لا أجمل من ذهابك في ما يسرّ خاطرك، ويغسل روحك من عنائها لتجد المتعة وقد تضاعفت، والروح زادت سموقاً، بل حلّقت في فضاءات لم تكن قد تهيّأت لها. بالأمس (الأربعاء 12/11/2014) قصدت المعرض الدولي للكتاب في شارقة العروبة، مغتنماً وجودي في زيارة لدولة الإمارات الحبيبة، بغية الاطلاع على جديد ما جادت به قرائح الشعراء وأقلام الكتّاب، وللحقيقة أقول: كم كنت منتشياً وأنا أسبح في بحر يموج بالعناوين، والكتب، وزادني فرحاً رؤية الإقبال على المعرض من مختلف الأعمار والجنسيات.
إلاّ أنّ ما شدّني أكثر، وشحذ همتي لشدّ الخطو أكثر صوت تناهى لسمعي يلقي شعراً من مكان ما، وعرفت بعد أن سألت ان هناك المقهى الثقافي، فندمت على زهدي في خريطة الموقع والفعاليات معتمداً على قدراتي الذاتية في اكتشاف المكان.
أمام المنصة التي يجلس عليها الشعراء جلست، كان هناك شاعر من سوريا واسمه عبدالكريم يونس، وآخر من فلسطين هو الشاعر حسن أبودية، فيما كان يُنقّل الحوار بينهما شاعرعراقي هو فائق الخالدي، ولست معنياً هنا بتقويم الأمسية بقدر ما أنا معني بما دار في خلجاتي وأنا أستمع لحسن أبودية، هذا الفلسطيني الذي أعاد لذاكرتي الشاعر محمود درويش، فقلت كم من شعراء ومبدعين في عالمنا العربي يظلمهم الإعلام إذ لا نعرف عنهم شيئاً! وواسيت نفسي بأن اللآلئ دوماً تحتاج لجهد في الحصول عليها، وقد حصلت الليلة على لؤلؤتي.
كانت الصور الشعرية تتدفق كنهر ثرٍّ، من ينبوع دافق، لتأتيك متلاحقة يسابق بعضها بعضاً في سلاسة وعذوبة بدون تكلّف، فتحملك بعيداً في أفق الانتشاء، وتسير بك إلى عوالم شتى، فأبودية كان يتكئ على الموروث الثقافي للكنعانيين، فهنا إشارة لاكتشاف النحاس، وهناك لأسطورة الأفعى ذات الرؤوس السبعة، مروراً بغزو نابليون لعكا وعودته مهزوماً، وما يتعرّض له هذا التراث من استلاب ومحاولات طمس.
كانت حيفا تلوح في عينيه وهو يقرأ ترنيمة إلى حيفا، فأرى الحنين يمتد عبر السهل، وفي أذنيّ يتردد صوت هدير البحر، وهو يعيد للذاكرة يافا وميناء يافا والصيادين العائدين مع الفجر، وكم حلقنا مع (يالو) قرية الشاعر وهو يصورها تأخذ ريش العمر النازف لتزرع في خاصرة الغيم جناحاً، وإلى أمّه كان بكاءً صامتاً بين شفتيه بقوله: صباح الصبر يا أمي …. وهو وإن رقّ صوته وهو يلقي قصيدة غزل مجاراة لجوٍّ ساد للحظة على الأمسية، إلاّ أن صوته عاد ليهدر وهو يطوّف على عواصم الربيع العربي ليحييّها واحدة بعد أخرى في نفس عروبي يعلن انحيازه لأمته وشعوبها.
ختام هذه العجالة.. وهذه اليوميّة من وحي معرض الكتاب الدولي في الشارقة، أقول: إن كانت فلسطين قد خسرت درويش، من الواضح أنّ خصوبتها ستلد لنا أكثر من درويش..
حسن أبودية، سعدتُ بسماعك، وهذه كلمات أفيك بها حقك، رغم أني لم أقدّم نفسي إليك بعد انتهاء الأمسية.
٭ كاتب واكاديمي سعودي
فهد الحارثي