الأهداف الخفية لإسرائيل في اتفاقات التطبيع مع العرب

وديع عواودة
حجم الخط
1

 مسيرة التغيير من لاءات الخرطوم إلى فنادق الخمس نجوم

الناصرة-“القدس العربي”:هناك مؤشرات وتسريبات وتصريحات كثيرة تفيد بأن تطبيع الإمارات والبحرين جاء بمبادرتهما بدوافع تتعلق بالرغبة بفتح أبواب البيت الأبيض وبحيازة سلاح أمريكي متطور والخوف من إيران وغيرها، لكن إسرائيل بمختلف حكوماتها طالما سعت بشتى السبل ومنذ قامت كي تقيم علاقات علنية مع العالمين العربي والإسلامي. من جهتها استغلت إسرائيل مسيرة التغيرات الإقليمية والعالمية خاصة بعد توقيع مصر والأردن لاتفاقي كامب ديفيد عام 1977 ووادي عربة عام 1994 ولاحقا اندلاع الربيع العربي وتساقط أنظمة مركزية وتزايد التمدد الإيراني كما يتجلى في سوريا واليمن، كي تحصد ثمارا دبلوماسية على شكل اتفاقات تطبيع رسمية. وهكذا استغل الاحتلال حاجة السعودية المتزايدة في المدة الأخيرة للتقرب أكثر من الولايات المتحدة بكل مكوناتها وفعالياتها السياسية كالحزبين الجمهوري والديمقراطي وعدم إبقاء علاقاتها المتينة رهنا على العلاقات مع الرئيس الأمريكي بالأساس وهو طامع بمقدراتها وغير معجب بأي شيء آخر فيها. في الأمس الأول كشف الملياردير الإسرائيلي/الأمريكي حاييم سابان كيف سعى ولي عهد السعودية محمد بن سلمان وشقيقه خالد لديه كي يتوسط لهما بالتقرب من جهات أمريكية اشمأزت من السعودية بعد فضيحة اغتيال الصحافي جمال الخاشوقجي. في حديث لـ “يديعوت أحرونوت” قال سابان إنه استجاب لرغبتهما فورا ولم يخف دافعه عنهما بالقول إنه سيأتي يوم ويطلب الثمن من السعودية مقابل ذلك من أجل خدمة إسرائيل. وبالفعل أكدت مصادر عربية وأجنبية ما قالته مصادر إسرائيلية إن التطبيع مع الإمارات ومع البحرين تحديدا لما كان يخرج لحيز التنفيذ لولا مباركة السعودية التي سمحت أيضا بعبور طائرات الاحتلال في سماء مكة والمدينة وسائر أراضيها. لكن المكشوف اليوم بدأ مستورا قبل عقود ولم تتوقف إسرائيل يوما عن التطبيع مع دول عربية وإسلامية منذ قيامها على حساب الشعب الفلسطيني.

على رأس مراميها الإستراتيجية في البحث عن اتفاقات التطبيع هو التأثير على وعي العرب وعلى وعي الإسرائيليين أنفسهم عبر الحصول على اعتراف أصحاب الحق المسلوب باللصّ وإسباغ الشرعية على سرقته لتصبح دولة طبيعية وجزءا من المنطقة مما يساعد الإسرائيليين في تعزيز ثقتهم بأنفسهم بإمكانية بقاء مشروعهم الصهيوني الاستيطاني الإحلالي وربما تخفيف مشاعر ذنب دفينة لدى أوساط إسرائيلية. طبعا في سلتها الأهداف الاستراتيجية من خلال التطبيع مع دول عربية وإسلامية هناك مطامع متنوعة، منها الاقتصادية والاستخباراتية والجيوسياسية المتمثلة بمواجهة محاور معادية لها في المنطقة والعالم.

شكّل اتفاق أوسلو مع الفلسطينيين عام 1993 فرصة ذهبية لإسرائيل من أجل تحقيق مآربها بالتطبيع مع أكبر عدد ممكن من الدول العربية والإسلامية وسط استغلال تطبيع السلطة الفلسطينية العلاقات معها لدرجة التنسيق الأمني بينهما مما ساهم ولا شك في إزالة حواجز سياسية ونفسية لدى دول أخرى. وبالفعل قاد حزب العمل برئاسة الراحلين اسحق رابين وشيمون بيريز إسرائيل للتطبيع السري أو شبه المعلن مع عدة دول خليجية ثم مع المغرب وتونس بأشكال مختلفة تعزيزا لعلاقاتها الدبلوماسية مع مصر والأردن. في ذلك مضت إسرائيل في تحقيق مآربها بإضعاف الظهير العربي للقضية الفلسطينية بالتدريج وبالخطوة خطوة نحو تحويلها لمسألة داخلية كي تستفرد بالفلسطينيين الذين وجدوا أنفسهم بعد أوسلو بدون دولة ومع سلطة فلسطينية مهمتها مهام بلدية، ومع حقائق استيطانية على الأرض ضاعفت حجم الاستيطان ثلاث مرات تحت غطاء المفاوضات والعلاقات الآخذة بالتحسن مع العالمين العربي والإسلامي.

في الجانب الاقتصادي أدركت إسرائيل أنها هي الرابح الأكبر في اتفاقات التطبيع مع العرب من خلال استغلال قدراتها الأمنية العلمية والتكنولوجية والزراعية والطبية وغيرها كي تدخل المليارات لخزينتها بفضل التصدير والاستثمار وبيع الخدمات المتنوعة، وهناك عشرات شركات السلاح والخدمات الأمنية والاستخباراتية التي تتعاون مع دول عربية خاصة في الخليج ومنها ما يوظف لملاحقة المعارضين وقمعهم وحماية الأنظمة كما تؤكد جهات حقوقية إسرائيلية تعارض هذه الصفقات التي تنتهك حقوق الإنسان.

ومنذ أكثر من 15 سنة بدأت إسرائيل بإعادة بناء مقاطع من سكة الحديد الحجازية التاريخية لتربط بين ميناء حيفا ومدينة بيسان المجاورة لمعبر الشيخ حسين الأردني، ومن وقتها توالت تصريحات الساسة الإسرائيليين بأن هذه مقدمة نحو إعادة بناء السكة بالكامل حتى تصل للسعودية واستغلالها القريب للمواصلات والتجارة بعد تحقيق السلام المنشود مع هذه الدول العربية. وقد عبر شيمون بيرز عن هذه المرامي الاقتصادية الكبرى في كتابه “شرق أوسط جديد” قبل نحو العقدين.

وباتت الحاجة ملحة أكثر للتقرب من دول خليجية مع انطلاق المشروع النووي الإيراني قبل نحو عقدين، وكانت إسرائيل ترى بوجود نفوذ وأصدقاء وحلفاء لها هناك مكسبا استراتيجيا، وبحق فسلطنة عمان والإمارات على سبيل المثال هما بالنسبة لها شرفة عالية مطلة على طهران. وربما تصبح قواتها على بعد خمس دقائق منها بعد بناء قواعد عسكرية أو استخباراتية، وقد أفادت تسريبات بذلك قبل أسبوعين تحدثت عن بدء بناء قاعدة إسرائيلية استخباراتية على أراضي الإمارات مقابل “العدو الإيراني المشترك” وهو عدو تقلل حتى أوساط إسرائيلية من خطورته وترى أن دولا خليجية تسعى لتضخيمه لتبرير تحالفها مع إسرائيل بحثا عن هدف غير معلن آخر وهو حماية أنظمتها الحاكمة بعد أحداث الربيع العربي وزعزعة المنطقة بدءا من 2010.

ومع سقوط حزب “العمل” في المرة الأخيرة وصعود اليمين برئاسة بنيامين نتنياهو عام 1996 اعتبرت إسرائيل أن هناك هدفا آخر للتطبيع مفاده قلب المعادات وصولا لمعادلة جديدة تفيد بإمكانية السلام مقابل السلام مع العرب من دون تسوية القضية الفلسطينية وسط تجاهل مهين للمبادرة العربية للسلام. استندت نظرية التطبيع وإنشاء علاقات سلام مقابل سلام مع الدول العربية على منطق القوة القائم بأن من يحمل عصا غليظة جدا سيدفع خصومه للتراخي والخضوع وتطبيع العلاقات بمعنى جعلها طبيعية عاجلا أم آجلا، وهذا ما عبّر عنه نتنياهو في كتابه قبل ثلاثة عقود: “مكان تحت الشمس”.

بصرف النظر عما إذا كانت هذه استراتيجية مجدية حقا أم تغطية على قرار بعدم التصالح مع الفلسطينيين والاستئثار بكل فلسطين من بحرها حتى نهرها، لكنها أمام تساقط دول عربية كحجارة الدومينو فقد تصبح استراتيجية حقيقية عملية قادرة على تحقيق مراميها الكبيرة في امتحان النتيجة. وبصرف النظر عما إذا كانت هذه رؤية إسرائيلية حقيقية أم أنها ببساطة استسلام أو رّدة عربية أو “فرج عربي” كما كان يقول الروائي الفلسطيني إميل حبيبي، فإن نتيجتها تصب الماء على طاحونة إسرائيل نحو تحقيق مراميها الاستراتيجية على مستوى وعي العرب والمسلمين والإسرائيليين ووعي العالم علاوة على أهداف إستراتيجية أخرى ذكرت. ومع كل هذه المكاسب هناك أصوات في إسرائيل ما زالت قليلة وتكاد لا تسمع بعد، تحذر من أن هذا الانتصار من شأنه أن يتحول إلى هزيمة موجعة لإسرائيل ليس بفضل قوة العرب ووحدة الفلسطينيين ومقاومتهم بقدر ما هو خطأ استراتيجي ترتكبه إسرائيل ذاتها بتكريس وضع يدفع بالضرورة نحو اختلاط الحابل بالنابل وتحولها لدولة واحدة ثنائية القومية غير يهودية وغير ديمقراطية. كما يحذر مثلا رئيس حكومتها الأسبق خصم نتنياهو السياسي إيهود براك. وهناك جهات إسرائيلية لا تكتفي بالقول “غير يهودية وغير ديمقراطية” بل ستتحول إسرائيل عندئذ برأيهم لعربية في نهاية المطاف في ظل الميزان السلبي للهجرة.

اقتباس

سلطنة عمان والإمارات بالنسبة لإسرائيل شرفة مطلة على طهران

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية