برنامج حواري يبتعد عن «لغة الخشب» وقنوات تركز على سجود «حرّاقة» في شواطئ اسبانيا!

أدركت بعض الحكومات العربية، متأخرة، أنه ينبغي إيلاء الاهتمام اللازم للشباب على جميع المستويات، بشرط ألا يكون هذا الاهتمام خاضعا لمنطق التحكم والسيطرة والحجر وفرض الأحادية في الرأي والتفكير. جاء هذا الإدراك بعدما أيقنت تلك الحكومات أن الأمر بدأ يفلت من بين يديها، حين صارت تلاحظ أن الشباب استعان بوسائل التواصل الحديثة للإفصاح عن مكنوناته، والتعبير عن آرائه بكل حرية وجرأة، متجاوزا في ذلك كل الحواجز التي وضعت في طريقه، اجتماعيا ونفسيا وسياسيا وقانونيا؛ ومتجاوزا أيضا وسائل الإعلام التقليدية ذات الانتشار المحدود، بخلاف الإمكانيات التواصلية الكبرى التي تتيحها الشبكة العنكبوتية.
غير أنه لم يقع الاهتداء بعد، على المستوى العربي، إلى الكيفية الناجعة باستيعاب الشباب ومسايرة تطلعاته وتجسيد انشغالاته، لأن المسألة تتعلق بعقليتين متعارضتين تماما: عقلية تجرّ إلى الوراء وتحاول الحفاظ على المكاسب وتثبيت القيود، وعقلية أخرى جامحة منفلتة ذات أفق كوني واسع. ويبقى الإشكال في كيفية التوفيق بين طرفي هذه المعادلة، ولن يتحقق ذلك ـ في نظرنا ـ إلا بمراجعة أساليب التعامل مع الشباب وفق رؤى حداثية متطورة، منفتحة على العالم دون الانسلاخ عن الهوية والكينونة.
في ضوء هذا المعطى، يمكن فهم المبادرة التي أقدم عليها التلفزيون المغربي، بإحداث برنامج حواري جديد يحمل اسم «شباب في الواجهة» ويفسح المجال للشباب من أجل مناقشة العديد من القضايا الراهنة التي تخصّ اهتماماتهم وتطلعاتهم. ما يهم ليس الفكرة في حد ذاتها، فكثير من البرامج الشبابية يوجد منذ مدة طويلة في أكثر من قناة تلفزيونية؛ لكن المهم هو الروح التي انبنى عليها البرنامج، كما تبدى لنا من خلال الحلقة الأولى المبثوثة عشية الثلاثاء المنصرم على القناة المغربية الأولى؛ إنها روح الجرأة والانفتاح وترك المجال للضيوف من أجل التعبير عن آرائهم بكل حرية وتلقائية.
استضافت البرنامج في حلقته الأولى مُمثّـليْـن عن منظمتين شبابيتين حزبيتين: هشام بن لامين عضو المكتب الوطني لشباب حزب «العدالة والتنمية» المشارك في الحكومة، ومحمد البوكيلي عضو المكتب التنفيذي لمنظمة «الشبيبة الاستقلالية» التابعة لحزب الاستقلال المُعارض، ودار موضوع النقاش حول الدور الذي لعبته المنظمات الشبابية الحزبية خلال جائحة فيروس «كورونا».

صراع الأفكار

ما يُحسب للبرنامج الذي يُعدّه ويُقدّمه الإعلامي الشاب مهدي محيب باقتدار وكفاءة عاليتين، أنه ابتعد عن لغة الخشب والقوالب الجاهزة، وشكل فضاء لصراع الأفكار المختلفة بخطاب قوي وصريح. إلى حد أنه سمح بتمرير وجهات نظر لا تكتفي بانتقاد الحكومة انتقادا لاذعا (لا سيما من الضيف المنتمي إلى المُعارضة) بل إن سهام النقد وُجِّهت حتى إلى التلفزيون نفسه صاحب البرنامج، دون أن يتدخل المقص بالحذف، وأيضا دون أن يحاول مُنشّط البرنامج تغيير مجرى النقاش والدفاع عن القناة التي يعمل فيها دفاعًا مستميتًا.
عاب ممثل منظمة «الشبيبة الاستقلالية» على الإعلام العمومي كونه ـ في رأيه ـ كان دون الطموح المنشود في التعامل مع أزمة «كورونا» وفي توعية المواطنين، مُرجعًا ذلك إلى أن الحكومة لم تكن تزوّده بالمادة اللازمة، إذ أن المسؤولين الوزاريين كانوا يَغيبون لأيام طوال، قبل أن يباغتوا المواطنين بقرار يُنشر في منتصف الليل، أيام العطلة الأسبوعية.
ووجدت المنظمات الشبابية الحزبية البديل في وسائط التواصل الاجتماعي، بالنظر إلى تأثيرها القوي؛ مثلما أوضح القيادي الشبابي المذكور، ولو أنه كان مبالغا بعض الشيء في مؤاخذته على الإعلام العمومي، فهذا الأخير ـ والحق يقال ـ كان حاضرا بكثافة خلال فترة الجائحة، من خلال الإخبار والتوعية والحوار… أما مؤاخذة الحكومة على تقصيرها فالملاحظة في محلها. «ما لله لله، وما لقيصر لقيصر».
في حين كان لممثل منظمة شباب «العدالة والتنمية» رأي مغاير في الموضوع، إذ قال إن المغرب اليوم لا يحتاج إلى الخطابات السوداوية، وفي الوقت نفسه لا يحتاج إلى الخطابات التي تكتفي بالتطبيل، بل يحتاج إلى الخطاب المنصف الموضوعي.

الوطن الطارِد

بعيدًا عن هذا الصنف من الشباب المغربي الذي يؤمن بأهمية العمل الجماعي ووضع اليد في اليد من أجل تجسيد الحلم في الإصلاح والتغيير، سواء كان ذلك مُؤسَّسًا في إطار منظمات وجمعيات وأندية، أو كان عفويا في إطار تشبيك افتراضي لمنتديات التواصل الاجتماعي؛ ثمة صنف آخر من الشباب المغربي فقد الأمل في كل شيء داخل الوطن، نتيجة سياسة التهميش والتفقير والإقصاء وسيادة منطق الريع والولاءات، وراح ينشد «الفردوس» من وراء البحار، عبر المخاطرة بركوب «زوارق الموت» مجهولة المصير.
إنهم «الحرّاقة» بالتعبير العامّي، لأنهم «يحرقون» أوراق الهوية التي قد تدلّ الأمن الإسباني على جنسياتهم، ويحلمون بهوية جديدة ووطن جديد يضمن لهم لقمة العيش المرّة. ولكن «ما كل مرّة تسلم الجرّة» قلما ينجح «الحرّاقة» في الوصول إلى الشواطئ الإسبانية، فالغرق ينتظر بعضهم، والاعتقال ينتظر البعض الآخر، والاستغلال وظروف العمل البئيسة جدا تنتظر طائفة أخرى ممّن يُخيل إليهم أن الهجرة السرية وفّرت لهم طوق النجاة.
من هنا، يمكن أن نفهم سرّ الصور التي تدوولت خلال الآونة الأخيرة، والتي تُظهر «حراقة» مغاربة وهم يسجدون على الرمال، بعد تمكنهم من الوصول، على متن قارب خشبي صغير، إلى شاطئ قادس جنوب إسبانيا.
صورٌ تداولتها تلفزيونات عربية وعالمية، من بينها قناة «الشرق» التي علّق إعلاميُّها معتز مطر قائلا: هذا مشهد مؤسف جدا، لكنه متكرر باستمرار، وللمرة الألف علينا أن نواجه أنفسنا بالحقيقة، فالحكاية ليست فقط حكاية المهاجرين المغاربة الذين سجدوا لله شكرا مباشرة بعد خروجهم من بلدهم، إنها حكاية أغلب الدول العربية التي تمتلك ثروات كبيرة، ويبقى أحد أكبر أحلام سكانها أن ييسر الله لهم سبل الخروج من تلك الدول، نتيجة القهر والظروف المعيشية وغياب الكرامة.
وتساءل معتز قائلا: كيفية أصبحت الأرض العربية أرضا طاردة بكل تلك القسوة؟ من قبل، كان النفي يتم خارج البلاد، مَن يُراد نفيه ومعاقبته يُسفَّر خارج البلاد، أما اليوم فالعقاب أن تتركه داخل البلاد وتحاصره فيها!

مؤيدون ومعترضون

بدورها، بثت قناة «بي بي سي ـ عربي» صور أولئك الشباب «الحراقة» الساجدين شكرا لله بعد وصولهم إلى الشاطئ الإسباني خلال الساعات الأولى من الصباح، وسط دهشة رواد الشاطئ.
وأوردت القناة في برنامجها «ترندينغ» نماذج من التغريدات والتعليقات التي كتبها مغاربة في شبكات التواصل الاجتماعي، فمن قائل: «يسجدون لله لأنه أوصلهم بسلام ونجّاهم من بلاد الحقرة (الاحتقار) والفساد والمعاناة والفقر والبطالة» ومن مُعترض بالقول: «عليهم ألا ينتظروا أن تتحقق أحلامهم في أوربا، فهي نفسها غارقة في البطالة، والعالَم مُقبل على أزمة اقتصادية خانقة بسبب جائحة كورونا».
ويبقى الجدل مستمرا بشأن موضوع «الحريق» أو الهجرة السرية؛ ولكل فريق حججه على تأييد الفكرة أو معارضتها.

 كاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية