ما تسمي السلطة الفلسطينية لا تملك أدني مقومات السلطة وهذا الوضع المأساوي يُريح اسرائيل
ما تسمي السلطة الفلسطينية لا تملك أدني مقومات السلطة وهذا الوضع المأساوي يُريح اسرائيل ساد في العالم القديم الاعتقاد أنه بالاضافة الي العناصر الاربعة التي يتركب منها عالمنا ـ النار، والهواء والماء والتراب ـ يوجد عنصر خامس هو الأثير ، الهواء الأعلي الذي رُكبت منه العوالم العلوية. لم ير أحد الأثير أو يتعرف بوضوح نشاطا له يمكن قياسه. من اجل الحقيقة شهد كل شيء بأنه لا يوجد أثير. ورغم ذلك تمسك علماء كثيرون بهذا العنصر الغامض حتي القرن الثامن عشر. فقد كان الأثير ببساطة مبتذل الاستعمال بحيث لا يمكن التخلي عنه. فدائما عندما لا تعرف تفسير شيء ما، كان الأثير الذي لا يُقاس والذي لا يُري يخدمك. هذا هو الأثير أيها الغبي.وها نحن الآن في القرن الواحد والعشرين ويتبين أنه لم يزُل من العالم الايمان بكيانات وهمية. فخذوا علي سبيل المثال واحدا من أشدها شعبية ـ السلطة الفلسطينية . فكل من يستطيع أن يري يري أنه لا يوجد في حقيقة الأمر شيء كهذا. أي أنه يوجد بالطبع فلسطينيون حتي انهم يسكنون في مكان ما، لكن السلطة الفلسطينية؟ أي سلطة تقصدون بالضبط؟ ربما في مرة قبل الانتفاضة الثانية، كان هناك، وراء جبال الظلام والحواجز، شيء ما كان يمكن أن يتطور ليصبح سلطة، أي دولة انتقالية فيها مؤسسات وصلاحيات وبني تحتية. ولكن منذ اندلعت انتفاضة الاقصي دمرت دولة اسرائيل بمنهجية البني التحتية للفلسطينيين ومعها كل تعبير عن الصلاحية والنظام السياسيين.يمكن أن يجادل بعضنا بعضا في سؤال ماذا كان نصيب الفلسطينيين انفسهم في العملية، ولكن يصعب جدا أن يجادل بعضنا بعضا في النتائج. فوراء الحواجز تمتد منطقة بناها التحتية المادية، والاجتماعية والسياسية منهارة، ولا يوجد فيها لا مؤسسات تؤدي عملها ولا قواعد لعب يقبلها الجميع، والشبان فيها لا يقبلون طاعة شيء وجارتها عظيمة القوة تتصرف فيها كما تتصرف فيما تملك، أي أنها تحل كل سوء فهم أو صعوبة بالخط الأقصر بين نقطتين سياسيتين وهو العنف.المنطقة الفلسطينية أرخبيل معقد من الجُزر، كل واحدة منها تحكمها جماعة من المسلحين. فمثل اسرائيل، التي هي موضوع كراهيتها وتقديرها والمثال الذي تحتذي به، هذه الجماعات تحل المشكلات بالقوة. لكي يكون في الامكان الحديث عن سلطة ، يجب أن تكون للدولة سلطة محتكِرة للعنف ـ هذا هو المبدأ الأول في انشاء دولة ـ وأن تؤدي مؤسسات السلطة عملها، وأن يذهب الاولاد الي المدارس، وأن تقوم سلطة جماهير، وأن تكون للسلطات قدرة معقولة علي حشد اجماع المواطنين. لا يوجد أي واحد من هذه الشروط في المنطقة الفلسطينية.لماذا اذا يواصل الجميع النظر الي أنقاض السلطة هذه مثل النظر الي شبه دولة؟ لان هذا مريح جدا. فمن جهة لا تتكل اسرائيل علي الفلسطينيين بشيء، وهي لاسباب مختلفة لا تمنحهم القدرة علي انشاء دولة تهتم برفاهة سكانها، وهي تتصرف معهم كما تتصرف مع جماعة من اللصوص. ومن جهة ثانية تعرض عليهم ـ أي علي جزء من نخبتهم السياسية ـ مطالب داحضة لاعطاء ضمانات واعتمادات لا يمكن لهم اعطاؤها، وتعاقبهم عندما يخطر ذلك علي بالها، وتتحلل من كل مسؤولية. هل الناس في فلسطين علي شفا مجاعة؟ أو متي كانت الأمة الاسلامية الأكثر علمانية تغرق في اليأس والهذيانات الدينية؟ هذه مشكلتهم. لهذا توجد لهم حكومة. لسوء الحظ هذا الترتيب مريح ايضا للنخبة السياسية الفلسطينية. يعلم الناس جيدا أنه لا توجد أية سلطة لكن يريحهم أن يتجولوا في العالم كمسؤولين في السلطة لا كقادة عصابات.وماذا عن الاعلام؟ أيُعلن عن الخدعة؟ هل يناقش بجد الحاجة الي انشاء سلطة دولية هنا تحمي الفلسطينيين من أنفسهم ومنا، وربما تضمن احتمالا للمستقبل؟ لا في الحقيقة. فأمنون ابراموفيتش ورينا متسليح يشغلان نفسيهما جدا بما يُوجه الي نتنياهو من حملات الطعن. هذا أقل تعقيدا ويثمر حصصا أكبر. أتُحبون الأُترُج؟ هنيئا مريئا.أفيعاد كلاينبرغكاتب دائم في الصحيفة(يديعوت احرونوت) 21/3/2006