جيلي والاحتفال بعيد الميلاد

كلما حل يوم ميلادي، بارك لي العديد من العزيزات والأعزاء هذا اليوم الذي ولدت فيه. اليوم من السهل الوصول إلى العديد من المعلومات الشخصية التي تخص على سبيل المثال يوم ولادتنا، ومكان عملنا، وماذا نكتب، وماذا نقرأ ومعطيات أخرى تخص سير نظام حياتنا، التي هي اليوم ليست فقط في ملكيتنا لوحدنا، بل أصبحت في قبضة العديد من الوسائط التكنولوجية، التي تستفيد منها ماليا وماديا، ضمن رؤية عولمية، حيث تصبح المعلومة التي كنا نعتقد أنها بسيطة وعادية، موظفة لغايات عديدة، بعضها قد نعلمه وبعضها لن نعلمه حتى ونحن في قبورنا.
كلما بارك لي صديق يوم ميلادي، هزتني العديد من الأحاسيس الباطنية الغريبة، والتي لا أجد لها تفسيرا، و«أنا» المولع والعاشق لتفسير العديد من المتون الروائية والقصصية والسينمائية والتشكيلية، وغيرها. أنتمي إلى جيل لم يكن يعرف معنى عيد الميلاد. لم تكن في زمنه حلوى عيد الميلاد. لم نكن نعرف متى ولدنا إلا حينما كان يطلب منا المدرس كتابة أسمائنا وتاريخ ولادتنا ومكان الولادة. كنا نعتقد أن تاريخ ولادتنا لا يصلح إلا لما هو إداري صرف.
عديدة هي الوقائع التي كان يؤرخ بها لولادة جيلي والجيل السابق. وقائع معظمها يؤرخ للعديد من الأحداث التاريخية الوطنية كنفي محمد الخامس (رفود الملك) أو عودته من المنفى (رجوع الملك) أو عام (البون) وهو العام الذي ضربت فيه المجاعة البلاد، وكان المستعمر الفرنسي وثيقة (بونا) لتسلم السكر.
جيلي كان ولا يزال يعتقد أنه ولد لكي يتعلم ويقرأ ويكتب. كانت له علاقة شبه مقدسة مع الفقيه، الذي كان أول من يعلمنا القرآن الكريم في «المسيد» (الجامع). كان يعلمنا حفظه وكتابته على اللوح، وقبل هذا كان يعلمنا بضعة حروف وبضع كلمات وغيرها. جيل ولد وتربى في دروب وأحياء وأزقة شعبية، كلما شاهد قطعة خبز قبّلها ووضعها في ركن آمن حتى لا يمر عليها مار بدون أن يراها، وإن كان جائعا ينظفها ويلتهمها ويتبعها بجغمة ماء من بئر، ماؤها عذب صاف لم تمسسه يد الرأسمالية المتوحشة، ليصبح على ما هو عليه الآن.
جيل لم يشتر له آباؤه لعبا للعب، بل، صنعها بيده وحاورها واستمتع بها وتلذذ بطريقة البحث عن مكوناتها الطبيعية للصنع.
جيل، كان كلما شاهد المدرس في يوم من أيام العطلة إلا وهرب إلى وجهة غير معروفة خوفا منه. نعتز بكوننا ننتمي إلى جيل «قدّس» الدراسة والمدرس والمدرسة والكتاب. جيل، تربى في أحضان الجار وكانت أبواب المنازل لا تغلق إلا في ساعات متأخرة من الليل، وتفتح في الصباح الباكر، فالكل مرحب به والكل يتقاسم اللقمة الواحدة، على نغمات ليل يسهره الجميع ويعد نجوم السماء، وعلى لذة حكاية تروى من لدن الجدة. جيل كانت أمهاته وآباؤه بدورهم لا يعرفون تاريخ ولادتهم، إلا حينما وقفوا أمام مستعمر فرنسي ليسجل لهم تاريخ ولادتهم، وفق هواه، ووفق ما يترجمه شيخ من صناعة المستعمر خائن يكمل الشتم إذا بدأه القائد الفرنسي، ويسمي آباءنا وأجدادنا وفق معايير جسدية غير أخلاقية، تدخل ضمن حربه السارقة لخيرات وطني.
قد أكون من زمرة المحظوظين، حيث كانت أسرتي تملك حالة مدنية، لأن أبي ، كان موظفا، وكان عليه أن يتوفر عليها وفيها سجلت أسماء إخوتي، وما أكثرهم، وقد أضاف أبي أوراقا أخرى إلى الحالة المدنية حينما أكمل التسجيل بها.

اعتاد جيلي، وبكل صدق أن لا يحتفل بعيد ميلاده، وإن فعل وورطه أبناؤه أو أصدقاؤه، فلن ينسى أن سنوات عديدة من عمره، مرت وبدون أن يعرف متى ولد.

كيف يحتفل جيل بعيد ميلاده ويرقص على إيقاعات هادئة لم يتعود عليها، بل، تعود وهو معتز بهذا، على رقص شعبي بدوي، يبدأ بالتمايل البسيط وحشمة تعم كافة الحاضرات والحاضرين، سرعان ما تتطور برقص جماعي عائلي مفرح للجميع، وقبل غزونا بأحكام فقهية ظالمة وغاصبة للحق في الفرح العائلي الشعبي. فرح ورقص تصبح معه ملابس الجميع مبتلة بعرق طبيعي غير عرق اليوم الآتي من رحم أكل معظمه غير طبيعي، فيه مواد كيميائية مهددة للجميع، بل هو عرق آت من رحم يدي أم كانت تعجن خبزها بدقيق شعير أنتجته صحبة أب من أوله إلى آخره، وفاكهة نادرا ما نأكلها، وإن أكلناها نأكلها في زمنها/موسمها، وكانت لها لذة ورائحة تشفي العليل من كل سقم وتجعلك تنتشي وكأنك حاكم هذا العالم ككل.
اعتاد جيلي، وبكل صدق أن لا يحتفل بعيد ميلاده، وإن فعل وورطه أبناؤه أو أصدقاؤه، فلن ينسى أن سنوات عديدة من عمره، مرت وبدون أن يعرف متى ولد. كل عام وجيلي ومن سبقه أتمنى له عمرا مديدا وأن يقضي الجميع ما تبقى في العمر، في أمن وأمان، بدون حروب وبدون أوبئة وحظ سعيد للأجيال اللاحقة التي أتمنى أن تعيش حياة لا تكون كلها في قبضة التكنولوجيا، التي مهما استفدنا من منافعها، فهي اليوم ترسم ملامح أجيال ستكون في قبضتها والتحكم المطلق فيها، حيث سيكون لأعناق الجميع وضعا منحنيا خاصا بـ«قراءة» وتتبع ما تقذفه هذه التكنولوجيا كل لحظة من صور وأخبار، العديد منها، مخدوم لتضبيع وتضييع زمن المجد العائلي والإنساني، حيث تأكد اليوم وبالملموس أن السعادة، قد تتحقق في كيفية التملص من الإدمان على هذه التكنولوجيات العديدة، والغاصبة للحق في التمتع بجمال الطبيعة وحلاوتها ومرافقة من يحرث بمحراث خشبي، كمشهد هو اليوم شبه نادر، وقد لا نراه إلا في فيلم روائي قديم، بينما اعتاد جيلي عليه إلى درجة أنه أصبح من تفاصيل حياة بدوية، كنا ننظر إليها بعين الفقر في زمننا، لكنها اليوم هي الحياة/السعادة في أبهى تجلياتها.
تجليات كلما بدأت في حكي بعض جوانبها لطلبتي وأبنائي وأبناء عائلتي وأصدقائي، اعتقدوا، أنها من زمن الحكايات الخيالية، ما يجعل بعض عيونهن وعيونهم، تكاد تغلق وكأنني أحكي «خرافات» أو محكيات شعبية من زمن غابر، بينما كلما أحكيه لهن ولهم هو جزء بسيط من حياة عشتها زمن الستينيات والسبعينيات، وهم الذين ولدوا في تسعينيات القرن العشرين وألفي القرن الجاري، وقد رسمت على وجوههم العديد من التجاعيد/المآسي الآتية من اهتزازات عولمة لا ترحم، وقد أدخلت الجميع في زمن الأوبئة وصناعة خوف لن ينتهي.

٭ كاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية