«مولانا الشيخ جواب»… الصوفية وتجلياتها بين النفي والإثبات

تبدأ رواية «مولانا الشيخ جواب» بإهداء يصدّره الكاتب يسري أبو القاسم في الصفحة الأولى على النحو التالي.. «إلى صاحب العباءة الخضراء جدي الشيخ فخري عثمان»، بهذا الاستهلال يقودنا صاحب الرواية إلى داخل روايته التي تقع في 162 صفحة من القطع المتوسط، يمتلئ جُلها بأحداث وقصص لا تخرج عن حيز الصراع الأزلي بين الصوفية كفكرة ومنهج ودلائل، ونفيها وإنكارها واعتبارها ضرباً من جنون أو لوث أو هلاوس، وهو الخيط الرفيع الذي يقبض عليه الكاتب، ويتتبعه محاولاً الوصول إلى طرفة الأخير، إلى أي مدى يمتد وإلى أين ينتهي؟
ولكي تظل العلاقة الجدلية قائمة بين العلم، الذي يمثل العقل والمنطق، وضروب الهوى ومكامن النفس البشرية، بما تنطوي عليه من خوف وجزع وطمأنينة، تسير أحداث الرواية متواترة في خطين متوازيين، مرتكنة إلى ملحمة الصراع والإنزال المحتدمين بين الصوفية المتمثلة في رمزية صاحب العباءة الخضراء، والعلم بشروطه ومنطقة الخاص، المتمثل في الدكتور محمد، ذلك الطبيب الشاب الذي لا يؤمن إلا بما يثبت وجوده علمياً بالدراسة والبحث والتجربة.
وهكذا تتوالى خيوط الأحداث في النسج والتعقيد على خلفية نفي العلم للظواهر الخارقة، وعدم اعترافه بها، بينما تدور أشياء وشخوص وعلامات وإمارات في فلك آخر لعالم آخر ينأى بنفسه بعيداً عن العالم المادي، ويسبح في ملكوت الأرواح والطاقات الإيمانية اللامحدودة، فيفرض وجودة كشعاع غير مرئي يتخلل الروح والجسد، ويذهب بالعقل فيأخذ بناصيته إلى وجهة مغايرة، يتطلع من خلالها إلى الارتقاء فوق الشهوات والشبهات والرغبات، فيصير أقرب إلى النسائم، ويشفّ عن طيبة وطاعة وكرامة، وهنا تتحدد مواطن الاختلاف والخلاف بين المؤمنين بالروح المُلهمة والمؤمنين بالعقل المجرد.
تلك هي المسألة الجوهرية التي قامت عليها فكرة الرواية الفلسفية الإيمانية ليسري أبو القاسم، بما احتوته من صراعات وتناقضات بين الشخصيات والأفكار على خلفيتين متضادتين العلم والظن، فالأول مؤكد بذاته وتجربته، والثاني منفي بالعقل ومُحتمل بالإحساس، لكن ثمة تشكيك يصاحب هذا الإحساس، ويرده إلى الخوف، كمصدر أساسي لتوليد الأفكار والطاقات الكامنة المطلوبة للاتزان النفسي، والحماية من الاضطرابات، وهو ما يراه البعض تفسيراً علمياً لما يُسمى بالخوارق.
ولكن يبدو أن الكاتب يسري أبو القاسم قد دخل هذه المنطقة مدفوعاً برغبة قوية في البحث عن التجليات الصوفية لأصحاب الكرامات، متأثراً بسيرة جده الشيخ فخري عثمان، فقد انحاز بشكل لاشعوري إلى مبدأ الاعتقاد في وجود الكرامات والخوارق، وهو واقع تحت تأثير السطوة الوجدانية للجد، وما روي عن تجلياته وغرائبه، وما ارتبط منها بالإيمان والمواظبة على أداء الفرائض والعبادات، لذا نراه بحسب السياقات الواردة في روايته منجذباً بقوة في اتجاه الفكرة الغيبية، وإن لم يصرح بذلك، لكنه يدلل عليه مطوعاً شخصياته الروائية تطويعاً إيجابياً في هذا الصدد، بما فيها شخصية الطبيب، الذي بدأ معارضاً وانتهى به الحال ولياً من الأولياء، ناهيك عن الشخصية الأساسية التي بُنيت عليها الرواية، شخصية صاحب العباءة الخضراء، ذلك الذي يظهر ويختفي ليُنبئ الطبيب ذاته بما سيحدث، أو ما ينبغي أن يحدث من خطب أو مسرة في تلويح بمعان تُفضي إلى التسليم بوجود كائنات غير مرئية محيطة بالبشر يصح أن تكون إلهاماً، أو أن تكون خيالاً، المهم أنها موجودة وفاعلة.
أما ما يُقره أبو القاسم ويعترف به بشكل حقيقي، فهو عبثية الأضرحة في بعض الحالات واستخدامها للاحتيال والنصب على السُذج من المتورطين والمأزومين من عامة الناس، بيد أنه في مقام آخر يُعظّم من شأن أصحاب المقامات، ويذكر آل البيت، بما يؤكد كرامتهم ووصولهم مع الله إلى أعلى الدرجات والمراتب، في ما يعني أن الرواية تترجم شيئاً من قناعاته، ويتفق بعضها مع مفهومه الشخصي للصوفية والصوفيين، كعوالم وأشخاص ومريدين، فلم يتورط في مهاجمتهم أو نقدهم، وإن بدا مواجهاً لهم في بعض المواضع، لكنها مواجهة تستهدف التأكيد أكثر مما تحض على النفي، وربما وضح ذلك بقوة في مشهد الفلاش باك التاريخي الخاص بمحاكمة الحلاج، وما ورد على لسانه من حجج وبراهين أثناء المحاكمة، كانت كفيلة بتأييده والإعجاب به، وقبلها كان لقاء الطبيب بالحلاج في الزنزانة، والمناظرة التي جرت بينهما على نحو بارع من البلاغة والرقي.
ولكي يضع الكاتب ظلالاً للصوفية على الأرض لجأ إلى نسج قصص من الحب والرومانسية، ليؤكد التقاء طرفي الخيط بين ممثلي الخطاب العلمي الواقعي، ورموز الصوفية الذين يعيشون في بوتقة المثالية والفضيلة، ليتسنى لنا قراءة اللحوحة بمعطياتها الحقيقية، حيث تتجاوب مشاعر الفتاة الجميلة صوفيا ابنة الشيخ الصوفي الجليل، التي تهوى الأدب ولها من اسمها نصيب، تتجاوب مع مشاعر الطبيب الشاب، الذي يهفو قلبه إليها فيصارحها بحبه، ليس هذا وحسب، بل تسعى الفتاة من جانبها لتعزيز العلاقة، لكن شيئاً ما يحدث، فيُنهي العلاقة قبل رسوخها ونضوجها واستقرارها، ولكنها تترك أثراً وتظل ذكرى محفورة في العقل والوجدان.
وهناك من العلامات الكثيرة التي يستخدمها الكاتب للوصول إلى المعنى المرجو والمستهدف من الانعطافات المتكررة على قصص الغرام والهيام المتداخلة والمتشابكة بين الطبيب محمد وبقية البطلات، علياء وروناء مفادها التنوير على مواطن العشق داخل النفس البشرية بمواصفاته وسماته المختلفة، كأنه المعادل الحقيقي للجوهر الإنساني، والمرادف الأصلي للمعنى الصوفي.

٭ كاتب مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية