَفَن؛ كلها طيور تعلو أجنحتُها الحديد فوق الصُّهارةِ الماءِ الحديد، ثم تعود ذائبة فيه”.

المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت وعمّان 2020

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية